العالم العربيمقالات
أميرکا وإخراج إيران من اللعبة السورية

الحياة
8/6/2017
بقلم:غازي دحمان
تدرک إدارة الرئيس الأميرکي دونالد ترامب أن عملية تفکيک النفوذ الإيراني في المنطقة تحتاج لما هو أکثر من التکتيکات العادية التي جری العمل بها خلال السنوات الماضية، من قبل الحلفاء، والتي اتخذت في الغالب طابعاً دفاعياً في مواجهة الهجوم الإيراني الشامل علی کل المحاور.
ولا يمکن حصر محاربة النفوذ الإيراني عبر إغلاق طريق أو طرق إمداد لوجستية برية بين سورية والعراق، علی رغم أهمية مثل هذا الأمر، ذلک أن إيران صنعت علی مدار السنوات الست السابقة بنية عسکرية وأمنية متکاملة، واختبرت طرقاً وأساليب کثيرة للتعامل مع التطورات الطارئة، بما فيها إيجاد بدائل لنقل الأسلحة من إيران عبر إنشاء مصانع في أجزاء من الأراضي السورية للصواريخ الإيرانية، في حماة والقلمون، کما أنها أغرقت الساحة السورية بميليشيات أجنبية وميليشيات صنعتها محلياً لدرجة لم تعد معها بحاجة إلی تغذية قواتها بمزيد من العناصر في المدی القريب، مع إدراکها أن طريق بغداد- دمشق لن يبقی مغلقاً إلی آجال بعيدة.
التقدير أن هذه المعطيات لم تفت صناع الإستراتيجية الأميرکية الجديدة تجاه إيران، وبخاصة أن جميعهم تعاطی عن کثب مع الذهنية الإيرانية وأساليب عملها من خلال التجربة العراقية، بالإضافة إلی وجود متغير مهم يتمثل بالعامل الروسي الذي يندمج مع الوجود الإيراني بحکم التنسيق المشترک والضرورة العملانية، وهو ما يستدعي التفکير بطريقة محتلفة وإستراتيجية عملية لتفکيک النفوذ الإيراني وتعطيل مفاعيله في سورية.
وعلی رغم عدم إعلان الإدارة الأميرکية عن إستراتيجيتها في هذا الخصوص، إلا أن ملامح هذه الإستراتيجية تکشف احتواءها مکونين أساسيين: الخطوات الصغيرة، وفصل إيران عن روسيا.
وعلی رغم عدم إعلان الإدارة الأميرکية عن إستراتيجيتها في هذا الخصوص، إلا أن ملامح هذه الإستراتيجية تکشف احتواءها مکونين أساسيين: الخطوات الصغيرة، وفصل إيران عن روسيا.
وحتی اللحظة، نفذت أميرکا العديد من الخطوات الصغيرة، منها قطع الطرق بين العراق وإيران، وضرب ميليشيات إيرانية في البادية السورية، وکان قد سبقهما ضرب إسرائيل مطار دمشق الدولي بصفته خط إمداد لوجستي إضافي، والواضح أن هذه الضربات والإجراءات، بالإضافة إلی مفعولها العسکري، فهي تهدف إلی إدراج الحضور الأميرکي في الفضاء السوري، إذ يصبح أحد معطيات المشهد، ومن جهة أخری يتيح لأميرکا استکمال البنية اللازمة لإنفاذ إستراتيجيتها، سواء من خلال بناء المراکز والقواعد، أو تجهيز القوات المحلية الرديفة التي ستلقی علی عاتقها مهمات السيطرة علی الأرض.
بالإضافة إلی ذلک، تشکّل الخطوات الصغيرة إجراءً واقعياً للطرف الأميرکي الغائب سنوات طويلة عن الميدان السوري، وفي الوقت ذاته لا يزال في طور اختبار الأرض والحلفاء المحليين والإقليميين وتفحّص الإمکانات في مواجهة أطراف رسخت وجودها عبر فترة زمنية مديدة.
