العالم العربيمقالات

باتجاه مؤتمر الرياض.. الَمطلوُب من المعارضة السورية!

 

 

 

 

الشرق الاوسط
26/11/2015

بقلم: صالح القلاب

 

حتی يکون مؤتمر الرياض، الذي من المتوقع أْنُيعقد في منتصف ديسمبر (کانون الأول) المقبل، ناجًحا ويحقق أهدافه المرجوة فإن المسؤولية، کل المسؤولية، تقع علی عاتق المعارضة السورية التي عليها أَّلا تخذل شعبها وأَّلا تخذل الداعين وأْن تذهب إلی هذا المؤتمر التاريخي فعلاً بموقف واحد وبوجهة نظر واحدة وعلی أساس ولو الحد الأدنی من التفاهم، فالمرحلة لا تحتمل الفشل وأي فشل والمملکة العربية السعودية صاحبة الباع الطويل في هذا المجال، ومؤتمر الطائف الشهير يشهد علی هذا، لا يمکن أن تستضيف اجتماًعا يکون مجرد قفزة في الهواء وبدل أْن يجمع کلمة المستضافين ويوحد صفوفهم يزيدهم تشرذًما وفرقة!!

المعروف، وهذا لا نقاش فيه ولا جدال حوله، أَّن هذه المعارضة، والمقصود هو المعارضة (المعتدلة)، وإذ إن المفترض أَّن کل فصائل المعارضة السورية باستثناء “داعش” معتدلة، قد بدأت وبکل فصائلها من الصفر في عام 2011 فهذا النظام، نظام الأسد الأب والابن، استطاع علی مدی أکثر من أربعين عاًما أْنُيدِّمر الحياة السياسية في بلٍد کانت بداياته، قبل أنُيبتلی بظاهرة الانقلابات العسکرية وأولها انقلاب حسني الزعيم في عام 1949، بدايات خير وتفاؤل بأن تتحول سوريا، هذا البلد العظيم، إلی تجربة ناجحة في المنطقة العربية کلها وفي العالم الثالث بأسره.

إَّن هذه مسألة لا ينکرها إَّلا إَّما جاهٌل لا يعرف کيف کانت حقائق الأمور في واحدة من أهم الدول العربية، وإَّما متجٍن هدفه الدفاع عن هذا النظام الاستبدادي الذي دَّمر الحياة السياسية في هذا البلد العظيم وقضی علی الأحزاب وحّول سوريا إلی نسخة أخری من کوريا الشمالية ومن تجربة کيم إيل سونغ، وکانت النتيجة أن الشعب السوري عندما انطلقت شرارة الثورة في مارس (آذار) عام 2011، قد اضطر لأن يبدأ من نقطة الصفر وأن تکون هناک کل هذه “الَّشرذمة” وأن تحفر المعارضة بأظافرها في “صوان”، حالة أرادها مؤسس هذا النظام وعامًدا متعمًدا کي يبقی الحکم له ولعائلته وأعوانها من المهد إلی اللحد وإلی الأبد.

ثم وإنه معروف أن هذا النظام التآمري المخابراتي، قد بادر ومنذ اليوم الأول إلی اختراق معظم التنظيمات الُمعاِرضة الناشئة، إْن ليس کلها، بـ”المخبرين” والمخابراتيين، وحقيقة أن هذا هو ما أَّدی إلی الکثير من التشوهات والانحرافات، وإلی ظهور الکثير من النزعات الإرهابية المفتعلة وإلی هذا التشرذم وکل هذه الانقسامات، وحال دون أن يکون هناک تنظيم رئيسي يشکل عموًدا فْقريا للمعارضة ويوحدها، ولو علی أساس الحد الأدنی ويحميها من الاختراقات الداخلية والخارجية، ويجعلها جاهزة دائًما وأبًدا لتمثيل شعبها في أي “مرحلة انتقالية”.

وهکذا فإنه ما کان من الممکن أن يکون هناک لا “داعش” ولا أي تنظيم إرهابي آخر، وما کان من الممکن أن ” ْصمد” هذا النظام کل هذه الفترة الطويلة، وأن يکون هناک کل هذا التدخل الإيراني والروسي السافر، لو أَّن هذه المعارضة السورية لم تبدأ سياسًيا من الصفر، ولو أنها لمُتبتَل بداء التشرذم والانقسام والاختراق، ولو أنها تمکنت من أن يبُرز من خلالها تنظيم قيادي يلعب الدور الذي لعبته حرکة فتح بالنسبة للثورة الفلسطينية، التي حافظت علی وحدة القرار الفلسطيني في ظل تعددية بعض فصائلها مفتعلة، وهي عبارة عن تمدد بعض الأنظمة العربية في ساحة العمل الوطني الفلسطيني.

لکن ورغم کَّل هذا الذي ابتليت به المعارضة السورية، فإنه لا بد من الاعتراف بأنها قد حققت من خلال الجيش السوري الحر في البدايات، قبل التدخل العسکري الإيراني وقبل تدخل حزب الله اللبناني وقبل استيراد کل هذه الفصائل والشراذم الطائفية والمذهبية ومن کل حدب وصوب، کما يقال، إنجازات عظيمة علی الأرض، وأن بشار الأسد کان علی وشک حْزم أمتعته والمغادرة، وبخاصة بعدما أصبح مهدًدا بعمل عسکري أميرکي وغربي بعد استخدامه للسلاح الکيماوي.. وهذه الحالة کانت قد تکررت کما هو معروف قبل التدخل العسکري الروسي، حيث کان هذا الرئيس السوري قد أعلن عجزه وعدم قدرة جيشه علی القتال في جميع الأراضي السورية، قبل هذا التدخل الذي کانت مهمته قد اتضحت منذ اللحظة الأولی، وأن الهدف هو ليس “داعش”، وإنما الجيش السوري الحر والمعارضة المعتدلة.

