الزعيمة و المستبد

ايلاف
5/7/2015
بقلم: نزار جاف
سعی الاعلام الايراني عبر طرق و أساليب متباينة و طوال العقود الثلاثة المنصرمة الی التقليل من شأن المعارضة الايرانية عموما و منظمة مجاهدي خلق خصوصا، وأوحی دائما من خلال تلک الاساليب و ضمن إطار نهج مبرمج ضد المنظمة، بأن تأثيرها في داخل إيران قد إنعدم و تلاشی وهذا الامر قد ورثه و تناقله و يتناقله جيل من الکتاب العرب بصورة ملفتة للنظر، ولکن هل حقا إنتهت منظمة مجاهدي خلق و تلاشی دورها بالفعل کما يقول رجال الدين في طهران؟
منظمة مجاهدي خلق التي تقودها مريم رجوي التي حققت إنتصارات و مکاسب سياسية عديدة للمنظمة علی الصعيدين الدولي و الاقليمي و نجحت في کسر و إزالة کل أنواع العراقيل و المعوقات التي وضعتها طهران بفعل(البترودولار)أمامها، وأهم هذه الانتصارات و أکثرها تأثيرا، تجلی في کسب المعرکة القضائية وإخراج المنظمة من قائمة الارهاب الامريکية التي وضعت أساسا فيها في عهد محمد خاتمي ضمن صفقة سياسية مکشوفة لم تحقق أهدافها و الغايات المرجوة منها.
طوال الاعوام الماضية، قادت مريم رجوي، بصفتها کزعيمة ليست للمنظمة فقط وانما أيضا للمعارضة الايرانية المعبرة عن موقف الشعب الايراني، حملة سياسية ضروس ضد رجال الدين في طهران و أبليت بلائا حسنا، وقد أکدت علی ثلاثة محاور في خطاباتها و تصريحاتها هي:
ـ ملف حقوق الانسان في إيران و الانتهاکات واسعة النطاق التي تحدث من جانب رجال الدين ولاسيما ضد المرأة الايرانية.
ـ التدخلات الايرانية الاستثنائية في المنطقة وخصوصا في سوريا و العراق و لبنان و اليمن.
ـ الملف النووي الايراني و کافة متعلقاته و خصوصا النوايا المبيتة لطهران و الاسلوب و النهج الامثل لمواجهتها.
هذه الملفات الثلاثة التي تبين قوة تأثيرها علی رجال الدين في طهران بشکل واضح، بل وانها”أي هذه الملفات الثلاثة”، کانت بمثابة الحصار المحکم الذي فرضته مريم رجوي عليهم ردا علی إدراجهم للمنظمة ضمن قائمة الارهاب، عندما إضطروا لشد الرحال الی جنيف و لوزان والتوقيع علی إتفاق جنيف المرحلي في نوفمبر 2013، وإتفاق لوزان او الاتفاق الاطار في أبريل 2015، خصوصا بعدما وجد رجال الدين أنهم محاصرون من أکثر من جهة، ولم يجدوا من منفذ لهم إلا عبر طاولة المفاوضات مع(الشيطان الاکبر)، حيث جاء الزمن الذي يخرج فيه وزير خارجية دولة المستضعفين مع وزير خارجية دول الشيطان الاکبر و الاستکبار
العالمي في نزهة بعدما کان يهدد مؤسس الجمهورية الاسلامية الايرانية الخميني بأنه سيقطع أي يد تمدد من طهران لمصافحة واشنطن!
المشکلة الاکبر من ذلک و التي تشکل هي الاخری صداعا و أرقا مزمنا لرجال الدين في طهران، أن الرؤی و الانطباعات و الاستنتاجات التي أطلقتها مريم رجوي بشأن الملفات الثلاثة أعلاه، تکتسب أهميتها الاعتبارية من حيث أن طروحاتها تلک تؤخذ بنظر الاعتبار إذ أن التأکيد الدولي علی مسألة حقوق الانسان في إيران يأتي من التأکيدات المستمرة لرجوي بشأن الانتهاکات الواسعة لمبادئ حقوق الانسان في إيران و مطێالبتها بضرورة إحالة ملف حقوق الانسان في إيران الی مجلس الامن الدولي، کما أن تأکيد الدول الکبری علی أهمية ممارسة سياسة الحزم و الصرامة علی طهران فيما يتعلق بالمفاوضات النووية، إنما يأتي حصيلة تلک النداءات و المطالبات و التحذيرات المستمرة التي أطلقتها هذا المرأة المقارعة لطهران علی الدوام، مثلما أن إفتضاح و إنکشاف التدخلات الايرانية في المنطقة و المآرب و النوايا المشبوهة من ورائها و حالة التصدي التي بدأت تتصاعد ضدها الان و التي أحد أشکالها البارزة عملية”عاصفة الحزم”، انما هي أيضا نتاج لتحذيرات و طروحات لاحصر لها لمريم رجوي.
مريم رجوي، لم تقف في تصديها و مواجهتها الشجاعة مع النظام السياسي القائم في إيران عند تلک الحدود و المستويات التي اوردناها آنفا، وانما تعدتها الی التعرض للبنی و الاسس الفکرية و العقائدية لنظام ولاية الفقيه عندما دأبت علی طرح مفهوم”الاسلام الديمقراطي التسامحي”، ورفضها الکامل لأن يکون النهج المبني علی القمع و الاستبداد يمثل الاسلام بأي وجه من الوجوه، والملفت للنظر انها وخلال خطابها الذي ألقته في مساء يوم الجمعة3 تموز الجاري بمناسبة حفل إفطار أقامته المقاومة الايرانية في باريس، شرحت و بإيجاز مفيد المبادئ التي يرتکز عليها”الاسلام الديمقراطي التسامحي”، والتي لخصتها في خمسة نقاط جوهرية هي کما جاء علی لسانها:
1 اننا نرفض الدين القسري والإجبار الديني، الحکومة الاستبدادية تحت يافطة الاسلام وأحکام شريعة التطرف، وتکفير أصحاب الرأي الآخر سواء کانوا باسم الشيعة أو السنة هي ضد الاسلام والسنة المحمدية السمحاء.
2 من وجهة نظرنا فان جوهر الاسلام هو الحرية؛ التحرر من أي نوع من الإجبار والتعسف والاستغلال.
3 نحن نتبع الاسلام الحقيقي أي الإسلام المتسامح الديمقراطي؛ الاسلام المدافع عن السلطة الشعبية والاسلام المدافع عن المساواة بين المرأة والرجل.
4 نحن نرفض التمييز الديني وندافع عن حقوق اتباع جميع الديانات والمذاهب.
5 اسلامنا هو التآخي بين کل المذاهب. الصراع الديني والفرقة بين الشيعة والسنة هو ما فرضه نظام «ولاية الفقيه» لاستمرار خلافتها اللااسلامية واللاانسانية.
ويبدو أن هذه المرتکزات الخمسة التي أعلنتها رجوي کزعيمة إيرانية ذات قاعدة شعبية، لن يکون من السهل ان يرد عليها رجال الدين ولاسيما شخص الولي الفقيه الخامنئي، مع إن عدم الرد أيضا سيترتب کموقف إنهزامي من جانب النظام، ذلک أن التأمل في الخط و السياق العام للخطاب الذي تلتزم به مريم رجوي و وجهها البشوش الذي تطغي عليه دائما إبتسامة التفاؤل بالنصر، يبرزها أکثر کزعيمة تقود المعارضة و شعبها نحو الحرية و المستقبل، فيما يبدو الولي الفقيه بوجهه المتجهم و خطابه المتشدد الإقصائي کحاکم مستبد قلق و متوجس ريبة من المستقبل ولنا عودة لهذا الموضوع.







