متظاهرو باريس يرفضون الخلط بين الإسلام و”الإرهاب”

الجزيرة نت
12/1/2015
قبل ساعتين من بدء المظاهرة، کانت السيدة الخمسينية “حياة” بحجابها الأبيض وبذلتها السوداء المحتشمة تقف في قلب ميدان الجمهورية الذي اختاره المنظمون منطلقا للمسيرة المليونية التي شهدتها باريس الأحد، تضامنا مع ضحايا الهجمات التي أودت بأرواح 17 فرنسيا الأسبوع الماضي.
حينما سألت الجزيرة نت حياة -التي جاءت من إحدی ضواحي العاصمة الفرنسية صحبة ابنتها الشابة- عن سبب حضورها المبکر، ردت بهدوء وحزم “لست هنا لأعتذر لأي کان عما اقترفه أحمدي کوليبالي والأخوان کواشي (منفذو الهجمات)، فنحن المسلمين ليس لدينا أي شعور بالذنب أو بالمسؤولية عن تلک العمليات الإجرامية”.
وأردفت السيدة ذات الأصول التونسية قائلة “نحن هنا لنقول لا للعنف والإرهاب، ولنعبر عن تضامننا المطلق مع عائلات الضحايا وحرصنا علی العيش المشترک في ظل مبادئ جمهوريتنا وقيمها النبيلة”.
لا للتعميم
هنا تدخلت “إلهام”، الطالبة الجامعية، مقاطعة أمها “نريد أيضا أن نقول بصوت عال إننا نرفض الخلط بين الإسلام والإرهاب الذي يبدو أمرا رائقا لبعض سياسينا وإعلاميينا”. ثم تساءلت الفتاة بلهجة استنکارية “لماذا لا يطبق هذا التعميم وهذه المسؤولية الجماعية علی من يرتکبون اعتداءات باسم معتقدات اليمين القومي المتطرف أو باسم اليهودية والصهيونية هنا وفي الخارج؟”.
وأضافت إلهام (24 عاما) “لن يرغمنا أحد علی رفع مثل تلک اللافتة”، مشيرة بيدها إلی قطعة قماش بيضاء کُتب عليها بأحرف لاتينية سوداء “أنا شارلي”، وهي العبارة التي أراد متظاهرون التعبير من خلالها عن تضامنهم مع الصحيفة الفرنسية الأسبوعية الساخرة “شارلي إيبدو” التي قُتل ثمانية من صحفييها ورساميها في الهجمات.
وتترجم تصريحات حياة وابنتها مشاعر أغلبية واسعة من مسلمي فرنسا الذين يقدر عددهم بخمسة ملايين نسمة، ويشکلون أکبر جالية مسلمة في أوروبا.
وقد وجدت مواقف السيدتين قبولا لدی فيليب الذي جاء من مدينة أنجير بغرب فرنسا ليشارک في مسيرة باريس حاملا لافتة تؤکد علی وحدة الأديان السماوية الثلاثة في مواجهة العنف.

شرکاء في الوطن
ويری فيليب -وهو طبيب في الأربعين- أنه “يجب احترام شعور شرکائنا في الوطن من أبناء الديانة الإسلامية”، مشددا علی أنه “لا يليق أن نطلب منهم التماهي مع صحيفة أساءت لرموزهم الدينية”. وأعرب عن سعادته “بروح الوحدة والأخوة التي سادت المظاهرة”.
وأشار إلی أن الإرهاب “خطر کوني لا دين له ولا لون”، مضيفا أنه “ينبغي علی الکل أن يعي ويدرک أننا في هذا العالم سکان قرية واحدة، بل أقول جيران في العمارة ذاتها، وأن علينا أن نتعاضد في وجه التحديات المشترکة”.
لم يکن فيليب الوحيد الذي حضر من مدينة أخری. کانت هناک أيضا دانيال (60 عاما) القادمة من مانت لوجولي الواقعة علی بعد 57 کيلومترا غربي باريس، وتقول “لن نخاف من الإرهابيين مهما ارتکبوا من جرائم ولن نتنازل قيد أنملة عن حرياتنا الأساسية وعلی رأسها حرية التعبير”.
وأضافت “لست ممن يصدقون أن الارهابي له دين، فأنا أعلم علم اليقين أنه لا توجد ديانة علی وجه الأرض تحرض الإنسان علی قتل أخيه الإنسان”، مشيرة إلی أن “کل تلک المعتقدات تدعو إلی التعارف والمودة بين الأفراد والشعوب”.
من جانبه، أعرب استيفان -وهو طالب بإحدی کليات الحقوق- عن أمله في أن تستخلص بلاده العبر من هذه الأحداث، وأن لا تلهيها الحلول الأمنية عما سماها “معالجة الأمور في عمقها الاجتماعي المتمثل في الحرمان والتهميش” لسکان ضواحي کبريات المدن الفرنسية التي خرج منها مرتکبو هجمات باريس.







