أخبار إيران

لماذا النقل إلی «ليبرتي»؟- السيد احمد الغزالي


الشرق الاوسط
4/3/2012


بقلم: السيد احمد الغزالي رئيس وزراء الجزائر سابقا، ورئيس اللجنة العربية الإسلامية للدفاع عن «أشرف»



کتبت حتی الآن عدة مقالات وشارکت في مزيد من اللقاءات والندوات، شرحت فيها مغزی مخيم أشرف والرسالة التي يحملها سکان هذا المخيم إلی الشعب الإيراني، وإلی شعوب المنطقة، وإلی جميع الشعوب العربية والإسلامية، وإلی العالم أجمع.
الرسالة واضحة تماما: إذا أردتم التخلص من نظام الجهل والظلم والقمع والإرهاب والطغيان، فليس هناک سبيل سوی المقاومة والصمود والتحلي بالصبر والمثابرة ودفع أغلی ثمن ممکن. وإذا نظرنا إلی ما يجري في علاقة إيران الملالي بدول العالم، بدءا من أميرکا وأوروبا ووصولا إلی دول المنطقة، نری أن هذا النظام يعمل دائما من موقف هجومي شرس، والسبب هو أنه لا يری من يکون علی استعداد لدفع الثمن ووضع هذا النظام عند حده، لکن هذا النظام نفسه نراه عاجزا أمام حرکة مقاومة معارضة ليس لها رأسمال حقيقي سوی إرادة أعضائه وأنصاره، واتخاذها مواقف مسؤولة وسليمة وسلمية، واستعدادها لدفع الثمن.
وما جری خلال الأيام الأخيرة في «أشرف» ونقل بعض السکان إلی «ليبرتي» کان مرآة تعکس هذا الواقع.
کثيرون من رجال القانون والسياسة کانوا يؤکدون أحقية بقاء «مجاهدين خلق» في «أشرف»، المدينة التي بنوها بکدّ يمينهم وحولوا صحراء قاحلة إلی مدينة خضراء، وعدم قبول الانتقال إلی مکان آخر، خاصة أن النقل لا يمکن إلا أن يکون نقلا قسريا محظورا وفق المعايير الدولية. لکن السيدة مريم رجوي، رئيسة جمهورية المقاومة الإيرانية، أعلنت أنها عملت المستحيل لإقناع سکان «أشرف» لقبول الانتقال إلی المکان الجديد. السيدة رجوي تبحث عن حل سلمي لهذه القضية، وتريد قطع الطريق أمام الحکومة العراقية التي تعمل للقضاء علی مجاهدي «أشرف» لتطبيق خطة عمل خامنئي ضد معارضيه الرئيسيين.
وبعدما وصلت معلومات شبه دقيقة عن مخيم ليبرتي وصف الکثيرون من المتابعين هذا المکان بـ«السجن» أو «مخيم الموت»، علی غرار مخيمات الموت النازية.
إن تطورات «أشرف» تواکبها مواقف دولية.. علی سبيل المثال بعد توقيع مذکرة التفاهم في 25 ديسمبر (کانون الأول) الماضي بين ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في العراق، السيد کوبلر، والحکومة العراقية، بشأن نقل سکان «أشرف»، فقد رحب بهذه الخطوة کل من الأمين العام للأمم المتحدة والمفوض السامي لشؤون اللاجئين والسيدة الوزيرة کلينتون والبارونة آشتون وغيرهم. وذلک علی الرغم من أن السيد کوبلر وقّع هذه المذکرة دون موافقة وعلم سکان «أشرف»، الشرط الذي نص عليه الأمين العام للأمم المتحدة والسيد کوبلر نفسه سابقا.
مع ذلک أعلنت السيدة رجوي في نهاية ديسمبر الماضي أن 400 من سکان «أشرف» علی استعداد للانتقال مع ممتلکاتهم المنقولة وعجلاتهم إلی مخيم ليبرتي، وشددت علی أن هذه العملية تتم کبادرة حسن النية، وستکون بمثابة اختبار لتعامل الحکومة العراقية مع الالتزامات التي قدمتها للأمم المتحدة وللولايات المتحدة الأميرکية.
وقد أعلنت بعثة الأمم المتحدة لمساعدة العراق (يونامي) في بيانها يوم 31 يناير (کانون الثاني) 2012 «أن البنية التحتية للمنشآت في مخيم ليبرتي تتوافق مع المعايير الإنسانية الدولية التي تنص عليها مذکرة التفاهم الموقعة بين الحکومة العراقية والأمم المتحدة». جاء ذلک علی أساس تقرير قدمه «خبير للمأوی» تابع لمفوضية اللاجئين. لکن المفوضية نأت بنفسها عن هذا التقرير وأکدت أن «المفوضية تقدم المشورة في المجال الفني لتحسين البنی التحتية للمخيم».
