رسائل ظريف بين التذاکي والتهديد

الحياة اللندنية
16/8/2015
بقلم : خالد الدخيل
يحسب لنظام الجمهورية الإسلامية الإيرانية ثبات خطابه، خصوصاً تجاه العالم العربي. الثابت الأبرز في هذا الخطاب هو التناقض الحاد بين مضمونه النظري والممارسة السياسية للدولة علی الأرض. والثابت الآخر إصرار القيادة الإيرانية علی تجاهل هذا التناقض وکأن لا وجود له.
ما يعني أن التناقض هنا ليس عفوياً، أو طارئاً. علی العکس، هو سياسة تتمسک بها القيادة الإيرانية بتعمد وقصد مسبق لا تخطئهما عين مراقب. تستمع يوماً إلی خطب المرشد علي خامنئي، أو تقرأ تصريحات رئيس الجمهورية حسن روحاني وتغريداته علی حسابه في «تويتر» عن سماحة الإسلام، وعن الأخوة الإسلامية. ثم تقرأ في اليوم التالي لمستشار المرشد أو الرئيس عن أن البحرين ولاية إيرانية، وأن بغداد هي عاصمة الإمبراطورية الفارسية. في العراق تقول طهران إنها مع حکم الغالبية في العراق. في المقابل تتنکر لحکم الغالبية في سورية وتحارب هذه الغالبية بالسلاح والمال والميليشيات. «البعث» العراقي بالنسبة إلی القيادة الإيرانية، حتی قبل حرب 1980، هو حزب علماني کافر، عميل لأميرکا والصهيونية. أما «البعث» السوري فلا يرد في خطاب القيادة الإيرانية علی الإطلاق. هل هو علماني کافر أيضاً؟ الأهم بالنسبة إلی هذه القيادة الرئيس بشار الأسد وليس الحزب. ليس مهماً أن الأسد لا يمثل، بالمعيار الإيراني ذاته، إلا أقلية صغيرة. لماذا تعترف إيران بحق الغالبية في العراق، وهي -إذا صحت- غالبية ضئيلة، وتتنکر لها في سورية وتحاربها، وهي غالبية کبيرة؟
آخر مؤشر علی ثبات الخطاب الإيراني جاء في رسالة وزير الخارجية محمد جواد ظريف. وقد جاءت علی شکل مقالة کتبها بالتزامن في صحيفتي «السفير» اللبنانية و «الشروق» المصرية، وفي تصريحات أطلقها من بيروت أثناء زيارتها الأسبوع الماضي. يقول وزير الخارجية في مقالته إن إيران تتمسک بالقول العربي «الجار ثم الدار». وهذا القول جميل، بل هو المطلوب حقاً. لکن مرة أخری واقع الحال يتناقض معه رأساً. هل هي مصادفة أنه بعد أيام من رسالة ظريف کشفت الکويت خلية إرهابية لـ «حزب الله» اللبناني، أحد أذرع إيران في المنطقة؟ العراق من ناحيته هو أقرب الجيران العرب إلی إيران. ولأنه کذلک أصبح أکثر الدول العربية معاناة من هذه الجيرة حروباً وطائفية وميليشيات وقتلاً وفساداً. حتی لو سلّمنا بأن صدام حسين کان المسؤول الأول والأخير عن الحرب المدمرة التي دارت رحاها بين البلدين ما بين 1980 و1988، فإن دور إيران في ما يحصل للعراق منذ 2003 وحتی الآن لا ينافسها فيه إلا الدور الأميرکي. هل هذا هو معنی الجيرة التي يتحدث عنها ظريف؟ بالتأکيد، فحديث ظريف عن الجيرة محصور في معناها الثقافي، مع ترک متطلباتها وتبعاتها السياسية للمعادلات والتوازنات السياسية. وهو بذلک حديث أيديولوجي مکشوف. مخاطبة الناس تختلف عن التعاطي مع الأحداث وما يحکمها من توازنات. ليس من الحکمة ولا المصلحة الخلط بين الاثنين. الالتزام بهما معاً يعبر عن سذاجة مربکة. والفصل بينهما عين الحکمة السياسية.
تعلمت إيران ولاية الفقيه من صدام حسين شيئين. الأول أن بقاء العراق قوياً متماسکاً يحرمها أولاً من العمق الاستراتيجي الوحيد المتاح لها. في حين أن مصلحتها تقتضي أن يکون العراق منقسماً وضعيفاً، بما يتيح لها الحصول علی هذا العمق، ومن ثم نشر نفوذها فيه، والتأثير علی توازناته الداخلية، وبالتالي علی مواقفه وسياساته الإقليمية. وهذا ما حصل تماماً بعد الغزو الأميرکي، حين باتت المصلحة الإيرانية إحدی محددات السياسة الخارجية للعراق. ومن حيث إن الطائفية هي آلية الانقسام التي توظفها إيران، فإن بقاء العراق قوياً وموحداً يبقي عليه حاجزاً أمامها يحرمها من هذه الآلية، ويمنعها من التواصل المباشر مع حليفها في سورية، وبالتالي من التواصل مع المشرق العربي علی أساس من الآلية ذاتها.
