العدالة مفردة قوية جدا

اخبار الخليج
31/10/2014
بقلم: حسن محمودي
کانت العدالة دائما مفردة قوية جدا طوال التاريخ ومازلنا نجعل منها مصدرا للقوة، فلم يکن يقوی أي ديکتاتور مستبد ومتطرف علی مواجهتها إلا انه لا بد من دفع ثمن إحياء وظهور هذه الکلمة وهذا الثمن هو ما يدفعه الأحرار والمثقفون دائما.
هنا مخيم ليبرتي قرب مطار بغداد الدولي. انه اسم رائع وجذاب في إيحائه لمن يسمعه عن بعد من دون اطلاع علی حقيقة ما يجري فيه، أما المطلعون فلا يرون فيه حق الاسم ولا رسم الوصف «مخيم ليبرتي اسمه ليبرتي ولا اسم في الاسم.. أما السکان فقد تعاونوا مع المجتمع الدولي کإثبات لحسن النوايا، وضحوا من أجل الحرية علی ان تکون لهم الحرية ولم تکن». ليبرتي خربة ومکان شبه مدمر حيث لا مخيم ولا حرية بل انه سجن ومعتقل يختصر في الألم والمرض والتعذيب والموت داخل حصار بالجدران الکونکريتية المرتفعة ورجال مسلحين، کما يمنع التردد منه واليه کما يمنع وصول الصحفيين والبرلمانيين والشخصيات الحقوقية اليه. مخيم ليبرتي بالبؤس الذي جعلوه عليه والظلم القائم بحقه وبحق سکانه جعله القائمون والاوصياء عليه خنجرا في خاصرة بلاد الرافدين.
ذهبت منذ فترة الی صديقي القديم محمود محمد أحد سکان المخيم المصاب بمرض السرطان وجعل يروي قصة حياته: ولد محمود في مدينة طهران وأکمل تعليمه الإعدادي والثانوي القسم الادبي في طهران، وامتزجت آماله مع وصف للطبيعة والإنسان والاجتماع وصولا الی الانتفاضة عام 1979 حيث تجسدت آمال محمود في مشاهد الانتفاضة الشعبية تلک حيث تجاوزت کل ما کان يتوقعه.. وبعد الثورة ضد الملکية تعرف لاحقا علی منظمة مجاهدي خلق الايرانية وقضيتها. وبعد فترة أقدم بشجاعة الانخراط في صفوف الأحرار في مخيم أشرف بهدف الدفاع عن الحرية وطموحات الشعب الايراني المشروعة. وهناک في أشرف قاوم أعمال الاضطهاد والتعسف بما فيها 4 هجمات شنها عملاء النظام الايراني علی اشرف ثم تحمل قصفا صاروخيا علی مخيم ليبرتي لـ 3 مرات. وتحدث عن اصابته بمرض السرطان المؤلم حيث يقول: «في يوم من الأيام عندما رفعت حملا ثقيلا فجأة أدرکت انه کسر عظم عضدي، حيث شعرت بألم شديد وبعد عدة أيام بعد ان خضعت لفحوص طبية قال الطبيب لي إنک اصبت بمرض السرطان في العظم». ولکن الخبر لم يمنعه من ممارسة نشاطاته حيث يقول: «شاهدت الموت أمام أعيني غير آن الأمر العجيب هو أنني شعرت بأن إصابتي بهذا المرض قد جعلتني أکثر شراسة بوجه الظلم واستعدادي لدفع ثمن مواجهتي له الی ابعد المستويات واکثر مما کانت عليه إرادتي سابقا، بحيث شعرت انه ومنذ ذلک اليوم أصبحت معاني المفردات والحقائق بالنسبة لي أکثر وضوحا وواقعية وأخذت معاني کلمات مثل المحبة والشعور بالصداقة والعرفان بالجميل تجاه الآخرين والتقاليد الانسانية السامية لونا آخر، کما شعرت في داخلي بإحساس يدفعني الی المزيد من الأمل والفرح». وألف محمود الکثير من المقالات الأدبية في وصف مشاهد لصمود ومقاومة أصدقائه أمام ظلم الاعداء وتقاعس وسکوت المجتمع الدولي بما فيها رسائل کتبها حول أصدقائه بشأن ضرورة المقاومة بوجه الظلم. الاشعار التي ألفها محمود مباشرة بعد 3 هجمات صاروخية علی ليبرتي وقد أثار بذلک الأمل من جديد لدی أصدقائه.
محمود: «رغم فرض الحصار علی ليبرتي فإننا نعيش في زمن لم يعد يمکن تکميم الافواه والأفکار فيه وأخذ لسان الناس بالرهينة، ولا يمکن لغيوم الظلام ان تحجب اشراقة شمس الحرية». واضاف محمود بينما ملئت مفرداته بالأمل الکبير يقول: «ان أفق العصر الجديد يبشر بغروب المستبدين والمتطرفين الظلاميين وعرابهم في طهران».
سألت عن کيفية العنايات الطبية فقال لي: «يفتت الألم العظام في جسدي وأعاني من صداع شديد في رأسي بسبب نفاد أدويتي المهدئة حيث لم يسمح رجال الاستخبارات في ليبرتي له بالخروج من المخيم ووصوله ووصول مرضی آخرين إلی المستلزمات الطبية حيث إن السکان يعيشون في حصار طبي». واضاف: «بإمکاننا الذهاب إلی مستشفی واحد فقط مع وضع شتی العراقيل أمامنا بحيث لم يسمح في البدء للمترجم بالذهاب معک ثم يقومون بمماطلة وهدر الوقت في مدخل المخيم حتی الوصول الی المستشفی متأخرا وبعد کل ذلک لا يسمح لک بأخذ وصفة العلاج من الصيدلية بحجج مختلفة وواهية اضافة الی التعامل معک کمجذوم.. وقد توفي 21 من السکان بهذه الطريقة إلی الآن».
ويقول محمود بشأن تقاعس المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة تجاه مذکرة التفاهم التي لم يندرج فيها أبدا رأي السکان يقول: «في بعض الاحيان، ان تحمل الآلام مهما کانت شديدة إلا أنها أکثر راحة من سکوتهم لانهم يهدون روح الإنسان الحزينة». واختتم محمود کلامه بالأمل الکبير يقول: «لا يمکن منع نمو البرعم لأن ذلک يتطلب في البداية حجب أشعة الشمس من السماء وهذا ما لا يمکن فعله».
* کاتب إيراني







