ميليشيا «بدر» الطائفية.. کيف تبني إيران دولة جديدة في العراق المعاصر؟

الشرق الاوسط
26/1/2015
د.خالد يايموت
الرباط – نوان البارز للدولة العراقية العاجزة والمضطربة، فهي علامة بارزة علی الرجوع لما قبل الدولة الموحدة، والشعب الواحد والمصير المشترک. وهي التجسيد الفعلي لضراوة الحرب الأهلية وفتنها الطائفية، وهي کذلک فاعل رئيسي في مسار تفکيک الدولة العراقية، وربطها بالمصالح الاستراتيجية الإيرانية التي ابتدأ مفعولها العملي منذ الغزو الأميرکي سنة 2003.
هذه المنظمة لم تعد مجرد کيان عسکري عادي يخضع لقانون الدولة ومندرج ضمن مؤسساتها، بل يمکن القول إنها «جيش» طائفي منظم، إداريا وآيديولوجيا. وهو يستعمل القوة المسلحة المصحوبة بالحشد والتعبئة الدينية لتحقيق التفکيک المطلوب للعراق، وإعادة ترکيب المفکک ضمن الدائرة المذهبية والاستراتيجية الشيعية الإقليمية ونظرتها للشرق الأوسط الجديد.
تمثل منظمة بدر الشيعية العوتعود أصول هذه المنظمة إلی بداية الثمانينات من القرن العشرين، حيث أسسها محمد باقر الحکيم، وساعده في بناء وتسيير التنظيم أحد رجالات النظام الإيراني المعتبرين وهو «محمود الهاشمي»، الذي يشغل حاليا عضوية مجلس القضاء بإيران. وتضم «بدر» في صفوفها ضباطا سابقين من الجيش العراقي، کما تتکون من سياسيين معارضين للنظام البعثي الصدامي، وشباب مسيس ويتبنی الآيديولوجية الطائفية؛ وهذا المنطلق جعل منها تنظيما مزدوج التکوين والولاء العقدي. فهي من جهة إيرانية الولادة وعراقية العناصر؛ ومن جهة ثانية تعتبر منظمة عسکرية ممارسة للسياسة، مما يجعل من العنف السياسي سلوکا ملازما للبدريين قبل وبعد احتلال الولاية المتحدة الأميرکية للعراق.
کانت الرهانات والحسابات الإقليمية وراء إنشاء «بدر» باعتبارها فيلقا عسکريا، لذلک سهَّل عليها البلد المحتضن إيجاد إمکانيات مهمة علی مستويي التنظيم الإداري السياسي والتدريب العسکري؛ فقد کان التنظيم يدور ضمن رؤية الحرس الثوري الإيراني التي تتطور بتطور الوضع الإقليمي والدولي. لذا انتقلت الاستراتيجية الإيرانية، منذ حرب الخليج الثانية، من تحدي الصدام المباشر مع العراق، ومحاصرة منظمة «مجاهدين خلق»، إلی بناء نفوذ سياسي وعسکري داخل العراق نفسه.
ومن داخل هذه الرؤية تحرکت «بدر» باعتبارها ميليشيا مسلحة، للعب دورها الطلائعي الحساس في غزو العراق، سواء بتحرکاتها ذات الصلة بالولاية المتحدة وبريطانيا، عبر عقد مؤتمرات دولية تدعو للغزو والاحتلال؛ أو بالداخل العراقي، بتعزيز وتنظيم صفوفها، وتعبئتهم علی المواجهة المسلحة للنظام العراقي البعثي.
فقد کانت هذه الميليشيا الشيعية تعتبر الاحتلال الأميرکي للعراق «فرصة ذهبية» من الناحية العسکرية والسياسية لإعادة ترتيب الدولة، وربط العراق مذهبيا بالجمهورية الإيرانية. ورغم بعض الخلافات الموجودة بين بعض مؤسسيها السياسيين حول درجة الاستقلالية وکيفية تحقيقها في ظل الارتباط بولاية الفقيه؛ فإن التکوين العسکري لقيادة «بدر» جعل ولاءها تاريخيا وإلی اليوم مرتبطا بالحرس الثوري والمرشد الأعلی علي خامنئي. وعلی هذا الأساس تجهر المنظمة بأنها «تجاهد» في العراق وسوريا بمبررات دينية محضة، مرجعها المرشد الأعلی بإيران، والمرجع الدين الشيعي علي السيستاني صاحب فتوی «الجهاد الکفائي» لسنة 2014.
وتشير أغلب التقارير إلی أن عدد مقاتلي ميليشيا «بدر» يبلغ حاليا 100 ألف عسکري، يزاولون مهمهم القتالية بقيادة رئيسها هادي العامري وزير النقل السابق. وقد استطاع العامري المتزوج من إيرانية، والمجنس بجنسيتها، الرجوع إلی الأضواء بعد صراع مع آل الحکيم ومناصريهم.
وکان محمد باقر الحکيم قد قرر عقب احتلال العراق تحويل «بدر» إلی منظمة سياسية وحل جناحها العسکري، إلا أن اغتياله في أغسطس (آب) 2003 حال دون ذلک. کما أن خضوع المنظمة لقانون الحاکم الأميرکي بول بريمر الخاص بدمج الميليشيات، حجم مؤقتا من دور العامري والدور الاستراتيجي الإقليمي لميليشيا «بدر».
فرغم التحفظات التي عبر عنها کل من قائد الميليشيا الحالي هادي العامري، والمستشار السياسي لمحمد باقر الحکيم الشيخ همام حمودي، وعالم الدين جلال الدين الصغير (صاحب نظرية القطار الشيعي الصاعد)، فقد لعبت ثقافة العوائل الدينية والسياسية دورا بارزا في تولية عبد العزيز الحکيم وراثة أبيه علی رأس المجلس الأعلی الإسلامي العراقي، بينما عادت رئاسة منظمة «بدر» وهي الجناح العسکري للمجلس الأعلی الإسلامي العراقي لهادي العامري.
اختار المجلس منذ بداية احتلال العراق 2003 الحفاظ علی علاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميرکية، وکان عبد العزيز الحکيم عضوا بمجلس بول بريمر الحاکم الذي عينته الولايات المتحدة للعراق. کما دخل في تحالفات سياسية تفيد برغبة ظاهرة للحکيم في إيجاد نوع من الاستقلالية عن کل من أميرکا وإيران في الوقت نفسه؛ لذلک سعی منذ 2009 لتحالف سياسي مع کتلة شيعية تضم التيار الصدري، والدخول في منافسة مع رئيس الوزراء آنذاک نور المالکي وحلفائه، وفي الآن نفسه، إبداء حسنة نية بإمکانية التعاون مع کتلة «العراقية» التي تزعمها إياد علاوي لتنافس علی منصب رئاسة الوزراء في الانتخابات التشريعية لسنة 2010.
وفي الوقت الذي أبدی فيه الحکيم هذا التوجه الانتخابي والسياسي المرن، عمل هادي العامري زعيم «بدر» علی خلق تحالف يؤکد طبيعة عقيدة تنظيمه السياسية، ودوره الاستراتيجية، المرتبط بإيران، فدعم المالکي في ترشحه لولاية ثانية. فنشب صراع جديد بين المجلس والجناح العسکري، أدی لتوسيع رقعة الخلافات والخيارات الاستراتيجية بينهما، الشيء الذي انعکس علی طبيعة التعبئة والتحريض التي أدت لإبعاد المجلس الأعلی الإسلامي العراقي من الاستوزار، بينما أسندت وزارة النقل لغريم الحکيم الجديد هادي العماري. ومع استمرار الخلافات بين الجناحين السياسي والعسکري، أعلن الطرفان الفراق التام في مارس (آذار) 2012.
والحقيقة أنه من الناحية العملية، استطاعت ميليشيا «بدر» منذ سنة 2005 استرجاع مکانتها کرأس الحربة في المشهد العنفي الدموي الطائفي بالعراق؛ کما ظهرت باعتبارها قوة لها رصيد عسکري يمکن الاعتماد عليه من جانب کثير من الشيعة الطائفيين من جهة، وکذلک من قبل إيران في سياستها داخل العراق. ولأن هذه الدولة العراقية في حقيقة الأمر تتأثر بالميليشيات و«بدر» واحدة منها، فإن العامري تحول مع الصراع الدموي الطائفي بين السنة والشيعة لبطل قومي شيعي، کما أن المالکي وإيران جددا وکثفا من دعمهما لميليشيا بدر التي تحولت إلی «جيش» يتم تجهيزه لخوض المعارک بدل الدولة، خاصة تلک المتعلقة بتصفية أهل السنة وتهجيرهم، مما أدی لارتکاب «بدر» لجرائم ضد الإنسانية لقيت نوعا من التشجيع داخليا من طرف رئيس الوزراء نوري المالکي، وخارجيا من إيران، بينما نددت واستنکرتها منظمات وهيئات دولية مهتمة بحقوق الإنسان.
ولأدائها ودورها المحوري، ليس من الغريب أن نجد «بدر» ورجالها في کل مناشط الحياة العامة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإدارية للدولة العراقية الحالية. هذا الأمر الواقع ليس صدفة، بل استراتيجية نمت مع التصور الإيراني المصّرف عبر حلفائها العراقيين الشيعة؛ وقد تجلی ذلک واضحا من الناحية السياسية في تعين حکومة العبادي في 8 سبتمبر(أيلول) 2014.
إذ ظهرت «بدر» مرة أخری کمشروع لا يمکن التفاوض حوله، ولا يمکن تجاوزه، لما يمثله من رهان استراتيجي غايته إعادة بناء العراق المعاصر وفق رؤية إيرانية إلحاقية، تعيد رسم دوائر الصراع إقليميا في الشرق الأوسط.
فقد أعلن تعين حيدر العبادي رئيسا للوزراء الدخول في أخطر مرحلة يعيشها العراق، ورغم التدخلات الدولية المتعددة فقد خرجت ميليشيا العامري منتصرة، وفي «غفلة» أو عن قصد اکتسب مشروع الهيمنة بالقوة علی الدولة العراقية، وإعادة ترکيبها، شرعية دولية تحت مسمی حکومة توافقية.
ففي غياب الجيش العراقي المنظم، تحتل «بدر» مکانه وتؤدي الأدوار المرکزية باسم الدولة، وتحول جزء من قيادتها العسکرية العليا إلی المناصب السيادية الأمنية والعسکرية للعراق اليوم؛ وهکذا أصبحت «بدر» تسيطر علی أهم وزارة علی الإطلاق بالعراق حاليا، حيث عين رئيس الوزراء حيدر العبادي 5 من «کبار قادة» ميليشيا «بدر» في حکومته، وهم وزير الداخلية العراقي محمد الغبان، الذي يعتبر هو وأبو مهدي المهندس أقرب المقربين للعامري وطهران في الوقت نفسه. وهو ما يفسر توزيع الأدوار يبن الثلاثة خاصة في ما يتعلق بإدارة «بدر» وعلاقاتها ببسط السيطرة، ودمج الحشد الشعبي فيها باعتبار «بدر» نواة الدولة الجديدة المرتقبة. کما عينت شخصية عسکرية «بدرية» أخری في وزارة حقوق الإنسان متمثلة في محمد مهدي البياتي، وهو قائد سابق «للواء مصطفی» بـ«بدر».
وتدعيما لهذه السيطرة علی الأرض، أسندت وزارة البلديات لشخصية عسکرية «بدرية» أخری وهو عبد الکريم يونس عيلان المعروف بأبو مريم الأنصاري، في حين أسندت وزارة الرياضة والشباب لعبد الحسين عبطان وهو المسؤول السابق في قسم التموين والنقل في فيلق «بدر» ومعروف بعلاقاته المتشابکة مع إيران التي يحمل جنسيتها، ويعتبر المسؤول الأول عن مقتل المئات من القرويين النجفيين في معرکة «الزرکة». أما حسن کاظم الراشد الملقب بـ«أبو أحمد الراشد» وزير الاتصالات، فهو عضو سابق في فيلق القدس الذي انضم إليه سنة 1991، وهو کذلک عضو فرقة «محمد رسول الله» بـ«بدر».
عموما، يمکن القول إن منظمة «بدر» کانت دائما مشروعا ورهانا إيرانيا يتطور بحسب الظروف الداخلية والإقليمية للعراق، وإن الباحث في الشؤون الإيرانية وطريقة تصريفها لاستراتيجيتها في بناء النفوذ لا بد أن يلحظ تعدد الآليات والوسائل المستعملة لتحقيق الغرض؛ وما ميليشيا «بدر» إلا واحد من الأساليب المنبثقة عن رؤية الحرس الثوري، والتي تمزج فيها إيران بين الوظيفة السياسية والقوة العسکرية.
فإذا کانت قضية الحشد الشعبي (وهذه القضية تحتاج لدراسة مستقلة) هي الصورة الظاهرة إعلاميا، فإن الواقع الحقيقي يخفي وراءه تنظيما يبتلع شيئا فشيئا الدولة العراقية، ويستغل موجة الإرهاب لتکريس هيمنة تنظيم طائفي علی المجتمع والدولة يستحيل اقتلاعه، تماما کما يستحيل اليوم اقتلاع «حزب الله» اللبناني، وميليشيا الحوثي اليمنية.







