العالم العربي

طهران تهيمن علی الحياة السياسية والعسکرية في بغداد

 



بسبب الهيکلة الطائفية في العراق.. وتجاهل أوباما «جرائم حرب» کوکبة الميليشيات الشيعية
 
الشرق الاوسط
4/3/2015



في حين تترکّز أنظار العالم علی الفظائع التي يرتکبها «داعش» حيثما حل، من العراق وسوريا إلی ليبيا، فإن الخطر الکبير الذي تشکله الميليشيات الشيعية في العراق والدول المجاورة، وبالذات تلک المرتبطة مباشرة بإيران، لا يحظی بأي اهتمام ملحوظ. وبينما، تبدي إدارة الرئيس الأميرکي باراک أوباما تحمسًا واضحًا لضرب «داعش» والتنظيمات السنّية المتطرّفة، فإن حرص البيت الأبيض علی التقارب مع سلطات طهران، أتاح المجال للأخيرة استغلال الوضع لتعزيز قبضتها الميدانية علی العراق وسوريا وغيرهما من دول المنطقة. ولکن، أي خطوات فعالة لضرب «داعش»، وفي مقدّمتها الإعداد لتحرير مدينة الموصل – کبری مدن شمال العراق – من قبضتها، لا بد أن يسهم فيها المقاتلون السنّة. ولن يکون متيسرًا الرهان علی هؤلاء، طالما واصل المجتمع الدولي، وعلی رأسه الولايات المتحدة، غض النظر عن تجاوزات الميليشيات الشيعية العراقية والتزامها التام بأوامر قيادة الحرس الثوري الإيراني.
مع ظهور «داعش» في العراق، وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقف متناقض ومزدوج في آن؛ إذ اضطرت إلی الدخول في حرب إلی جانب أحد ألد أعدائها، أي الدولة الإيرانية والميليشيات الشيعية التابعة لإيران التي اتهمت أخيرًا بارتکاب عدد من الجرائم الطائفية. ومع ضربات التحالف الجوية باتت الولايات المتحدة تؤمِّن، ولو بشکل غير مباشر، الغطاء الجوي ليس لحکومة بغداد فحسب، بل أيضا للميليشيات العراقية التي ترتکب شتی انتهاکات حقوق الإنسان في مناطق عدة من العراق.


الرئيس الأميرکي باراک أوباما ومجلس الأمن القومي الأميرکي غضّا الطرف لفترة طويلة عن الأزمة العراقية المتطاولة والآخذة بالتفاقم يومًا بعد يوم، متجاهلين تقارير لا تعد ولا تحصی عن عمليات التعذيب والتطهير العرقي التي کانت ترتکب علی يد بعض الميليشيات الشيعية. ولقد واصلت إدارة أوباما بيع الأسلحة، التي قُدِّرت قيمتها بملايين الدولارات، للسلطات العراقية علی الرغم من السياسات الطائفية والتقسيمية التي اتبعها رئيس الوزراء السابق نوري المالکي ومساندته للميليشيات التي تدعمها إيران.


وتضم الميليشيات الشيعية المدعومة إيرانيًا بعض أبرز الأسماء الفاعلة والمؤثرة، منها علی سبيل المثال هادي العامري الذي يقود منظمة «بدر»، في حين يتولی أبو مهدي المهندس الذي يُعتقد أنه العقل المدبر وراء تفجير سفارتي الولايات المتحدة الأميرکية وفرنسا في الکويت عام 1980، قيادة ميليشيا کتائب «حزب الله»، ويترأس قيس الخزعلي ميليشيا «عصائب أهل الحق».


من ناحية ثانية، تبرز مجموعة أخری تطلق علی نفسها تسمية «سرايا السلام»، وهي ميليشيا لا تدعمها إيران بل تتبع السيد مقتدی الصدر، الذي قاتل إلی جانب العشائر السنّية بما في ذلک قبيلة البو نمر. ويشير ريناد منصور، الخبير المتخصص في الشؤون العراقية، في «وقفية کارنيغي للسلام الدولي»، في حديث مع صحيفة «الشرق الأوسط»، إلی «أن الصدر عارض سياسات (عصائب أهل الحق)، التي انبثقت عن تنظيم (جيش المهدي) الذي کان الصدر قد أسّسه قبل بضع سنوات». واتهم الصدر بعض العناصر الراديکالية التي انفصلت عن منظمته السابقة بارتکاب جرائم القتل الطائفية، کما عزا إليها ارتکاب أعمال التعذيب في عام 2006».


ومما لا شک فيه أن کوکبة الميليشيات المدعومة من إيران تلغي دور المؤسسات العراقية الرسمية وتزيلها عن الواجهة، ذلک أنها تنسق عملياتها مع «فيلق القدس» التابع للحرس الثوري الإيراني. وللعلم، فإن «فيلق القدس» هو عبارة عن وحدة قوات خاصة إيرانية تعمل خارج حدود الجمهورية الإسلامية. وقد تولی قائدها الجنرال قاسم سليماني بنفسه إدارة العمليات علی خطوط المواجهات الأمامية مُعيدًا بذلک إنعاش تحالفات قديمة، مع الحرص في الوقت نفسه علی إنشاء فروع وموالين جدد له. وبالتالي، تمکن النفوذ الإيراني من ملء الفراغ الذي خلفه نهج النأي بالنفس العسکري والدبلوماسي الذي اتبعته إدارة الرئيس الأميرکي باراک أوباما في العراق.


وهنا يقول سنان عدنان، الخبير المتخصص في الشؤون العراقية بمعهد «دراسة الحرب»، في حديث إلی «الشرق الأوسط»، إن «سياسة الولايات المتحدة تجاه دور الميليشيات الشيعية لا تزال مبهمة، ونلاحظ کثيرا من الغموض في تصريحات المسؤولين الأميرکيين، وليس ثمة سياسة واضحة حتی الآن اتجاه الميليشيات المدعومة من إيران، بل حين سئل أحد المسؤولين الأميرکيين عن دور الميليشيات الشيعية، أخيرًا، اکتفی بالرد أنه لا بد من النظر فيها ودمجها مع قوات الأمن بلا توضيح آخر».


راهنًا، يعمل قادة الميليشيات الشيعية خارج سيطرة الحکومة العراقية. وفي هذا السياق يشير عدنان إلی أن وزير الدفاع ورئيس الوزراء لا يتغاضيان کليًا وفعليًا عن الدور الطائفي للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران التي تشنّ هجمات کبری ضد «داعش» وتؤدي إلی خسارة التنظيم لأراض مهمة. «فالميليشيات المدعومة من إيران نفّذت عمليات بالتعاون مع قوات الأمن العراقية علی مستويات محلية، إنما لا نری هذا التعاون والتنسيق علی مستويات عليا مثل وزارة الدفاع». وفق عدنان.


ولکن علی الرغم من ذلک، بات کثير من الشخصيات الرئيسية من هذه الميليشيات جزءًا من هيکلية السلطة في بغداد. فالحکيم الزميلي علی سبيل المثال، قائد ميليشيا مدعومة من إيران ومتهم بقيادة «فرق الموت» حين کان نائبًا لوزير الصحة في حکومة المالکي، بات اليوم رئيس لجنة الأمن في البرلمان العراقي. ومحمد الغبان، نائب بارز للعامري في «منظمة بدر» المتهمة بارتکاب جرائم طائفية، هو اليوم وزير الداخلية، وهذا واقع يضمن لإيران إشرافًا دقيقًا علی الشؤون الداخلية العراقية.


أضف إلی ما سبق أن الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، بما في ذلک «منظمة بدر» و«عصائب أهل الحق» و«کتائب حزب الله» تشکل اليوم خطرًا کبيرًا علی «سيادة» دولة العراق، کونها لا تستجيب لا للحکومة العراقية ولا للمرجعيات الشيعية العراقية مثل آية الله العظمی علي السيستاني، بل تعتبر أن قائدها الأعلی المرشد الأعلی في إيران علي خامنئي. أيضا يشرح عدنان، الذي يشدِّد، في الوقت نفسه، علی ضرورة التفريق بين الجماعات الموالية کليًا لإيران والجماعات الأکثر قومية، مثل «سرايا السلام»، والمتطوعين الذين لبّوا نداء آية الله السيستاني؛ أهم مرجعية شيعية في العراق، عندما أصبح واضحا أن تنظيم «داعش» بات تهديدًا وجوديًا للحکومة العراقية الخاضعة للهيمنة الشيعية. ولقد لجأ آية الله السيستاني حينئذٍ لإصدار فتوی دينية تدعو جميع الرجال القادرين علی العمل لحمل السلاح للدفاع عن الدولة.


أما اليوم، وبعد سنوات من الإهمال، فيواجه المجتمع الدولي بشکل عام والحکومة العراقية بشکل خاص، مهمة قد تبدو مستحيلة، تتجسّد في تهدئة الوضع وإعادة توحيد البلاد التي انهارت فيها مقوّمات الدولة الصلبة القوية؛ إذ غدا تنظيم «داعش»، کما الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، من اللاعبين الأساسيين الذين يهدّدون بشکل جدي مستقبل العراق. مع هذا، کما يقول منصور، «عندما تحدثت في الآونة الأخيرة مع رئيس الوزراء حيدر العبادي، قال لي إنه يعرف جيدًا أن العملية الديمقراطية کفيلة بوضع حد لهذه الميليشيات».


اليوم يسير العراق بخطی کبيرة، ويومًا بعد يوم، علی المسار الذي فرض علی لبنان، حيث يهيمن «وکيل إيران اللبناني» (حزب الله) علی الحياة السياسية في البلاد. والفارق الوحيد بين وضعي البلدين أنه مع موارد العراق الشاسعة، تبقی الميليشيات العراقية متعددة وبالطبع أغنی بکثير من نسخة «حزب الله» اللبناني، الذي تحوّل إلی منظمة إقليمية تقود، کما يُقال، العمليات في سوريا المجاورة.


أمر آخر جدير بالاهتمام، هو أن هذا التهديد الذي تشکله الميليشيات الشيعية لا يخلو من الخطر علی سياسة الولايات المتحدة. ولذا يری عدنان أن علی الولايات المتحدة أن تعتمد نهجًا واضحًا ومتماسکًا إزاء هذه المسألة. فاليوم الذي يُطرد فيه تنظيم «داعش» من العراق هو اليوم نفسه الذي سيشهد صراعًا دمويًا آخر نظرًا إلی ميل هذه الميليشيات إلی التطهير العرقي وعمليات الإعدام الطائفية الجماعية، مما يعني دخول البلاد في نفق مظلم آخر من الصراعات الطائفية التي لا نهاية له. وبعد وضع حد لتنظيم «داعش»، من الأرجح أن تستمر الميليشيات الشيعية بما تقوم به حاليًا، أي أنه سينشأ «حزب الله» جديد بنسخة عراقية مستقبلاً، وفق عدنان.


بناءً علی ما سبق، لا بد من التوصل إلی حل سريع قبل الهجوم المرتقب علی الموصل خلال الربيع أو الصيف القادمين. وهو حل من الضروري أن تسبقه إجراءات تعيد ثقة زعماء القبائل السنّيّة بالحکومة العراقية لضمان تعاونهم معها.


ويختتم منصور کلامه بالقول: «أخيرا تبقی الخطوة المهمة المتعلقة في إنشاء حرس وطني، يُکلف معه المواطنون المحليون بأمن مدنهم (أي حرس سنّة في المناطق السنّيّة وحرس شيعة في المناطق الشيعية)، علما أن الحکومة العراقية وافقت علی هذا القانون الذي ما زال من المنتظر أن يصوت عليه البرلمان، وهذا أمر لا بد أن يحدث قبل الهجوم المرتقب علی الموصل»

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.