مقالات

حيث شعوره بالذعر والقلق المتزايد خلال الفترة المقبلة.خطر إيران “المذعورة”

 


ايلاف
19/6/2015


 


بقلم: سالم الکتبي



 الشواهد جميعها علی المستوی الاقليمي، تشير إلی تراجع بل انهيار الأحلام التوسعية الايرانية في دول ومناطق عدة من الاقليم، ففي سوريا کاد الجنرال قاسم سليماني أن يقود بنفسه الحرب الدائرة حول مدن مفصلية وحاسمة بالنسبة لسيطرة النظام السوري وبقائه في الحکم، وحاول رفع معنويات عناصره ولکنه فشل وتوالت الأنباء علی عکس ما بشر به سليماني، الذي ظل يصور نفسه باعتباره رجلا خارقا للمألوف عسکريا، فيما أثبتت الأحداث أنه لايجيد سوی الاستعراض الکلامي والخطابي.
وفي اليمن لم تحقق إيران أي انجازات تذکر بعد أن فقد أتباعها من جماعة الحوثي  والرئيس السابق علي عبد الله صالح فرص السيطرة علی الدولة اليمنية وتعرضوا لخسائر فادحة علی المستويين البشري والمادي تحت وطأة الضربات المستمرة لتحالف دعم الشرعية الدستورية في اليمن.ولا ننسی ان حزب الله اللبناني قد وضع نفسه طرفا مباشرا في الصراع الدائر في سوريا، وتعرض هو الآخر لخسائر فادحة، ولم يعد يهدف سوی إلی حماية مصالحه وتفادي أي ضربات جديدة وسقطت الهالة الاعلامية والدعائية التي رسمها حول نفسه منذ ان صمد في مواجهة الضربات الجوية الاسرائيلية في لبنان، في حين أخفقت ميلشيات الحزب اخفاقا ذريعا في خوض حرب من الطراز ذاته، أي مواجهة عناصر قتالية مماثلة في حرب غير تقليدية.


علی صعيد مفاوضات الملف النووي، تتفاقم الخلافات بين إيران ومجموعة “5+1″حيث تبدو الهوة واسعة بين الجانبين، خصوصا بعد رفض الرئيس الإيراني حسن روحاني الشروط الخاصةبتفتيش مواقع عسکريةکشرط لتوقيع اتفاق مع الغرب بشأن برنامج بلاده النووي؛معتبراً أن ذلک من شأنه تسريب أسرار إيران العسکرية إلی الخارج، وتحدث روحاني عن وجود خلافات أخری قائمة حول تفاصيل الاتفاق النووي، وفاتحا الباب أمام احتمالية تمديد سقف توقيع الاتفاق المرتقب في الثلاثين من يونيو الجاري، إذ قال روحاني “لسناأسری للوقت.. لسنافي عجلة، لکننا نحاول استغلال الفرصة للتوصل إلی اتفاق جيد”.


المزاج العام في إيران يميل إلی تمديد المفاوضات ليس فقط لرفض شروط المجموعة الدولية، ولکن لأن الواقع الاقليمي انقلب ضد إيران ولم تعد تمتلک وضعا استراتيجيا قويا يتيح لها مقايضته بمکاسب تفاوضية، ويمکن ملاحظة هذا التوجه في تصريحات مسؤولين إيرانيين عديدين منهم عباس عراقجي،مساعد وزير الخارجية الإيراني، وعضو وفد المفاوضات النووية، الذي قال أن المفاوضات بشأن الملف النووي لبلاده يمکن أن تمتد إلی مابعد الموعد المحدد لانتهائها. فروحاني الذي يرفض السماح بتفتيش منشآت إيران العسکرية وسقوط “أسرار الدولة” بين يدي الوکالة الدولية للطاقة الذرية، لم يکن أقل تشددا من المرشد الإيراني الأعلی علي خامنئي، الذي بدا أکثر تشدداً، حينماأشارإلی أن بلاده لن تقبل ماوصفه بالطلبات غير المعقولة من جانب القوی الدولية، رافضا وجود أي رقابة غير عادية علی الأنشطة النووية.


هذا هو الواقع الاستراتيجي الذي يحاصر الدولة الايرانية ويضفي عليها قدرا ملموسا من الذعر والانفعالية والتسرع، ما يغذي التوقعات بأن إيران قد ترتکب حماقات استراتيجية تحت ضغط انهيار خططها وطموحاتها التوسعية الاقليمية، وأخطر مافي الأمر أن الشيعة الذين تعتمد عليهم طهران تقليديا باتوا غير قادرين علی حسم الصراعات لمصلحة إيران، مادفع الأخيرة إلی توسيع دائرة التدويل في هذه الصراعات وجلب شيعة أفغان وباکستانيين للقتال في سوريا.


الثابت أن طهران قد استنزفت قدرا هائلا من دخلها ومواردها المالية في دعم وکلائها واتباعها والموالين لها في اليمن وسوريا والعراق وغيرها، ولم تعد قادرة علی التراجع او التخلي عن طموحاتها، مايفتح الباب واسعا امام استمرار الصراعات ونزيف الدم في تلک الدول والمناطق.


الذعر الايراني من الاحساس بوطأة نزيف الخسائر الاستراتيجية قد يغذي ميل طهران إلی المغامرة بتوسيع دائرة الصراعات العسکرية القائمة، أو فتح بؤر صراع جديدة مع جيرانها، والأرجح أن يکون العراق هو الضحية الأکبر لإيران، ليس لشیء سوی لأن النفوذ الايراني في العراق هو الأکثر وجوداً وقابلية للتوسع والانتشار، وبالتالي يمکن لإيران أن تسعی إلی تعويض خسائرها الاستراتيجية في سوريا واليمن عبر تعزيز نفوذها في العراق، ولکن هذا لا يعني بالضرورة قبول طهران بانحسار نفوذها في اليمن وسوريا، بل إن طهران ستتمسک بقوة بدور المشاغب في هاتين الدولتين، بحيث تلعب دور المشاغب لإرباک حسابات القوی المنافسة ومحاولة حرمانها من ترتيب الأوضاع الداخلية في هذين البلدين.


الشواهد جميعها تؤکد أن إيران لن تستسلم بسهولة لفکرة تحجيم دورها ونفوذها الاقليمي لسبب بسيط أن النظام منذ الثورة عام 1979 وهو يقتات علی فکرة التدخلات الخارجية وتصدير الأزمات والانخراط في حروب وصراعات وإشاعة أجواء من الخوف والقلق في المحيط الاقليمي، ومن ثم فإن تعايش إيران کبلد طبيعي فکرة لم تجرب بعد من ثلاثة عقود او أکثر، وبالتالي فهي بمثابة شبح بالنسبة للنظام الحالي في طهران، ويصعب عليه الاستسلام لها والقبول بها، وهو يدرک تماما أن أي هدوء داخلي وخارجي سيرافقه بالضرورة تبعات من بينها مواجهة استحقاقات داخلية مثل خطط التنمية وتوظيف موارد الدولة الايرانية لمصلحة الشعب، وتلک مسألة ليست ضمن الفکر السياسي الأيديولوجي لهذا النظام القائم علی المذهبية ونشر الفکر الشيعي وتصدير الثورة وغير ذلک من مفاهيم لا تتعايش مع المناخ الطبيعي للدول.


تراجع النفوذ الايراني يعني أيضا انهيار الصورة النمطية التي يحرص النظام علی ترويجها من عقود مضت، وبالتالي فقدان مؤيديه وأتباعه في دول عدة، وهي مسألة مرتبطة بالمکانة والنفوذ العقائدي والروحي للنظام الذي يروج لنفسه باعتباره حامي الشيعة في العالم، ويکتسب من وراء ذلک قدرا من المکانة في نفوس الملايين من الشيعة، ومن ثم فإن فشله في تحقيق خططه يعني بالتبعية سقوط هيبته وانهيار صورته النمطية، وهي في مجملها عوامل ومعطيات حيوية تغذي الفکرة المرجحة لتهور النظام الايراني جراء شعوره بالذعر والقلق المتزايد خلال الفترة المقبلة.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى