مقالات

اتفاق مع ’الشيطان الأکبر’ بمواکبة ’الشيطان الأصغر’

 



*نقلاً عن “الحياة”
14/7/2015


 



 بقلم:خير الله خير الله


 


في النهاية، وقّعت إيران اتفاقا مع “الشيطان الأکبر” بمواکبة من “الشيطان الأصغر” الراضي تماما عن الاتفاق علی الرغم من کلّ ما يصدر عن بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي من ردود فعل توحي بالعکس تماما.
الهدف من الاتفاق واضح کلّ الوضوح. من جهة، هناک طمأنة أميرکية لإسرائيل في شأن الملفّ النووي الإيراني. وهناک من جهة أخری مليارات الدولارات ستحصل عليها إيران نتيجة الاتفاق. وقّعت إيران الاتفاق بعد مفاوضات طويلة مع مجموعة الخمسة زائد واحد لسبب في غاية البساطة. تريد إنقاذ اقتصادها من الانهيار التام لا أکثر ولا أقلّ.
يستطيع الرئيس حسن روحاني، وغيره من المسؤولين الإيرانيين، الحديث عن انتصارات وإنجازات تحقّقت. هذا الکلام هو للاستهلاک الداخلي. تماما مثل کلام الرئيس باراک أوباما لذي سيواجه معارضة للاتفاق في الکونغرس. لذلک يحاول أوباما الذي وجد في الاتفاق الإيراني المکان الوحيد الذي يحقّق فيه إنجازا إقناع الکونغرس، من الآن، بأن هذا الاتفاق کان بديلا من حرب جديدة.
يتفاخر الإيرانيون بأنّ لديهم صبرا طويلا. يعطون دائما مثلا علی ذلک المدة التي تمضيها عائلة واحدة في العمل من أجل شغل سجّادة. هذا صحيح. لکنّ الصحيح أيضا أن الإيراني يبيع السجادة في أقلّ من خمس دقائق… أو لنقل بعد جدال ومساومات قد تأخذ نصف ساعة أو أکثر بقليل.
في اللعبة الدائرة مع الولايات المتحدة، لم تکن من حاجة للوصول إلی ما وصلت إليه إيران. أي حال حصار وعقوبات دولية جعلتها ترضخ في نهاية المطاف لشروط “الشيطان الأکبر” المحبوب جدّا من معظم أفراد الشعب الإيراني. بين الشعب الإيراني وأميرکا حکاية غرام طويلة وقديمة. لم تکن الولايات المتحدة يوما ضدّ إيران. علی العکس من ذلک، کان هناک دعم أميرکي لإيران، حتّی إبان الحرب مع العراق بين العامين 1980 و1988 وفي مرحلة ما قبل الحرب. من يتذکر قضيّة “إيران غيت”… التي يتجاهل کثيرون أنها حقيقة؟
في کتابه “الجاسوس الطيّب” الموثق توثيقا جيدا، يشير الکاتب کاي بيرد إلی أنّ مسؤول الـ”سي. آي. إي” في المنطقة بوب إيمز کان أوّل من حذّر الإيرانيين بعد ثورة آية الله الخميني في العام 1979، من إمکان لجوء صدّام حسين إلی شنّ حرب عليهم. بالطبع، لم يأخذ المسؤولون الإيرانيون الجدد بالتحذير الأميرکي. لجأوا إلی استفزاز الولايات المتحدة عن طريق احتلال سفارتها في طهران طوال 444 يوما.
کلّ ما في الأمر، أنّ النظام الإيراني أراد دائما استخدام العداء للولايات المتحدة بحثا عن شرعية ما. حارب الولايات المتحدة في کلّ مکان. کانت کلّ حروبه علی حساب الإيرانيين ورفاههم، وعلی حساب أهل المنطقة من العرب. هل يستأهل لبنان، علی سبيل المثال وليس الحصر، ما حلّ به علی يد إيران من أجل الوصول إلی الاتفاق الذي تمّ التوصل إليه مع الولايات المتحدة؟ کم من مرّة فجرت إيران عبر عملائها، أو حاولت تفجير، السفارة الأميرکية في لبنان؟
طوال ما يزيد علی خمسة وثلاثين عاما، استثمرت إيران في کلّ ما من شأنه إثارة الغرائز المذهبية. فعلت ذلک في کلّ بلد عربي وحتّی في المملکة العربية السعودية التي عرفت باکرا کيف تضع حدا لمحاولات إيران “تسييس الحج”. کان في استطاعة النظام في إيران التفاهم مع واشنطن منذ اللحظة التي أطيح فيها الشاه بمبارکة أميرکية. لم تکن من حاجة إلی کلّ هذا الخراب والدمار للوصول إلی النتيجة التي اسمها الاتفاق في شأن الملفّ النووي… لو کان في إيران عقل يسعی إلی البناء بدل التخريب من جهة، والامتناع عن الاستثمار في إثارة الغرائز الطائفية والمذهبية من جهة أخری.
ماذا جنت إيران في لبنان غير الخراب الذي حلّ بلبنان؟ ما هو المشروع السياسي والاقتصادي لإيران في لبنان؟ هل عزل لبنان عن محيطه العربي هدف بحدّ ذاته؟
ما ينطبق علی لبنان ينطبق أيضا علی سوريا والعراق والبحرين واليمن وحتّی السودان. ماذا جنت إيران من کل استثماراتها في هذه الدول العربية؟ ماذا جنت من المتاجرة بالقضية الفلسطينية ومن “يوم القدس” الذي ليس سوی وسيلة للمزايدة علی العرب بهدف إحراجهم؟
بعد کلّ هذا الخراب والدمار، عادت إيران إلی الحضن الأميرکي الدافئ بمبارکة إسرائيلية. کان في استطاعتها أن تفعل ذلک قبل ستة وثلاثين عاما، لکنّها فضّلت نسج السجادة التي ما لبثت أن باعتها في مرحلة لم يعد أمامها سوی الاستسلام للشروط المفروضة عليها.
العالم کلّه، بما في ذلک العرب، يعرف أنّ المشروع النووي الإيراني کان حجة استخدمها المجتمع الدولي، بمبارکة إسرائيلية، لتطويع إيران. کان من الأفضل الوصول إلی النتيجة التي أمکن التوصل إليها قبل سنوات عدّة. کان ذلک سيوفّر علی المنطقة الکثير من العذابات. ولکن ما العمل عندما يکون في نيّة إيران لعب الدور المطلوب منها أن تلعبه أميرکيا وإسرائيليا؟ هل کانت إسرائيل يوما ضدّ أن تکون جبهة جنوب لبنان جرحا ينزف… علی حساب لبنان واللبنانيين وأهل الجنوب تحديدا؟
صبّ الدور الإيراني ولا يزال يصبّ، في تفتيت المنطقة. أين المشکلة الأميرکية والإسرائيلية مع هذا الدور؟ أين المشکلة الأميرکية والإسرائيلية في تقسيم العراق بواسطة الميليشيات المذهبية التابعة لأحزاب تتلقی تعليماتها من طهران؟ أين المشکلة في ألا تقوم لسوريا قيامة في يوم من الأيّام؟
في ضوء الاتفاق النووي، هناک سؤال وحيد مطروح: هل تتغيّر إيران؟ من الصعب الإجابة عن السؤال. لکنّ تجارب الماضي لا تشجّع علی التفاؤل، خصوصا أن ليس في طهران من علی استعداد للقيام بعملية نقد للذات. تشمل هذه العملية الاعتراف بأنّ سياسة عمرها ستة وثلاثين عاما لم تأت علی إيران والإيرانيين، وعلی کلّ منطقة الشرق الأوسط، سوی بالخراب والبؤس. کان في استطاعة إيران التوصّل إلی ما هو أفضل بکثير من اتفاق فيينا قبل سنوات طويلة، أي قبل متابعة سياسة الاستثمار في کلّ ما من شأنه التخريب ولا شيء آخر غير التخريب. هناک شيء اسمه البناء. تستطيع إيران الاستعاضة عن دورها التخريبي بدور بنّاء يخدم، أوّل ما يخدم، شعبها.
لعلّ الشرط الوحيد لحصول عملية الانتقال هذه، من التخريب إلی البناء، تخلي طهران عن وهم الدور الإقليمي. الحضارة الفارسية حضارة قديمة ومهمّة. لا خلاف في شأن ذلک. لکنها ليست کافية للعب دور مهيمن علی الصعيد الإقليمي، خصوصا عندما يکون نصف أهل البلد دون خط الفقر!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى