العالم العربيمقالات

ما السيناريوهات الأمريکية لتحجيم النفوذ الإيراني في العراق؟

 


نون بوست
28/2/2017
 

 


 

بقلم: نظير الکندوري کاتب عراقي
 

 

تتوالی التسريبات للصحف العالمية التي تهتم بالشأن العربي والشرق أوسطي، عن السيناريوهات المتوقعة للمنطقة، والتي تنوي الولايات المتحدة بقيادة ترمب تنفيذها، والسبب وراء إعطاء تلک الصحف الأهمية القصوی لتلک التسريبات، هي تجربة الأيام القليلة التي أمضاها ترمب في رئاسته، والاندفاعة القوية التي تتملکه لتطبيق ما وعد به في حملته الانتخابية، علی الرغم من معارضة الکثير من مؤسسات الدولة العميقة في الولايات المتحدة لتوجهاته وخصومة الإعلام الأمريکي لهذا الرئيس الجديد، مدفوعًا من کل اللوبيات التي تراعي مصالح الدول المتضررة من سياسة الرئيس الجديد، ذلک الرئيس الذي أحاط نفسه بجنرالات سابقين ليستمد منهم القوة بسياسته، داخليةً کانت أو خارجية، وليضفي علی قراراته طابع الصرامة العسکرية في تنفيذها.
وعلی الأغلب أول ما سيتبادر إلی ذهن القارئ هو أن تلک السيناريوهات موجهة إلی إيران وحلفائها بالمنطقة، نظرًا لأن أول تصادم قام به ترمب في سياسته الخارجية کان معها، وأن الساحة المفضلة لکلا الطرفين لتسوية حساباتهما، هي العراقية، ذلک البلد الي يخضع لنفوذ الدولتين بنفس الوقت.
ما تلک التسريبات؟
تفيد تلک التسريبات أن الولايات المتحدة عازمة علی ترتيب الأوضاع في العراق بالشکل الذي يراعي مصالحها أولًا، حتی لو کان ذلک علی حساب مصالح إيران والتي کانت قبل فترة وجيزة حليفًا مهمًا لأمريکا في العراق بعهد أوباما، وحسب ما أوردته صحيفة “العربي الجديد”، تضمنت المبادرة، بنودًا عدة، من أبرزها:
“ضمان وحدة العراق وعدم تقسيمه علی أسس طائفية أو دينية أو عرقية، التزام دولي بدعم الجيش العراقي والأجهزة الأمنية، ترسيخ أسس العملية الديمقراطية في البلاد، العمل علی معالجة آثار الحرب الحالية مع الإرهاب، وقف التدخلات الإقليمية في شؤونه الداخلية، وضع جدول زمني لمعالجة ملف المليشيات ودمجها بوظائف أمنية أو عسکرية أو مدنية، إصلاح السلطة القضائية في البلاد، محو آثار التغيير الديموغرافي، وإعادة جميع المهجرين إلی منازلهم من دون قيد أو شرط”.[1]، وذکرت الصحيفة أيضًا ونقلًا عن نفس مصدر التسريبات، أن من المفترض أن تقدم المبادرة إلی مجلس الأمن الدولي بغية إقرارها، وإلزام الدول بفقراتها وفرض عقوبات علی أي جهة يثبت تدخلها بالشأن العراقي.
التحرکات علی الأرض التي تدعم تلک التسريبات
هناک جملة من التغيرات التي تحدث علی الأرض في العراق، يمکن تفسيرها علی أنها داعمة لمصداقية تلک التسريبات، نلاحظها في عملية تحرير الموصل مثلًا، ففي الوقت الذي قال الجنرال الأمريکي ستيفن تاونسند قائد القوات الأمريکية في العراق، إنه يعتقد أن القوات المدعومة من الولايات المتحدة سوف تنتزع السيطرة علی الموصل (أحد أهم معاقل تنظيم الدولة الإسلامية) في غضون ستة أشهر، بينما لم تمض سوی بضعة أيام علی بدء الهجوم علی الجانب الأيمن من مدينة الموصل، عَمِدت القيادة الأمريکية إلی تغيير خططها وتکتيکاتها، لتسريع التقدم العسکري للقوات المهاجمة، للدرجة التي جعلت القوات الأمريکية البرية تشارک بالقتال إلی جانب القوات العراقية.
ذلک ما ذکره موقع “نون بوست” في مقالة مترجمة من صحيفة “واشنطن بوست” (إن الولايات المتحدة غيَّرت من قواعد الاشتباک الخاصة بقواتها، لتغدو القوات الأمريکية وبقية قوات التحالف، أقرب إلی خط المواجهة أکثر من أي وقت مضی)[2] وبهذا الصدد أکد رئيس الوزراء  العراقي حيدر العبادي، في تصريحات له، أن عملية تحرير الجانب الأيمن لمدينة الموصل تسير بوتيرة أسرع مما هو مخطط لها، مما يثبت وجهة النظر التي تفيد أن الأمريکان يرغبون بتسريع عملية تحرير الموصل، والغاية من تسريع حسم المعرکة بالموصل کما هو واضح، هو التفرغ لخطط ما بعد داعش.
ومن الملاحظات الأخری علی هذه المعرکة، تضارب الإرادة الإيرانية مع الإرادة العسکرية الأمريکية، حيث کانت تقتضي الخطط الإيرانية بمحاصرة مقاتلي تنظيم الدولة في مدينة الموصل عبر قطع الطريق عليهم إلی سوريا بواسطة الحشد الشعبي، وبالتالي سوف يحاصر مسلحي التنظيم في داخل المدينة، مما يجعلهم يقاتلون بکل قوتهم، مسببًا دمارًا هائلًا للمدينة، وجعلها غير صالحة للسکن تمامًا.
وهذا بالضبط ما تريده القيادة الإيرانية وفق خططها بالتغير الديمغرافي للمناطق السنية، لکن الخطط الأمريکية جاءت علی عکس ما يتمناه الإيرانيون، وذلک من خلال جعل الطريق الواصل إلی سوريا مفتوح لإجبار مقاتلي التنظيم علی الهروب إلی قواعدهم الموجودة في سوريا، مما سيشکل ثقلاً عسکريًا کبيرًا علی حليف إيران المتمثل بالنظام السوري وعلی القوات والمليشيات الموالية لإيران هناک.
کما عمدت القوات الأمريکية إلی وقف أي عملية من شأنها استيلاء مسلحي الحشد الشعبي علی مدينة تلعفر ذات الأهمية القصوی لإيران، کونها تقع علی الطريق الذي تريده إيران ليربطها بريًا بسوريا، أضف إلی ذلک، أن طموحات إيران لهذه المنطقة، هو جعلها نقطة تجمع وانطلاق للقوات الموالية لها إلی کل الأراضي السنية في البلدين المتجاورين، العراق وسوريا.
هذا ما جعل مجاميع المليشيات، تتهم القوات الأمريکية بمساعدة مسلحي تنظيم الدولة، من خلال إمدادهم بالسلاح والمؤن من الجو، جاء ذلک في بيان لميليشيا “کتائب حزب الله” حيث ورد فيه: “تعلن کتائب حزب الله رصدها لإنزال برشوتات جوية لطائرات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريکية، فوق مناطق قضاء تلعفر غرب الموصل، ورجح خبراء أمنيون أنها تتضمن صناديق تحتوي علی أسلحة ومعدات حربية لعناصر داعش”[3].
وهذا يفسر لنا السر في تأخر البدء بالهجوم علی تلعفر من قبل المليشيات الموجودة هناک، ذلک لأن الإرادة الأمريکية لا تريد للحشد الشعبي الدخول في هذه المدينة لينفذ أجندة إيران فيها، إنما تريد القوات الأمريکية دفع مسلحي تنظيم الدولة للهرب إلی سوريا دون قتال، مثلما حدث في معرکة مطار الموصل ومعسکر الغزلاني.
زيارة الجبير لبغداد تندرج ضمن المخطط الأمريکي
شکلت زيارة الجبير مفاجأة کبيرة لکل المراقبين للشأن العراقي والعربي بشکل عام، بل إنها کانت مفاجأة للحکومة العراقية نفسها، حيث إنها جاءت دون الإعلان عنها، ونقلًا عن مصادر مطلعة قولها إنَّ السفارة الأمريکية في بغداد کان لها الدور الأکبر في ترتيب هذه الزيارة، ذلک للحيلولة دون إعطاء فرصة للإيرانيين بإفشال تلک الزيارة والتي نجحت إلی حد ما في تحقيق أغراضها.
فقد أشار الکثير من المراقبين أن الزيارة بالأساس کانت وفق ترتيب أمريکي سعودي، وهذا ما أکده وزير المالية السابق هوشيار زيباري حينما علق علی تلک الزيارة في تغريدة له علی موقع التواصل الاجتماعي “تويتر”
 قائلًا: “شکرًا لأصدقائنا الأمريکيين” موضحًا فيها، أن هذه الزيارة بتنسيق أمريکي مسبق.
کانت الغاية من الزيارة إيصال رسالة إلی العبادي شخصيًا، أن عليه تحديد موقفه من موضوع الصراع الإيراني من جانب والأمريکي العربي من جانب آخر، وحثّه علی الانحياز إلی الجانب العربي والرجوع للحاضنة العربية، وبالمقابل، عرض الجبير نيابة عن بلده السعودية أن الدول العربية وعلی رأسها السعودية جاهزة للمساهمة الفعّالة في إعمار ما تخرَّب جراء الحرب علی الإرهاب، ليس فقط بالمناطق السنية وإنما في کل المناطق العراقية دون تمييز.
لکن ما مدی استجابة العبادي لمثل هذا العرض الذي يحمل نقاط إغراء عديدة لتجعله يوافق، وبنفس الوقت فيه محاذير کبيرة جرّاء إقدامه علی مثل هذه الخطوة الجريئة، فالعبادي حاليًا يهيئ نفسه للانتخابات النيابية القادمة، ويتعرض لمنافسة شديدة من منافسه المالکي، ومن المرجح أن يدخل العبادي بکتلة انتخابية مختلفة عن غريمه المالکي، علمًا أنهما ينتميان لنفس الحزب السياسي.
إن إقدام العبادي بالموافقة علی المقترحات الأمريکية السعودية، سوف يعرضه لتهديد مليشيا الحشد الشعبي ذات الولاء الإيراني، وإجباره علی عدم اتخاذ مثل هذه الخطوة الخطيرة علی مستقبلهم، حتی لو اضطروا لتنحيته عن منصبه بالقوة، فالعبادي ليس لديه أوراق ضغط قوية سوی الشرعية التي يمتلکها کونه رئيس وزراء منتخب، أما موضوع سيطرته علی الحکومة أو القوی الأمنية من جيش وشرطة وکذلک المليشيات، فليس له أي سيطرة حقيقية عليهم، والأمثلة علی ذلک عديدة لا مجال لذکرها في هذا التقرير.
وربما سيکون العرض الأمريکي السعودي يتعدی موضوع الإغراء الذي يقدموه للعبادي، بل يصل إلی مرحلة حمايته من أعدائه المحليين أو أعدائه من خارج الحدود، لتشجيعه علی الموافقة علی تلک المقترحات، کل ما عليه هو أن يطلب تلک الحماية من التحالف الدولي أو التحالف الإسلامي، لکن في حالة رفضه لهذا العرض، فإنه سيربط مصيره بمصير إيران التي ستکون تحت المطرقة الأمريکية والعربية في الفترة اللاحقة.
محاولات إدراج الحرس الثوري الإيراني بقائمة المنظمات الإرهابية
ومن محاولات الضغوط الأمريکية علی إيران هي السعي لإصدار قانون أمريکي باعتبار “الحرس الثوري الإيراني” منظمة إرهابية، وتمثل هذه الخطوة ضربة شبه قاضية علی القيادة الإيرانية إذا ما تمت، ذلک لأن الحرس الثوري الإيراني يعتبر أهم مؤسسة في إيران وأحد أهم مرتکزات النظام الإيراني، فهو يسيطر علی قرار الأمن القومي الإيراني، إضافة إلی سيطرته علی الاقتصاد الإيراني بواسطة شرکاته العديدة المنتشرة في أنحاء إيران، کما أن المؤسسات المتفرعة من هذا الحرس هي التي تدير کل المنظمات الإرهابية التي تعمل بالخارج، وستجعل عملية تصنيفه کمنظمة إرهابية، مشمولًا بقانون المنظمات الإرهابية الأجنبية لعام 1996، والذي طُبِقَ علی جماعات إرهابية، مثل تنظيم القاعدة وتنظيم الدولة، مما يجعل الحرس الإيراني خاضعًا لمجموعة واسعة من العقوبات الأمريکية لا تستطيع إيران أن تطيقها.
