العبادي والمالکي.. لمن ستکون الغلبة؟

الجزيرة نت
21/11/2015
بقلم: جاسم الشمري
کاتب عراقي
في عالم الجريمة السياسية هنالک العديد من أنواع الاغتيالات، منها الاغتيال المعنوي، الذي يُراد منه تشويه سمعة الخصوم، والاغتيال الفعلي الذي يضع حدا لحياة الخصوم.
ومع النفق المظلم الذي دخله العراق في السنوات الأخيرة، أصبحت لعبة الاغتيالات من الأساليب الرخيصة لتصفية الخصوم في العراق، سواء بطرق رسمية أو غير رسمية.
وفي نهاية سبتمبر/أيلول الماضي کشفت السفارة الأميرکية ببغداد أنها “أحبطت محاولتين لاغتيال حيدر العبادي، وتم اعتقال ضباط اعترفوا بضلوعهم في تلک المحاولتين”، وجاء ذلک بعد أن تعهد الرجل بالمضي في إصلاحاته ولو کلفته حياته.
“يبدو أن العبادي لا يمکنه المضي قدما في مسيرته بسهولة، بسبب مشاکسات أغلب شرکائه، والقيود الحزبية التي تکبله، خاصة أنه عضو في حزب الدعوة الذي اتُهم زعيمه نوري المالکي -وفقا لتقرير لجنة برلمانية- بالمسؤولية عن سيطرة تنظيم الدولة علی الموصل”
ورغم تعهداته تلک فيبدو أن العبادي لا يمکنه المضي قدما في مسيرته بسهولة، بسبب مشاکسات أغلب شرکائه، والقيود الحزبية التي تکبله، خاصة أنه عضو في حزب الدعوة الحاکم، الذي اتُهم زعيمه نوري المالکي -وفقا لتقرير لجنة برلمانية- بالمسؤولية عن سيطرة تنظيم الدولة علی مدينة الموصل.
ويُعد حزب الدعوة الإسلامية من أکثر الأحزاب العراقية انقساما، حيث شهد الحزب منذ تأسيسه علی يد السيد محمد باقر الصدر في خمسينيات القرن الماضي أکثر من سبعة انقسامات، ولکنه استقر في نهاية المطاف علی جناحين رئيسيين، هما: حزب الدعوة الحاکم بزعامة نوري المالکي، وحزب الدعوة تنظيم العراق بزعامة عبد الکريم العنزي.
حکم المالکي العراق ولايتين متتاليتين، استمرتا أکثر من ثماني سنوات، وبعد انتهاء ولايته الثانية قاتل للاستمرار في ولاية ثالثة، إلا أن الدستور وضعه في زاوية ضيقة، مما اضطر حزب الدعوة للبحث عن بديل، حيث تم اختيار العبادي رئيسا للوزراء.
وبعد تسنمه الحکم مباشرة وجد العبادي نفسه في الواجهة وفي مأزق حقيقي، حيث إن نصف البلاد خارج إطار سيطرة حکومته، وميزانية الدولة شبه فارغة، إضافة إلی تحديات تنظيم الدولة، والحشد الشعبي، والمليشيات، ورواتب الموظفين، والمشاکل المعقدة المتجددة مع الشرکاء الکرد.
وبعد بضعة أشهر من حکمه، تفاجأ بالمظاهرات السلمية في عموم محافظات الجنوب -ذات الأغلبية الشيعية- المطالبة بالإصلاحات والخدمات، وهو ما دفعه إلی إعلان حزمة إصلاحات وقرارات، ومنها إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهورية ونواب رئيس الوزراء، وهي الخطوة التي فتحت الباب علی مصراعيه لخلافات داخل حزب الدعوة، فضمن المشمولين بإلغاء مناصبهم نوري المالکي، زعيم الحزب ونائب رئيس الجمهورية، الذي لم ينفذ قرارات الحکومة بإخلاء القصر الرئاسي، وما زال -حتی الساعة- يمارس عمله نائبا لرئيس الجمهورية.
التحديات الصعبة التي واجهت العبادي دفعته لکشف المستور، حتی مع أعضاء حزبه الحاکم، ومنها تصريحه في الثالث من الشهر الماضي الذي أکد فيه أن “الفساد المستشري في البلاد سببه هبات القائد الضرورة للکسب الانتخابي”، في إشارة واضحة للمالکي، وأنه” تسلم الحکومة وفي خزانتها ثلاثة مليارات دولار، مقابل ديون قدرها 15 مليار دولار لشرکات النفط”.
“ما يمکن وصفه بمحاولات الاغتيال المعنوي للعبادي بدأت منذ الساعات الأولی لاستجابته غير الکافية لمطالب المتظاهرين في مدن الجنوب، وإعلانه حزمة الإصلاحات الأولی، حيث أعلن شرکاء العبادي أن بعض تلک القرارات غير دستورية”
والواقع أن ما يمکن وصفه بمحاولات الاغتيال المعنوي للعبادي بدأت منذ الساعات الأولی لاستجابته غير الکافية لمطالب المتظاهرين في مدن الجنوب، وإعلانه حزمة الإصلاحات الأولی، حيث أعلن شرکاء العبادي أن بعض تلک القرارات غير دستورية، وبعضها الآخر لتصفية حسابات شخصية وسياسية، ولذلک اندفعوا لتحريک أتباعهم للمشارکة في المظاهرات، والتحشيد ضد رئيس الحکومة لقلب طاولة الإصلاحات عليه، ورفع شعارات ومطالبات کبيرة -ربما هي في المرحلة الحالية تعجيزية- لإحراجه.
