هل من وساطة مصرية للأسد؟

الشرق الاوسط
29/10/2014
بقلم:عبدالرحمن الراشد
«الرئيس (السوري) بشار الأسد، الذي يسعی باتصالاته الدبلوماسية مع (مصر) إلی إقناعها بالتوسط لدی السعودية (حليفتها) الکبری حاليا، لتعديل موقفها المتشدّد منه ومن نظامه، وهي اتصالات موثقة. وهو يحاول الإيحاء في اتصالاته بوجود خلافات أساسية بينه وبين إيران، وخصوصا حول دور الدين في الدولة والنظام. علما بأن تجاوب مصر حاليا قد يکون مستبعدا»!
هذه رواية نعوم سرکيس، في مقاله في جريدة «النهار»،
الذي يملک مصداقية تجعلنا نتوقف عندها؛ فاستعانة الأسد بالقاهرة تؤکد کل ما لدينا من معلومات؛ إنه يعيش أسوأ مراحله منذ قيام الثورة في مطلع عام 2011. فهل فعلا هو علی خلاف مع الإيرانيين؟ وهل القيادة المصرية مستعدة للتوسط لإنقاذ أسوأ ديکتاتور عرفته المنطقة في مائة عام؟ وهل يعقل أن تقبل السعودية أن تعيد العلاقة معه؟
ولو بدأنا من الأخير، فإنه من المستحيل أن ترضی السعودية بعقد صفقة، مهما کان الوسيط وکان عرض الوساطة، لأسباب من بينها أن هناک ربع مليون إنسان قتلهم النظام، أمر لا يمکن أن يغتفر، مهما کانت توبة الأسد. وثانيا، لقد أصبح الصراع أکبر من الأسد. ولا أستبعد أن يلجأ الرئيس السوري، المحاصر في الزاوية، إلی مصر طلبا لشفاعتها وفک الحبل عن رقبته، إنما من المستبعد تماما أن تجد رغبته صدی في الرياض.
وإذا کان الأسد حقا يحاول التغرير بالجانبين المصري والسعودي، مدعيا الخلاف مع الإيرانيين بسبب التدخلات الدينية في دولته، فإن أحدا لن يصدقه، لأنهما يدرکان أنه ليس في موقع يسمح له أن يتعالی علی الإيرانيين وهم من يقومون بالقتال نيابة عنه، وقد أنفقوا الکثير في سبيل إبقاء نظام البعث السوري علی قيد الحياة حتی الآن. لقد فقد النظام معظم قدرات مؤسستيه العسکرية والأمنية اللتين حکم بهما البلاد طوال أربعة عقود. ودون أن تستمر إيران في دعم النظام الأسدي فإنه يسقط في ليلة.
ولقد جرّب الأسد مرات إقناع السعودية بتغيير موقفها وفشل، لأنه لا ينوي أبدا التخلي عن السلطة، حتی في إطار مصالحة تحافظ علی هيکل الدولة ببعض شخصياتها الحالية. وفي المملکة رأي عام مطابق لموقف الحکومة، وحاد جدا، يستحيل أن يقبل بمصالحة مع الأسد الذي يعتبره أبشع حاکم عرفته المنطقة في تاريخها. وبالتالي لا بد من القول إن علی الأسد أن ينسی فکرة المصالحة، وأن يسلک الطريق الوحيد أمامه، أن يحزم حقيبته ويرحل إلی موسکو أو طهران. وبإمکان مصر، إن کانت تشعر بشيء نحوه أو تريد مقايضته، أن تمنحه إقامة في واحد من بيوت الضيافة العديدة، مع أن ذلک سيغضب الکثيرين.
ولا شک أن الموقف المصري محير حيال النزاع في سوريا منذ الثورة، ففي البداية أيد حکم الإخوان الطرح الإيراني بمصالحة تقوم علی بقاء الأسد حاکما، مع منح المعارضة مناصب هامشية في الحکومة. وموقف الإخوان ينسجم مع علاقتهم القوية مع الإيرانيين التي بدأت منذ ثورة الخميني قبل ثلاثة عقود، ولا يزال الإيرانيون الداعم الأکبر للجماعة في مصر والسودان وغزة. ثم تبنت حکومة مرسي موقفا مختلفا في آخر أيامها، قبل الثورة الثانية، أعلنها مرسي في مناسبة واحدة عندما أعلن أنه مع تغيير النظام في دمشق أمام جمع من الجماعات الإسلامية الخليجية.
والحقيقة، ما نقوله عن الخيارات لم يعد مهما، فنحن تجاوزنا مرحلة النقاش حول النظام السوري، لأنه بات شبه منهار، ويعيش علی الدعم العسکري الإيراني بشکل کامل. وهو الآن يحلم بمعجزة ما تمد في عمره في الحکم. وأنا أظن أن المعجزة الباقية أن يوسط الأسد الرئيس المصري للسماح له بالخروج من دمشق، ضمن اتفاق سياسي يحافظ علی شيء من النظام، بما ينسجم مع اتفاق لقاء جنيف الأول. هذه الوساطة التي يمکن لمصر أن تلعبها، وقد تجد قبولا من المعسکر الآخر، في ظل توسع «داعش» وتورط الغرب وفشل الأسد وحلفائه.