ما رد الفعل الإيراني علی تلک الخطوات؟
القيادة الإيرانية في حقيقة أمرها لا تمتلک وسائل ضغط کبيرة تستطيع من خلالها أن تجابه الضغوطات الأمريکية والعربية تلک، جعلها توقف تجاربها الصاروخية التي کانت سبب المشکلة الأخيرة مع الجانب الأمريکي، ثم قام الرئيس الإيراني بجولة خليجية يحاول من خلالها تهدئة الأجواء بينه وبين دول الخليج وعلی رأسها السعودية، ولکن علی ما يبدو أن تلک الجولة لم تحقق ما تريده إيران منها.
فعمدت ومن خلال ذراعها حزب الله اللبناني، بتوجيه رسالة تحذيرية لإسرائيل، الحليف الأساسي للولايات المتحدة الأمريکية في المنطقة، ذلک عندما أعلن حزب الله قبل أيام، أن بحوزته معلومات دقيقة عن مخازن الأمونيا في مدينة حيفا، وأن تلک المخازن في مرمی صواريخ الحزب، الأمر الذي جعل إسرائيل، تعمل علی إفراغ تلک المخازن ونقلها إلی أماکن أخری.
فعاد الحزب وهدد مرة أخری باستهداف مفاعل ديمونة في النقب، وادعائه بأن صواريخه تصل إليها، والحقيقة أن هذه التهديدات ليست جادة من قبل الحزب، ولا نظن أن باستطاعته تنفيذ تلک التهديدات، دليل ذلک التزامه الصمت، حينما قامت المقاتلات الإسرائيلية باستهداف قوات الحزب بسوريا في 22 من الشهر الحالي بمنطقة القلمون الغربي قرب مدينة “رنکوس”، ولم يرد علی تلک الضربات بالمقابل.
إن الرد الإيراني المتوقع علی أمريکا سيکون في العراق، حيث تمتلک إيران نفوذًا شبه کامل علی الحکومة العراقية، وبجميع مؤسساتها العسکرية والأمنية، إضافة إلی أن المليشيات الإرهابية الموجودة في العراق، تدين لإيران بالولاء المطلق، فمن الممکن أن توعز للأحزاب الماسکة بالسلطة في بغداد مثلًا، بإطلاق مبادرات مصالحة استباقية، کخطوة أولی، لا سيما أن الحراک الأمريکي العربي يهدف بالنهاية إلی الحد من نفوذ إيران بالعراق.
إن تکرار إطلاق المبادرات من قبل الأحزاب الحاکمة والمقربة من إيران، هو استشعار منهم بالحراک الحالي حاليًا ضدهم في واشنطن، فعمار الحکيم، زعيم “المجلس الإسلامي الأعلی”، أعلن رفضه لأي مبادرات تطلق من خارج العراق (بالإشارة إلی المبادرات الأمريکية أو العربية)، وذلک بعد أسابيع علی إطلاقه مبادرة “التسوية التاريخية” التي يراها الفرقاء السياسيون بالعملية السياسية، ترسيخًا لحکم الطائفة الواحدة، کذلک، أطلق زعيم “التيار الصدري” مقتدی الصدر، مبادرة أخری تضمنت 29 بندًا، إلا إنها لم تحظ بأي اهتمام من باقي الکتل السياسية.
أما کخطوة ثانية إذا لم تنجح الخطوة الأولی، فمن المتوقع أن تقوم إيران ومن خلال مليشياتها في العراق، بمحاولات استفزازية للقوات الأمريکية الموجودة بالمناطق السنيَّة في العراق، وربما تعرض سفارة الولايات المتحدة في المنطقة الخضراء للتهديد، بطريقة مشابهة لتعرض موظفي السفارة الأمريکية في طهران سنة 1979 للاختطاف، وبالتالي فإن الأمريکان عمدوا بالفترة الأخيرة لزيادة قواتهم بشکل سريع، کما قاموا بالإسراع بوتيرة بناء القواعد العسکرية التي لم يستکمل بنائها لحد الآن.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.