أخبار إيرانمقالات

انتخابات رئاسية لتلميع صورة إيران في الخارج

 

الشرق الاوسط اللندنية
18/5/2017

 

بقلم: هدی الحسيني

کاتبة صحافيّة ومحللة سياسية لبنانيّة

 

 

ما هذا الانفتاح الربيعي؟ ما هذه الشفافية؟ ما هذه الصراحة؟ جلسات نقاش، کان من المفروض تسجيلها، سمح بإجرائها مباشرة علی الهواء؛ لأنه من الأفضل أن يتقاذف المرشحون للرئاسة الاتهامات ويمتصوا غضب الشارع، عندها بماذا سيزايد الإيرانيون لاحقاً، ثم يعلن وزير الاستخبارات- الإعلام محمود علوي، أن التضامن والأمن ومصلحة المجتمع أبعد من کل الأهداف السياسية. ويقول في 10 من هذا الشهر: يجب احترام خيار الناس، فوزارته أحبطت خطة استهدفت روحاني، وصادرت آلاف القمصان التي تحمل عبارات: «وداعاً لإدارة الکلمات» و«أربع سنوات من البطالة والمستنقع» و«لن أصوّت لروحاني».
غير أن التلفزيون الإيراني أتلف يوم السبت الماضي أجزاء من فيلم وثائقي أراد بثه الرئيس حسن روحاني ليکشف عن سعة صدره وتحمله. ما قطعته الرقابة أصوات أنصاره يرددون «يا حسين، يا مير حسين موسوي» مطالبين بإطلاق سراحه، وحذفت الرقابة صورة الرئيس السابق محمد خاتمي، المحظور علی وسائل الإعلام الإيرانية، ومنذ عام 2015، ذکر اسمه أو صورته أو بث صوته. وکشف مسؤول في حملة روحاني عن أن التلفزيون حذف ملاحظة لطالب قال فيها «إن المرشد الأعلی آية الله علي خامنئي أيد الاتفاق النووي بين إيران والغرب»