أما بالنسبة إلی عملية فصل إيران عن روسيا، فالواضح أن الإدارة الأميرکية صنعت سياقاً متکاملاً في هذا الاتجاه، من خلال نزع مبررات الوجود الإيراني في سورية عن قضية محاربة الإرهاب، وبخاصة بعد أن تم وضع إيران في الميزان ذاته الذي يتم فيه قياس «داعش» و «النصرة» وحساب نتائج وتداعيات أفعالهما علی أمن المنطقة واستقرارها.
أما بالنسبة إلی عملية فصل إيران عن روسيا، فالواضح أن الإدارة الأميرکية صنعت سياقاً متکاملاً في هذا الاتجاه، من خلال نزع مبررات الوجود الإيراني في سورية عن قضية محاربة الإرهاب، وبخاصة بعد أن تم وضع إيران في الميزان ذاته الذي يتم فيه قياس «داعش» و «النصرة» وحساب نتائج وتداعيات أفعالهما علی أمن المنطقة واستقرارها.
والمفارقة أن روسيا، ومن دون قصد، أفسحت المجال للإدارة الأميرکية للعبور إلی نقطة المطالبة بإخراج إيران من الساحة السورية، بعد الهدنة التي توصّلت إليها بين قوات الأسد وفصائل المعارضة، ثم اتفاق المناطق الآمنة، وهو ما جعل الوجود الإيراني محل تساؤل وبخاصة أن إيران وميليشياتها لم يسبق لها قتال «داعش» الذي من المفترض، ووفق اتفاقات الهدنة في سورية، أن تتکفل قوات الأسد والمعارضة بقتاله.
أما روسيا فاستنفدت کل مبررات دفاعها عن الوجود الإيراني، وبخاصة أنه يعتمد بدرجة کبيرة علی مکونات ميليشياوية يصعب تبرير انخراطها في الحرب السورية في ظل توجّه دولي يدعو إلی استعادة سيادة الدول في الإقليم، بمواجهة الفاعلين الآخرين من ميليشيات وفصائل، بل يعتبر هذه المکونات أحد أهم أسباب استمرار الأزمة، والمنطق ذاته ينطبق علی فصائل المعارضة السورية التي سيکون مطلوباً منها التوحّد في إطار هيکلية جديدة لتهيئتها للاندماج ضمن هيکلية أوسع في إطار الحل السياسي المنشود.
لا شک في أن روسيا تواجه تطورات غير محسوبة في سورية، فهي لا تستطيع ولا تريد التخلي عن إيران، لأن ذلک سيرفع أکلاف وجودها في سورية، وهو ما لا تحتمله، علی الأقل قبل أن يتم القضاء علی کل ممکنات الثورة السورية وإخضاعها وإعادة بناء البنية الأمنية والعسکرية للنظام، وهذا يحتاج لسنوات.
بيد أن أميرکا بنت قضية متکاملة لإخراج إيران وعزلها عن سورية وعن المنطقة، وتشتمل عناصر هذه القضية علی أمن الحلفاء في الأردن وإسرائيل والخليج، ومستلزمات التوصل إلی حل في سورية، والقضاء علی «داعش»، وتقليم أظافر الميليشيات الشيعية، وإنجاز هذه الأهداف لتحقيق حل واقعي لأزمة المنطقة بات يستلزم حکماً إخراج إيران وتوابعها من المنطقة.
يستدعي نجاح الخطة الأميرکية توفر عاملين مهمين: الجدية والاستمرارية، ذلک أن روسيا ستحاول قدر استطاعتها إفشال المخطط الأميرکي ما لم تظهر إدارة ترامب أنها جادة في قرارها إخراج إيران من اللعبة، کما أن إيران ستراهن علی نزق أميرکا وتعبها، وهنا يأتي دور حلفاء أميرکا في المنطقة الذين عليهم الانخراط ضمن الجهود الأميرکية وانتهاز فرصة التخلص من التهديد الإيراني.
* کاتب سوري