وقد مثلت تلک المحاولات خطوات عملية لتشويه سمعة الرجل، ووضعه في خانة الاغتيال السياسي المعنوي، وأعتقد أن هذه المحاولات آتت ثمارها، وجعلت العبادي في مأزق حقيقي، لأن إصلاحاته لم تأت علی أساس المشکلة، وإنما حاولت علاج النتائج. وبالمحصلة، لم يتمکن العبادي من إقناع الجماهير بخطواته الإصلاحية، وربما هو اليوم في عداد ضحايا الاغتيال المعنوي، وما أکثرهم في لعبة السياسة العراقية بعد عام 2003.
بيد أن ما هو أخطر من محاولات الاغتيال المعنوي ما قد تتجه إليه الأمور في ظل حالة الاستقطاب حتی داخل حزب الدعوة الحاکم نفسه.
فالتناحر بين أعضاء حزب الدعوة بدا واضحا نتيجة انتقادات العبادي لسياسات المالکي الخاطئة، وهذه الانتقادات أفرزت فريقين داخل الحزب: الأول مع العبادي، وهم الأقلية، والآخر مع المالکي، وهم الأکثرية, ووصلت الأمور مرحلة “التهديد بالخلع، أو الانقلاب العسکري”، کما صرّح بذلک أحد قيادات عصائب أهل الحق الموالية للمالکي.
والملاحظ هنا أن هناک العديد من الأطراف المستفيدة من تغييب العبادي عن المسرح السياسي العراقي، ومن بينهم: الزعماء الذين وجدوا أنفسهم دون مناصب، وکذلک سراق المال العام الذين رفعت عنهم الحصانة الحزبية والوظيفية، وصاروا تحت طائلة القانون، وأيضا قادة الجيش والمليشيات الذين ارتکبوا جرائم بحق المدنيين.
وفي ضوء حالة الاضطراب السياسي والغليان الشعبي، ما زال العبادي يواجه تحديا خطيرا يتمثل في احتمالية طلبه الاستعانة بالروس لضرب تنظيم الدولة وإخراجهم من المعادلة، وهو أمر لا يمکن تحقيقه دون الزج بقوات برية فاعلة في الميدان، وهنا ستکون بداية المشکلة الحقيقية، وهي أن القوات الحکومية -أغلبيتها من المليشيات التابعة للمالکي، ولبقية شرکاء العبادي الذين لم ترق لهم إصلاحاته- ستماطل في تنفيذ أوامر العبادي في الميدان، رغم کونه القائد العام للقوات المسلحة.
وبالمحصلة سيکون العبادي -في ظل ضغطه علی أغلب شرکائه، والربکة المتوقعة من الفراغ الأمني، وسيطرة المليشيات علی العديد من المدن- عرضة لمخاطر الانقلاب العسکري، أو الاغتيال والتصفية الجسدية، تمهيدا لعودة الأمور إلی المربع الأول، وتسلم المالکي زمام الأمور ثانية، أو ربما هادي العامري، زعيم منظمة بدر الموالية له.
“يمکن للعبادي مواجهة سيناريوهات الاغتيالات أو الانقلابات بجملة إجراءات مسبقة تکسب رضا الناس، منها الاستقالة العلنية من حزب الدعوة الإسلامية الحاکم، ليصبح زعيما مستقلا عن الجميع”
وإن حدث سيناريو من هذا القبيل، فإن الأوضاع ستتجه نحو مرحلة جديدة من الفوضی المصحوبة بموجة اغتيالات ونهب وحرق، تماما کما حدث في فبراير/شباط 2006، بعد تفجير المرقدين بسامراء، وقد تؤول الأمور لمرحلة الحرب الأهلية الشيعية الشيعية بين المليشيات المؤيدة والمعارضة للعبادي.
علی أنه يمکن للعبادي إن أراد أن يتخلص من هذا المأزق، ويکسب تأييد نسبة لا بأس بها من الجماهير أن يتخذ بعض القرارات الجريئة، ومنها:
1. الاستقالة العلنية من حزب الدعوة الإسلامية الحاکم، بحيث يکون زعيما مستقلا عن الجميع.
2. تغيير رئيس المحکمة الاتحادية القاضي مدحت المحمود، وإبعاد القضاء عن الضغوط الحزبية والسياسية.
3. تقديم کافة المسؤولين المطلوبين -بغض النظر عن مناصبهم الحزبية والوظيفية- لمحاکم عادلة، من الذين أدينوا بملفات فساد مالي وإداري، وإساءة استخدام السلطات، أو المال العام.
4. إطلاق قانون العفو العام عن جميع السجناء علی أن يستثنی من ذلک القتلة والمجرمين وزعماء المليشيات ومن ثبت تورطهم في إرهاب المواطنين، وإعادة دراسة ملفات السجناء، خاصة السياسيين منهم.
5. الدعوة لانتخابات مبکرة بإشراف دولي، ويحق للعبادي أن يترشح فيها.
هذه الخطوات العملية وغيرها -إضافة إلی الدعم الأميرکي- يمکن أن تزيد من شعبية العبادي في الشارع العراقي، وحينئذ لا يمکن للجهات الساعية لتصفيته أن تقدم علی خطوة اغتياله، لأنها ستکون في فوهة المدفع، وبالتالي لن تحقق الأهداف المرجوة من عملية الاغتيال المتوقعة.







