عائلة سورية تتسلح بالأمل في مغامرة الموت إلی أوروبا

13 فردًا من عائلة الصبي زين تعبر 9 دول في شهرين
نيويورک تايمز
23/10/2015
رفع والد زين العابدين ماجد ابنه فوق سياج من الأسلاک الشائکة الملتفة في ليلة مقمرة بالقرب من إحدی المزارع الصربية، محاولا تسليمه إلی قريب له يقف في الناحية الأخری من السياج.
وعلی الرغم من أن زين لا يتجاوز الرابعة من عمره، فإن هذا ليس أول عبور سري له عبر الحدود، ولا يزال الصبي يتذکر تعليمات والده الصارمة لما فرّ وعائلته من وطنهم في سوريا إلی ترکيا عبر الحدود: «إياک أن تصدر صوتًا، وإلا ضربنا الحراس». وفي تلک الليلة، أصيب الطفل زين بجروح في ساقه اليمنی خلال عبور الأسلاک الشائکة بين صربيا والمجر، وبدت کأنها نقرات مشرط جراحي أليم. لم يئن زين وظل صامتًا.
ولد زين في سوريا مع بدايات الصراع الأهلي هناک. وظل منذ ذلک الحين برفقة عائلته الکبيرة، يعيشون وسط ذلک الصراع الدموي المميت، ويحيط بهم مزيج فوضوي من الخوف والتهديدات والابتزاز والخطف.
وفي هذا الصيف، صار زين، ووالده أحمد ماجد، وعدد من الأقارب الآخرين – وهم ثمانية من البالغين، ومن بينهم والدة زين الحامل، وخمسة أطفال آخرين منهم صبي صغير وطفل رضيع – جزءا من فصل مميز من فصول الهجرة البشرية السورية.
علی مدار شهرين، غادرت العائلة سوريا عبر الحدود الترکية، وعبرت ثمانية بلدان أوروبية أخری، غير أنها لم تکن علی يقين من وجهتها النهائية في أغلب محطات الرحلة. فرحت العائلة تارة واغتمت تارة، وشهدت أفضل ما في أوروبا وأسوأ ما فيها. وتحمل أفرادها الإرهاق المنهک واليأس المطبق، وعلقوا لمدة خمسة أيام کاملة في محطة القطار في بودابست، ثم احتجزوا في الدنمارک مع يأسهم الکامل تقريبا من المضي قدما. ثم غازلتهم لحظات انتصار وامضة، واحتالوا علی حراس الحدود، واستفادوا من صداقات عقدوها مع رفاق درب من مسافرين آخرين. يقول أحمد: «إن ذلک أفضل کثيرًا من الوفاة».
عادة ما يتم وصف العدد الهائل من الناس الذين هاجروا مع عائلة ماجد بـ«الموجة»، أو «الکتلة»، أو «الأزمة»، وهي جلها أوصاف يستعملها مراقبون من الخارج. ولکن علی مقربة منهم، بدا الأمر علی حقيقته؛ فهم أشخاص يخوضون رحلة قلقة ومرعبة. فبالنسبة لأفراد عائلة ماجد، انتقلت بهم تلک الرحلة من بساتين الزيتون في قريتهم السورية، التي کانت مصدر رزق العائلة لأجيال تلو الأجيال، إلی مستقبل مشوه غير معروف وسط ثقافة أجنبية مجهولة رافقتهم عبر أجزاء طويلة من رحلتهم، إلی جانب الکثير من المراسلين الصحافيين الآخرين من صحيفة «نيويورک تايمز»، حيث نعمل علی توثيق أفراحهم وأتراحهم، ونکون أحيانا جزءا من تجربتهم.
تعتبر عائلة ماجد من العائلات المتماسکة وميسورة الحال نسبيا. ولسنوات، حاول أحمد أن يتلمس بحذر أفضل سبل البقاء علی قيد الحياة داخل سوريا، حتی في الوقت الذي کانت البلاد تتمزق وتنقسم إلی إقطاعيات يديرها أمراء الحرب وعناصر الميليشيات المتناحرة. کانت لتلک العائلة المزدهرة اقتصاديا وذات مکانة اجتماعية مرموقة أسباب کثيرة لمحاولة البقاء خارج خضم العنف والاقتتال، حتی بعدما هددت بشکل مباشر.
ولما عقد أحمد العزم علی الرحيل، بعد عناد وطول بصيرة وتعقل، أخذ عائلته ضمن تيار البشر المهاجرين، وأجبروا علی الارتجال في کل خطوة يخطونها. وواجه بنفسه قرارات عنيفة للحفاظ علی تماسک العائلة، کما وازن احتمالات الحفاظ علی سلامة أفراد العائلة، حيث أصابه قلق کبير من آثار الرحلة علی نفسيات أطفاله. واضطر إلی اقتراض الأموال.
ترک أحمد ورائه حياة کاملة من التوقعات والإمکانيات، وأصبح يری أمامه الأمن وفرصا جديدة. ورغم کل ذلک، لم تکن لديه فکرة وافية عن کيف سيصل بعائلته إلی وجهته الأوروبية الجديدة، کما لم تکن لديه معرفة بالتحديات أو الإخفاقات التي سوف يلقاها علی طول الطريق، أو أشباح خيبة الأمل التي تنتظره وعائلته في نهاية رحلتهم الشاقة المضنية.
علی أحد جوانب خطوط السکک الحديدية في ايدوميني باليونان، وعلی مقربة من الحدود مع مقدونيا، کانت هناک مجموعة من نحو 20 شخصًا يستلقون طلبًا لبعض الراحة تحت ظل إحدی الأشجار في أحد أيام أواخر شهر أغسطس (آب). وکان أحد الرجال يقف متفحصًا هاتفه الخلوي، مرتديا سترة ذات لون برتقالي، ويفوق طوله 6 أقدام، ما جعله طويلا علی غير المعتاد بين رفاقه الآخرين.
کان ذلک الشخص هو أحمد ماجد، وکان واقفًا ليس فقط لأنه أطولهم، ولکن لأنه عميد العائلة الآن، وبرفقته مجموعة صغيرة من الرجال والنساء والأطفال ممن يتبعون خطواته. کان جبينه يبدو معقودًا علی الدوام في تعبير صارم عن التوجس، حتی وإن کان مبتسما.
بدأت في الحديث معه، وحکی لي وعائلته بعضًا من تفاصيل حياتهم، کما سمحوا لي بأن أشهد کفاحهم حفاظًا علی الأمل، والکبرياء، والکرامة، عبر رحلتهم الطويلة للغاية.
کانت العائلة قد قطعت طريقًا طويلاً عندما قابلت أفرادها، إذ عبروا بحر إيجة من ترکيا نحو اليونان أربعة أيام، وکان أحمد بمثابة الملاح لهم. وشاهدت مقطعًا للفيديو علی الهاتف الجوال لأحدهم، وهو يصورهم يتقافزون عبر الأمواج في زورق مطاطي قوي يدفعه محرک هادر. وفي المقطع المصور، کانوا يرتدون جميعهم سترات النجاة.. ويضحکون!
کانت السيدة جميلة خليل، زوجة أحمد ماجد، تبلغ من العمر 22 عامًا. وکانت ذات جمال أخاذ مع بشرة بيضاء ونظرة عين حالمة، وکانت تشبه إلی حد کبير فتاة رواية فيرمير بعنوان «الفتاة ذات القرط اللؤلؤي». وقالت جميلة إن رحلة القارب المطاطي هي أيسر مراحل رحلتهم. وحتی بعد الرحلة المروعة هروبا من سوريا، لا تزال تلک العائلة تتمتع بشغف کبير وسذاجة أکبر، فإن حقيقة ما سوف يواجهونه في أوروبا لم تکن واضحة إلا بعد وصولهم إلی جزيرة ليسبوس اليونانية. لم تکن هناک ملاجئ في انتظارهم، أو الآلاف من المهاجرين الآخرين المتدفقين إلی هناک. قضوا لياليهم في الشوارع، وکان عليهم السير لمسافات طويلة للوصول إلی إحدی دورات المياه في حديقة من الحدائق العامة.
وفي الوقت الذي وصلت فيه العائلة إلی ايدوميني اليونانية في أواخر أغسطس، کان اللاجئون يشقون طريقهم عبر جنوب ووسط أوروبا نحو دول أوروبا الغنية، کألمانيا والدول الإسکندنافية. أما الحکومات المحلية، المأخوذة علی حين غرة، التي يساورها القلق الکبير من المشاعر المناهضة للمهاجرين، فاتخذت ردود فعل مبدئية بطيئة وغير متسقة للتعامل مع سيول المهاجرين المتدفقة. وقبل وصول عائلة ماجد إلی ايدوميني باليونان، کانت دولة مقدونيا قد أغلقت حدودها الدولية، ثم عادت وفتحتها مجددا، محاولة، مثل غيرها من الدول الأوروبية الأخری، تشجيع تيار الناس المتدفق إلی العبور بأسرع ما يمکن في اتجاه الدولة المجاورة.
حتی ذلک الحين، قالت جميلة، وهي حامل في شهرها السادس: «لم تکن لدي أفکار أخری. کل ما أردته هو مغادرة سوريا بأي وسيلة. أريد أن أضع طفلي في أرض أخری غير بلادي».