وفي الخامس عشر من شهر فبراير (شباط) الحالي، أصدر الأمين العام للأمم المتحدة بيانا أعلن فيه أن الوقت قد حان لبداية نقل سکان «أشرف». وتبعته في ذلک وزارة الخارجية الأميرکية والسيدة آشتون.
وهکذا بدأت عملية النقل. لکن العملية تحولت إلی مشکلة کبيرة، حيث إن القوات العراقية قامت بعمليات تفتيش واسعة النطاق استمرت نحو 12 ساعة، ولم يسمحوا للسکان بنقل ما اتفقوا عليه سابقا من ممتلکاتهم وسياراتهم و… ممارسات غير مألوفة مقترنة بالإيذاء والإذلال والاستحقار. وهنا مرة أخری يبرز سؤال کبير: هل هؤلاء الناس يتم نقلهم إلی سجن؟ نعم هذه العمليات تؤکد أن الحکومة العراقية، وبأمر من النظام الإيراني، تنوي تحويل مخيم ليبرتي إلی سجن، بل أکثر من ذلک تريد تحويله إلی معتقل تمارس فيه تصفية سکان المخيم.
وبعد وصول السکان إلی «ليبرتي» أصبح واضحا أن ما قيل عن هذا المکان کان قليلا من کثير، حيث إن جميع المواصفات السلبية للسجن موجودة في هذا المکان، وليس هناک أي من المواصفات الإيجابية للسجن.
لا أريد الخوض في الجانب المعيشي والصحي لهذا المکان، حيث إنه، کما جاء في الصور، يشبه المزبلة. أعرف أن «مجاهدين خلق» يمکنهم العيش في ظروف صعبة وتعيسة واحتمال هذه الظروف لنکران الذات والترکيز علی الجانب النضالي، لکن الجانب الإنساني لا يمکنهم التغاضي عنه.
علي سبيل المثال، هناک نقاط تفتيش للشرطة داخل المخيم في عدة أرجاء في هذا المکان المحصور. فالسؤال هو لماذا وجود الشرطة بعد عمليات التفتيش الواسعة قبيل مغادرة «أشرف»؟ نعرف أن مساحة «ليبرتي» في نهاية المطاف أصبحت نحو ستمائة متر مربع، أي أقل من واحد بالستين مما أعلنه السيد کوبلر في البداية! وهذا المکان له حصار بارتفاع 6.3 متر، کما أنه يقع وسط ثکنات عسکرية عراقية. من جهة أخری يعيش في هذا المکان نساء مجاهدات ولا يشعرن بأقل شيء من الهدوء والأمن بوجود قوات الشرطة. ولا ننسی أن هذه القوات هي التي قتلت وجرحت عامي 2009 و2011 مئات من زملائهم في «أشرف».
کما أن منع تنقل السکان ومنع المحامين والصحافيين والمدافعين عن حقوق الإنسان والعوائل من اللقاء بالسکان، وسلب حق السکان في حرية الوصول إلی الخدمات الطبية، أمور تجعل مخيم ليبرتي مکانا أسوأ من السجن.
هناک مشکلات عدة في «ليبرتي»، لکن أکبر المشکلات هي وجود قوات الشرطة داخل المخيم. وما دام هذا المکان يبقي علی هذه الحالة فلا يمکن للآخرين من سکان «أشرف» أن يلحقوا بهم، وأنا شخصيا أشدّ علی أيديهم وأؤيدهم في موقفهم لرفض هذا الذل والمهانة.
کما أن 355 ألف عراقي وقعوا علی بيان أعربوا فيه عن قلقهم البالغ إزاء المضايقات التي يتحملها سکان «أشرف» للانتقال إلی مخيم ليبرتي، وأبدوا استغرابهم من تقاعس الأمم المتحدة لضمان الحد الأدنی للحقوق التي اکتسبها هؤلاء السکان.
وجاء في جانب من البيان: «نحن العراقيين يساورنا قلق بالغ من التحولات التي تطرأ علی حالة سکان مخيم أشرف، وانتهاک حقوقهم الإنسانية في ظل عملية نقل قسرية من قبل الحکومة العراقية. إن أي عملية نقل تعد نقلا قسريا وجريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية، لا سيما إذا کان هدف هذه العملية ممارسة مزيد من الأعمال التعسفية علی سکان (أشرف) ونقلهم إلی ظروف تتبادر إلی الذهن أسوأ من السجون».
کما أن وثيقة سرية تم الحصول عليها من داخل قوات الحرس الإيرانية تؤکد «أن نقل عناصر (مجاهدين خلق) إلی (ليبرتي) تحت سيطرة مباشرة للقوات العراقية، سيجعل هذه المنظمة مشلولة الحرکة.. ليس من المهم بالنسبة للحکومة العراقية کم سيبقون في (ليبرتي)، وإنما من المهم ألا يتمکنوا من فعل شيء.. إنهم في (ليبرتي) سيکونون في عداد الموتی…».
وهذا لن يحصل.


 

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.