العالم العربيمقالات

سقوط «حزب الله» الأخلاقي المدوّي هذه المرة

 

 

الحياة اللندنية
22/1/2016
بقلم: عبدالباسط سيدا


ستظل لعنة مضايا تلاحق «حزب الله» ورعاته إلی أبد الآبدين. ستظل صرخة الجياع من أطفالها ونسائها وشيوخها تمثّل الکابوس المرعب لأولئک الذين باتوا أسری أحقادهم المرضية. ستظل تلک الصرخة الدليل الدامغ الأقوی الذي يؤکد أن کل شعارات «المقاومة والممانعة» والادعاءات الإعلامية بخصوص المواجهة مع إسرائيل لم تکن سوی مسرحيات هزيلة، کان الغرض منها التستّر علی الکبائر بأدوات ما بعد النفاق، وما بعد بعد النفاق.
کان السوريون يدرکون أبعاد لعبة «المقاومة والممانعة» منذ اليوم الأول. لکن المشکلة أن التحالف غير المقدس بين أقطاب الشرّ تمکّن لمدة من الزمن، وفي غفلة منه، من تسويق صورة خادعة مضلّلة بخصوص الحزب المعني، حتی ذاب الثلج وبان المرج، وتبيّن لناسنا الطيبين أن الحزب الذي کان يدّعي أنه حزب المقاومة هو في جوهره حزب مبني علی أساسٍ طائفي بغيض، أنهک المنطقة بالتشارک والتضايف مع «داعش»، وسلّمها لفوضی عارمة ستستمرّ علی مدی عقود عجاف قادمة. هذا ما لم تتضافر جهود العقلاء من مختلف الأطراف، لوضع حدٍ مطلوب للحالة اللاعقلانية الغرائزية التي تعيشها منطقتنا راهناً.
«حزب الله» يجوّع أطفال مضايا ونساءها حتی الموت، والحجة الأقبح من الذنب أن کفريّا والفوعا تعانيان الحصار ذاته من قبل الآخرين، لأنها حجة لا تسندها الوقائع ولا شهادات المحايدين. لکن يبدو أن الحزب المعني الذي أعلن نفسه وصياً علی الشيعة السوريين، ووليّ أمرهم، والمدافع عنهم، والضامن لوجودهم، يعتمد نهجاً وقائياً خاصاً به، فهو الذي يحدد طبيعته وقواعده وکأنه هو الذي حافظ علی الشيعة السوريين في کفريا وغيرها، ومکّنهم من أداء شعائر مذهبهم علی مدی ألف وأربعمائة عام، وهم الذين يعيشون وسط محيط سني يشملهم من جميع الجهات. واللافت هنا أن الحجة المتهافتة هذه تذکّرنا بتلک التي تمترس خلفها الحزب المعني في بداية الثورة السورية، ليبرّر إرسال قواته لقتل السوريين. وکانت الحجة حينئذ أنه فعل ذلک حماية لمقام السيدة زينب، وبقية الأماکن المقدسة لدی الشيعة.
حصار «حزب الله» لمضايا خطوة في إطار استراتيجية ايرانية مستمرة منذ عقود، تستهدف إحداث تغييرات ديموغرافية، تحسباً أو سعياً لتحوّلات في الجغرافيا السياسية للمنطقة. وهي خطة تُمکّن النظام الإيراني من تجاوز جملة الاستحقاقات في الداخل الإيراني، التي تتصل بحقوق الشعوب الإيرانية من کرد وعرب وبلوش وآذريين وغيرهم، واستحقاقات أخری تتمحور حول تطلعات شباب إيران ونسائها، ورغبتهم في الاندماج مع محيطهم الإقليمي وعصرهم.
«حزب الله» يفرض الجوع علی الأطفال والنساء. وبشار الأسد يضرب السوريين ببراميل البارود، براميل الحقد الدفين، وبالأسلحة الکيماوية، ويمارس القتل الجماعي في المعتقلات. والحرس الثوري الإيراني يشارک بقواته وعبر أدواته وعملائه في قتل السوريين وتجويعهم. وبوتين يضرب السوريين بکل أنواع الأسلحة المجرّبة وغير المجرّبة. کل ذلک من أجل انتزاع الاستسلام من السوريين والسوريات، وهو أمر لم ولن يکون أبداً.
مضايا لم تکن الأولی والوحيدة التي استخدم النظام وحلفاؤه سلاح التجويع ضدها، ولکنها أصبحت الرمز. سلاح التجويع استخدمه النظام منذ البداية ضد مختلف المناطق السورية. استخدمه في داريا والمعضمية وغوطة دمشق وحمص وغيرها من المناطق. أما أهداف هذا السلاح فمتعددة منها: فرض الاستسلام أو الانسحاب علی المقاتلين، وإحداث تغييرات ديموغرافية، إلی جانب تمهيد الأرض لدخول المافيات المرتبطة بالنظام علی الخط، حتی تتحکّم بإدخال المواد الغذائية والأدوية بأسعار خيالية، هذا مع العلم أن کميات کبيرة من هذه المواد دخلت، وتدخل، سورية عبر برنامج المساعدات التابع للأمم المتحدة، وهي تُسلّم في معظمها للنظام وأتباعه، علی أمل أن تکون عوناً للسوريين، لکنها تغدو سلاحاً ضدهم.
وتجدر الإشارة هنا إلی أن العديد من المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النظام وحلفائه کالجزيرة مثلاً، تعاني وضعاً مأسويا نتيجة الارتفاع اللامعقول في أسعار المواد الغذائية والطبية، الأمر الذي يؤدي إلی سوء التغذية المزمن بخاصة بين الأطفال، کما ينتشر ما يمکن أن نسميه المجاعة الصامتة. وهذا ما يضغط علی السکان، ويرغمهم علی اعتبار الهجرة الخارجية الخيار الأقل ضرراً.
الشعب السوري يعيش محنة قاسية نتيجة التناغم بين وحشية النظام وحلفائه ورعاته وسلبية المجتمع الدولي ونفاقه. لکن شعبنا العزيز تمکّن بفعل تضحياته وثباته، وتمسّکه بحقه المشروع في الحرية والعدالة والکرامة، من إسقاط سائر الأقنعة، لتظهر قباحات أصحاب شعارات المقاومة الخلبية والممانعة الادعائية من أسری النزعة المذهبية علی حقيقتها، وليظهر نفاق کل من کان يتشدق بالقيم الإنسانية التخديرية، وبأهمية دعم تطلعات الشعوب ومساعدتها لتعيش عصرها، وتضمن مستقبلاً أفضل لأجيالها القادمة. إنها أيام صعبة نعيشها لا ننکر ذلک، ولکن تجربة السنوات الخمس علّمت السوريين کثيراً، وصقلتهم علی رغم کل العذابات والمرارات ومشاعر الإحباط. فسورية ستبقی، وشعبها سيبقی ليبني وطنه من جديد، وطناً خالياً من الاستبداد والإرهاب.
* کاتب وسياسي سوري

زر الذهاب إلى الأعلى