الأمر الثاني الذي تعلمته إيران، أن الدخول في حروب مباشرة مع دول الجوار سيضعها في حال صدام مباشر مع الدول الکبری، وهو ما حصل لصدام حسين. الأفضل من ذلک، والأقل کلفة سياسية، حروب بالوکالة، من خلال إنشاء ميليشيات ترتبط عقائدياً بإيران. ولذلک لم تنتشر الميليشيات الشيعية علی نطاق واسع في العراق وسورية إلا بعد سقوط العراق، وإعادة تأسيس الدولة فيه علی أساس الانتماء الطائفي. لاحظ هنا ترکيز إيران علی فکرة الميليشيات علی حساب الجيوش الوطنية في الدول التي تنفذ إليها. هذا ما فعلته بالتعاون مع النظام السوري في لبنان من خلال إنشاء «حزب الله». وهو ما تفعله في العراق بعد الاحتلال الأميرکي، وما تفعله في سورية بالتعاون مع النظام بعد الثورة. ومن الطبيعي والحال کذلک أن انتشرت الميليشيات السنية في المناطق ذاتها.
هذا عن الجيرة التي قال ظريف في رسالته إنها تقتضي «احترام سيادة ووحدة تراب جميع الدول واستقلالها السياسي وعدم انتهاک حدودها». يستطيع ظريف الاختباء وراء «سياسة الحروب بالوکالة» بالقول إن إيران لا تنتهک هذه القاعدة الذهبية. لکنه يرد علی نفسه بقوله إن «علينا جميعاً أن نقبل حقيقة انقضاء عهد الألاعيب التي لا طائل تحتها». هل يتفضل علينا بأن تبدأ حکومته بقبول هذه الحقيقة ومقتضياتها؟
هناک مواضيع أخری تناولها ظريف في رسالته. من أهمها مطالبته بـ «تفاهم أفضل لدراسة ولتسوية قضايا کالإرهاب والتطرف، ومنع نشوب حروب مذهبية وطائفية…»، وهو ما يتکامل مع خطاب دولته بأنها إلی جانب ذلک تحارب التکفير والتکفيريين. والسؤال الذي يبرز أمام هذه المطالبة النبيلة هو: أليست إيران هي من دشن الطائفية في المنطقة وحولها إلی عملية سياسية، وأحزاب وميليشيات تنافس الدول؟ لا ينافس إيران في ذلک إلا «داعش»، و «جبهة النصرة» وأخواتهما. هنا تشترک إيران مع التنظيمات الإرهابية، وليس مع دول المنطقة، في مفاقمة الطائفية والإرهاب، وليس محاربتهما. ومن ثم إذا کان الوزير صادقاً فلماذا لا تبدأ إيران بخطوتين مهمتين في هذا الصدد: الأولی التخلي عن سياسة الحروب بالوکالة، وبالتالي التخلي عن الميليشيا کرافعة لسياستها الإقليمية. والخطوة الثانية تعديل دستوري يلغي تعريف الجمهورية الإسلامية بأنها دولة شيعية علی المذهب الاثنا عشري (المادة 12 من الدستور)، ويلغي حرمان أکثر من 40 في المئة من سکان إيران من حق الترشح لرئاسة الجمهورية علی أساس مذهبي (المادة 115). وإذا کان رد الوزير بأن هذا شأن داخلي، وهو قد يکون محقاً في ذلک، فعلی الأقل أن تلتزم دولته بحصر مفاعيل مثل هذه المواد الدستورية داخل حدودها، ووقف العمل بمد مفاعيلها خارج هذه الحدود. لماذا نقول ذلک؟ لأن إيران تقر وتعترف بنصوص دستورها بأنها دولة طائفية. ولا يستقيم والحال کذلک القول بأن هذه الدولة تحارب الطائفية والتکفير. فالطائفية بحد ذاتها تکفير، بل ذروة التکفير، وإلا لا معنی لها، ولا مبرر لوجودها وتبنيها. ولأنها کذلک، فالطائفية هي الآن المصدر الذي يتغذی منه الإرهاب، وتسفک علی جنباته دماء الناس في شکل يومي في المنطقة. من ناحية ثانية، عندما تحرم الدولة مکوناً من مکوناتها من حقه السياسي علی أساس ديني أو مذهبي، أو عقدي عموماً، فهي تفعل ذلک لأنها تعتبر عقيدته منحرفة بما يبرر حرمانه من هذا الحق. وهو ما يعيدنا إلی ثابت الخطاب الإيراني.
لا يمکن والحال کذلک أن يکون هناک حوار مثمر بين إيران وجيرانها قبل تخلي طهران عن هذا الخطاب، وتحديداً عن سياسة الحروب بالوکالة، ونبذ آلية الميليشيا. لم تحارب المنطقة صدام حسين لتتعايش مع مثل هذه السياسة التي تؤدي إلی النتيجة نفسها. من ناحية ثانية، ليس هناک مبرر للحوار مع إيران حول الأوضاع العربية عموماً. موضوع اليمن مثلاً يخص اليمنيين، ودول الجزيرة العربية التي تشترک فيها مع اليمن. محاولة إيران مکشوفة هنا. تحاول من خلال مقترح التفاوض علی هذا النحو تثبيت مکاسبها في العراق وسورية وجعلها جزءاً من ترتيبات إقليمية ثابتة. والسماح لها بذلک سيشجعها علی محاولة الحصول علی مکاسب أخری من خلال سياسة الحروب بالوکالة ذاتها. وهکذا، تريد أن تجعل الوضع العربي برمته هو موضوع التفاوض معها وليس سياستها. ومن ثم فإن رفض إيران التخلي عن هذا التذاکي المکشوف يعني أن دعوتها إلی الحوار إما کاذبة، أو أنها تخفي تهديداً مبطناً لدول المنطقة. وهذا ما يجب أن يکون مرفوضاً ابتداءً.







