العالم العربيمقالات

بوتين وخامنئي و «الهلال»


 

 

الحياة اللندنية
22/11/2014

 

بقلم: غسان شربل

 


 

مسکينة سورية. کلما اجتمع قويان علی أرضها تمددت خريطتها المثخنة بينهما. مصيرها يتقرر في غيابها. المتدخلون في ملعبها يدافعون عن برامجهم ومصالحهم وصورتهم. دم السوريين لا يحتل صدارة الأولويات سواء کان سنياً أم علوياً وعربياً أم کردياً. تعايش العالم سنوات مع الانتحار السوري. استيقظ حين فاضت الأخطار عن حدود الخريطة منذرة بنحر آخرين. ستکون الخريطة اليوم علی الطاولة حين يستقبل المرشد ضيفه القيصر.
إنه اللقاء الثاني بين الرجلين. کان الأول في 2007. کان العالم مختلفاً. وکان الشرق الأوسط مختلفاً. وکانت سورية لاعباً وهي اليوم استحالت ملعباً.
يحب فلاديمير بوتين مباغتة خصومه. ويعشق دور «سارق الأضواء». وفّر له التدخل العسکري الروسي في سورية هذه المتعة. إنه صاحب الدور الأول الآن. لکن الذي قرر تحمل أعباء الحرب ألزم نفسه عملياً بتحمل أعباء البحث عن حل. وتعرف موسکو أن «الجنرال وقت» هو أعنف خصومها. لهذا، وضعت سقفاً زمنياً مبدئياً لتدخلها العسکري في سورية. إنها تراهن علی انطلاق العملية السياسية قبل نهاية السنة الحالية أو في موعد قريب منها.
قبل لقاء اليوم، تغير شيء ما في علاقات إيران بالعالم. إنه الاتفاق النووي. وتغير شيء ما في علاقات روسيا بالعالم. إنه التدخل العسکري في سورية. تمکن الإشارة إلی عنصر ثالث وهو انضمام إيران إلی عملية فيينا السورية، والتي يفترض أنها انطلقت من روحية بيان «جنيف – 1».
لا يتسع المجال هنا للخوض في العلاقات بين روسيا وإيران بأبعادها السياسية والاقتصادية والعسکرية. ربما ينظر کل طرف إلی الآخر بوصفه «شريکاً متعباً لا بد منه». وربما يعتبر کل منهما هذه العلاقة رسالة ضغط علی الولايات المتحدة. لکن الأکيد هو أنه من المبکر الحديث عن افتراق الحسابات بين موسکو وطهران علی الملعب السوري. ومن التسرع أيضاً الحديث عن تطابق کامل ودائم بينهما علی أرض ذلک الملعب.
ما کان اللقاء ليرتدي هذه الأهمية لو کان الهلال الذي رسم الجنرال قاسم سليماني ملامحه مستقراً. التدخل الروسي العسکري دليل قاطع علی أن إيران لم تستطع حسم النزاع في سورية. هوية المقاتلات التي تجوب أجواء العراق وسورية دليل آخر علی صعوبة إدارة دمشق وبغداد وبيروت من طهران.
إنه لقاء الحاجة المتبادلة. لم يأتِ الجيش الروسي لحسم المعرکة بالضربة القاضية. التدخل البري الواسع والحاسم غير وارد في حسابات الکرملين. علی الأقل حتی الآن. بتدخلها منعت موسکو إسقاط النظام. تزايدت حاجتها إلی إطلاق عملية سياسية تجنبها الغرق في أفغانستان جديدة أو فيتنام روسية. يدرک بوتين خطورة الفوز بلقب «الشيطان الأکبر» في العالم السنّي. مسلمو روسيا وجوارها لا يستطيعون احتمال دور من هذه القماشة.
حاولت إيران عبثاً إعادة سورية إلی ما کانت عليه قبل اندلاع النزاع المدمر. لم تنجح. اضطرت في النهاية إلی تجرع کأس التدخل الروسي. بوتين من جهته أقر أمام بعض زواره أن إعادة سورية إلی ما کانت عليه متعذرة. لهذا، يحتاج إلی تنازلات إيرانية لبلورة حل يمکن تسويقه إقليمياً ودولياً. والمسألة تتخطی ما بات يعرف بـ «عقدة الأسد» علی رغم أهميتها. ويحتاج المرشد أيضاً إلی ضمانات من القيصر في شأن ملامح سورية الجديدة وتوازناتها الداخلية وموقعها الإقليمي وعلاقتها بلبنان و «حزب الله».
من حق إيران أن تبتهج لأن التدخل الروسي شکل بوليصة تأمين للنظام ومؤسساته. لکن ثمة ما يقلقها أيضاً. التنسيق الأمني الروسي – الإسرائيلي بالغ الدلالات. ترحيب روسيا بـ «الحليف» الفرنسي في محاربة «داعش» يفتح أبواباً کثيرة. تعرف إيران أن روسيا تعتبر أوکرانيا أهم من سورية. المرونة الأوروبية والغربية في کييف قد تدفع روسيا إلی إبداء مرونة في دمشق.
لا يکفي أن يتفق المرشد والقيصر علی اقتلاع «داعش». بوتين نفسه يبحث عن تحالف دولي واسع، خصوصاً بعد قرار مجلس الأمن. السؤال هو من سيرابط في الأماکن التي سيتم تحريرها من «داعش» في سورية والعراق معاً؟ ومن يضمن عدم ظهور نسخة جديدة من «داعش» وأشد هولاً منها بعد أعوام؟ هذا يطرح مشکلة الدور السنّي في المنطقة الممتدة من بغداد إلی بيروت مروراً بدمشق. تحصين البيئة السنّية ضد جاذبية «داعش» يفرض بلورة حلول سياسية يکون المکون السنّي شريکاً کاملاً فيها. هذا يعني ضرورة معالجة بعض ملامح الهلال الذي رسمه قاسم سليماني.
لا أحد يحب تقريب کأس السم من شفتيه. لکن تجارب التاريخ القديمة والحديثة تقول أن تجرع قطرات من السم أفضل في الأزمات المعقدة من تجرع هزيمة مدوية أو التشبث بمواقف انتحارية. هذا يصدق علی الفرقاء السوريين. يصدق أيضاً علی المتحلقين حول الخريطة السورية المسکينة. والدواء الذي سترغم سورية علی تناوله سيسري أيضاً في عروق الهلال.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.