وکان حسن عباسي، الضابط في قوات الحرس الثوري، ألقی کلمة تأييد للمرشح المحافظ إبراهيم رئيسي، وعده فيها بأنه «في المستقبل القريب سيقف حسين موسوي ومهدي کروبي ومحمد خاتمي أمام المحکمة وسيعدمون»!
من الواضح أن الکل صار يعرف أن الانتخابات الإيرانية ليست حرة ولا نزيهة، من البداية إلی النهاية حتی لو تخللتها هذه النقاشات. لکنها تبقی مهمة للنظام القائم في إيران؛ إذ علی الرغم من عدم شرعيتها والقيود التي يتحرک المرشحون ضمنها، والجهود التي يبذلها نظام ولي الفقيه، يبقی مکتب الرئيس هو إطلالة هذا النظام علی العالم، من خلال إما سياسة خارجية موجهة للعالم الغربي ترافقها التصريحات النارية، کما في زمن أحمدي نجاد، أو سياسة خارجية زهرية اللون يستسيغ سماعها الغرب، کما في زمن محمد خاتمي وحسن روحاني. وعبر سياسة الرئيس والارتدادات الدولية عليها، يقرر المرشد الأعلی أي منعطف يأخذ.
يحرص النظام الإيراني وجماعات الضغط الموالية له في أنحاء العالم علی خلق الانطباع بأن الانتخابات الرئاسية يوم غد ستکون تتويجاً لعملية ديمقراطية. وکجزء من بيع العالم فکرة أن النظام الإيراني قريب من الديمقراطية، أعد النظام حملة رئاسية علی النمط الغربي، حيث شارک المرشحون في نقاشات تلفزيونية حية سمح لهم بانتقاد الحکومة الحالية التي ردت أن الفساد يعشش في مؤسسات الدولة، وتبادل المرشحون الاتهامات والتحديات، إنما اللافت أن أحداً لم يأت علی سيرة المرشد. أليس هو صاحب الکلمة الأولی والأخيرة في کل شيء، إن کان علی الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي. کيف يمکن لمجموعات أن تسبح في الفساد وإهدار حقوق الناس ودمائهم، وحرمانهم من الحرية إذا لم يکن هذا بموافقة المرشد الأعلی؟ يدافعون عن المرشد الأعلی بأنه غير فاسد، لکن ماذا عن تشجيعه علی الفساد؟!
تم تشجيع الإيرانيين علی الخروج والتصويت؛ حتی يتسنی للنظام أن يظهر الإقبال القوي بصفته مؤشراً علی الحرية التي يتمتع بها المواطنون، والدعم الشعبي للنظام نفسه. التشجيع کان «من أجل البلاد» و«من أجل الإسلام». حتی خامنئي قال مؤکداً: «إن أي تصويت في الانتخابات الرئاسية هو تصويت للنظام الحاکم».
يريد النظام في هذه الحالة أي «التصويت للنظام الحاکم» إثارة الناس، ولا سيما الشباب لإشراکهم وإحضارهم إلی مراکز الاقتراع کي تکون صفوف الانتظار طويلة، عندها يبث صوراً للاستهلاک المحلي والدولي عن المشارکة الضخمة. بعض الغرب يبتلع الطعم، أو هو يريد ذلک، وها هو کارل بيلدت، رئيس وزراء السويد السابق، والمسؤول في المجلس الأوروبي للشؤون الخارجية، يقول يوم الاثنين الماضي إن الانتخابات الأکثر إثارة هذا الأسبوع، ومن دون شک هي الانتخابات الإيرانية، إن مناقشات حامية جرت وتجري.
السجينة مريم اکباري مونفرد عبّرت عن رأيها في الانتخابات في رسالة جاء فيها: الانتخابات المزيفة هذه السنة تحولت إلی تنافس للکشف عن النهب والفساد؛ مما سيؤدي إلی الفوضی وإلی الفشل السياسي لکلا الطرفين، وهذا بدوره يشير إلی انحطاط وتفکک أرکان النظام الذي يدعي المتنافسون أنه قوي جداً ويتعزز.
تتساءل مريم، التي تمضي عقوبة سجن لمدة 15 عاماً، وبدأتها عام 2009: أليس هذا السيد روحاني الذي کان أميناً لمجلس الأمن القومي عام 1999، وکان له الدور الرئيسي في القمع انتفاضة الشباب في ذلک العام؟ ألم يکن المرشح المنافس إبراهيم رئيسي الذي تمت ترقيته مؤخراً إلی آية الله، أحد أعضاء «لجنة الموت» عام 1988 وسجله مليء بعمليات إعدام جماعية؟… «لذا صوتي هو (لا) للنظام الإيراني».
أحد أمثلة «الواجهة الديمقراطية» التي اکتسبت اهتماماً عالمياً اتهام روحاني للحرس الثوري بمحاولة نسف الاتفاق النووي. يعرف روحاني أن هذا الاتهام بمثابة الموسيقی في آذان الغرب. قال رأينا الشعارات ضد إسرائيل علی الصواريخ، ثم إن الحرس کشف عن مدن الصواريخ تحت الأرض (…).
هذا النقد «الجريء» تلقفه الغرب. ساعد روحاني صورته المزعومة في الخارج علی أنه معتدل، وبالتالي ساعد أيضاً النظام الذي جعله رئيساً. في الواقع لم ينتقد روحاني برنامج الصواريخ الإيرانية، لم يتجاوز «الخط الأحمر» بأن واجه الحرس بدوره الإرهابي والعسکري في زعزعة دول المنطقة؛ لأنه شريک في هذا الدور، ثم إنه يعرف ألا شعبية للحرس الثوري في المدن الإيرانية، ولا شعبية لفلسطين أو حماسة للحرب ضد إسرائيل، ثم إن روحاني في السنوات الثلاث الماضية ضاعف من ميزانية الحرس الثوري، وربما يعرف ما تسرب من أنه إذا لم يفز في الانتخابات الرئاسية فإن حرباً ستقع!
أما بالنسبة إلی المرشح رئيسي، فإنه يواجه صعوداً شاقاً رغم أن سجله يبعث الاطمئنان في صفوف رجال الدين المتشددين وأجهزة الأمن، إلا أن ما قدمه في المناظرات من أوراق اعتماد لم يجذب أحداً.
من المؤکد أن الناخبين الإيرانيين ليسوا وحدهم من يحدد نتائج الانتخابات. وقد آثار تکوين السباق الرئاسي هذا العام شکوکاً حول الدافع الخفي، وبالذات ما يتعلق برئيسي؛ لأنه مرشح لمنصب أبعد من الرئاسة، أي لخلافة خامنئي. قبل وصول الأخير إلی منصب المرشد الأعلی عام 1989 ظل رئيساً لمدة 8 سنوات، علی الرغم من أن دور الرئيس کان احتفالياً إلی حد کبير، فإنه وضع خامنئي في نواة صنع القرار الوطني، وهو ربما فضل أن يکسب من سيخلفه الخبرة الإدارية والإطلالة.
إذا کان هذا هو الدافع المنطقي لترشح رئيسي فلا بد أن يکون الفوز في الرئاسة أمراً حتمياً؛ لأن إخضاع رجل دين غير معروف نسبياً، للتدقيق العام المکثف عبر حملة وطنية، ثم رؤيته يصاب بهزيمة سيکون أمراً لا يمکن الدفاع عنه، خصوصاً بعد الدفع الذي کان لصالح رئيسي. ثم إنه إذا لم يکسب بفارق کبير، فإن مصداقيته بصفته مرشداً أعلی لاحقاً ستتزعزع لدی من يتحملون مسؤولية عملية الخلافة.
في هذه الأثناء، تستمر إيران في مشروعها الإقليمي، في الداخل ترتدي «الثوب الديمقراطي» وتترک لجماعاتها في الخارج الکشف عن استراتيجيتها. قال العراقي قيس خزعلي زعيم عصائب أهل الحق: «سنواصل العمل من أجل مشروعنا لقمر شيعي کامل، وليس لهلال شيعي کما يقول أعداؤنا» وخزعلي أحد کبار قادة قوات الحشد الشعبي الذي أنشأته وتموله وتسلحه إيران – الديمقراطية… کما انتشرت صور آليات تابعة للجيش الأفغاني في العراق ليتبين أن إيران لا ترسل فقط مرتزقة أفغانيين، بل معدات الجيش الأفغاني.
انتخاب رئيس إيراني لن يحدث بحد ذاته تغييراً جذرياً في هيکلية الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث للمرشد الأعلی خامنئي الکلمة النهائية بشأن کل المسائل الحکومية، بما فيها نسبة الفساد. لکن، تبين أن فجوة متنامية وتناقضات کثيرة بدأت تتفشی في النظام السياسي، وهي التي ستحدد مستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.