إَّن هذا هو واقع الحال بالنسبة للمعارضة السورية التي لا يعفيها من المسؤولية التاريخية التي تتحملها أْن تذهب إلی مؤتمر الرياض الآنف الذکر دون تسوية أوضاعها الداخلية ودون الاتفاق، وقبل الذهاب إلی هذا المؤتمر المرتقب العتيد، علی برنامج الحد الأدنی وعلی مشروع اندماج معظم التشکيلات العسکرية، الکبيرة والصغيرة، في الجيش الحر، وعلی تخليص الائتلاف الوطني من کل هذه الصيغ التنظيمية المرکبة والتي جعلت التناوب علی رئاسته يشکل عبًئا ثقيلاً علی التجربة غير مسبوقة في ظروف لم تواجهها أي حرکة لکن ومع ذلک ورغم هذا کله فإنه لا يمکن التقليل من أهمية الإنجازات التي حققها هذا الائتلاف فهو أولاً تحرر لا عربية ولا غير عربية.انتزع اعتراًفا دولًيا بأنه الممثل الوحيد للشعب السوري وهو قد تمکن من تعميم ظاهرة اللجان المحلية “الفاعلة” في کل الأراضي السورية الخارجة عن سيطرة النظام وهو وبقدر الإمکان قد حافظ علی الجيش الحر وحافظ علی علاقات المعارضة مع الکثير من دول العالم وَمَّثلها، بل مثل شعب سوريا، في الکثير من المنتديات العربية والدولية.. والمفترض بعد مؤتمر الرياض العتيد الآنف الذکر، أْن تکون هناک نقلة نوعية، وأن يأخذ التشکيل الوطني مکانه وباسم الشعب السوري في الجامعة العربية وفي الأمم المتحدة، سواًء أکانت هناک مرحلة انتقالية أم لا.

الآن أصبح الوضع السوري علی مفترق طرق خطير بالفعل مما يتطلب أن تکون الأيام المقبلة، حتی منتصف ديسمبر القادم، أيام عمٍل جاٍّد ودؤوب وأن تنتهي نهائًيا ظاهرة “الَحرد”، التي بقي يمارسها بعض رموز الائتلاف الوطني مزاجيا.. إنه لا بد من أن يکون مؤتمر الرياض هذا ناجًحا وعلی غرار نجاح مؤتمر الطائف الشهير الذي أنهی الحرب الأهلية اللبنانية، وکذلک فإنه لا بد من الاتفاق قبل هذا المؤتمر وخلاله وبعده علی موقف موحد تجاه المرحلة الانتقالية علی أساس جنيف1، وعلی أنه لا مکان فعليا لبشار الأسد في هذه المرحلة، ولا بقاء نهائًيا له في المستقبل السوري.. إنه لا يجوز أن تبقی مثل هذه الأمور المهمة والحساسة عائمة وموضع اختلاف بين مکونات الائتلاف الوطني من تنظيمات وأفراد قياديين، فالاختلاف بين هذه المکونات في هذه المرحلة سيکون مکلًفا ولن يستفيد منه إَّلا الإيرانيون والروس وبالتالي هذا النظام البائس الذي کانت سنوات حکمه کلها منذ عام 1970 وحتی الآن عبارة عن کوابيس مرعبة.

إنه ليس مطلوًبا أن يذهب الجميع، جميع تنظيمات وفصائل المعارضة، إلی مؤتمر الرياض تحت جناح الائتلاف الوطني وفي إطاره ولو شکلًيا، فهذا ربما غير وارٍد وغير ممکن في هذه الوقت وفي هذه المرحلة، لکن المطلوب والضروري أن يکون هناک تفاهم علی برنامج الحد الأدنی، وبخاصة فيما يتعلق بالمرحلة الانتقالية التي أهم ما فيها، حتی قبل “الهيئة الوطنية” المقترحة، أنه لا مکان لبشار الأسد لا في هذه المرحلة ولا في مستقبل سوريا، وأنه مرفوض أن تِحَّل ما تسمی “الحکومة الوطنية” المقترحة محل هذه الهيئة التي من المفترض القبول بأن يشارک فيها کل منُتلطخ يداه بالدماء من أعوان هذا النظام ورموزه.

إنها فترة شائکة وصعبة وإن الاتفاق علی معظم هذه الأمور المشار إليها في ظل هذا الواقع السياسي والتنظيمي الذي تعيشه المعارضة.. يبدو في غاية الصعوبة إْن لم يکن مستحيلاً.. لکن ما العمل وأوضاع سوريا ومستقبلها هي هذه الأوضاع الخطيرة.. إَّن هذا هو واقع الحال ولذلک فإنه، ومرة أخری، يجب أن تکون هناک تنازلات متبادلة ويجب تمثيل الإخوة العلويين وتشکيلهم الجديد الناشئ: “تيار غد سوريا”.. ويجب أن: “يوِّسع الائتلاف صدره” ويتفهم مطالب الجميع لإنجاح مؤتمر الرياض، ولتکون الخطوات في اتجاه المرحلة الانتقالية متناغمة إن ليست موحدة ومتطابقة.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.