مقالات

صانع أمل في مخيم ليبرتي

 


 


 


الحياة
7/10/2014


 



من المستحيل أن تری ناظمي بلا ابتسامة علی شفتيه، وقد لا تجد مؤشراً أو ما يعبر عن صعوبة أو معاناة أو آلام في ضحکاته. معنوياته عالية. يصنعها بنفسه وينشرها. وقد لا تظن في أول لقاء لک به أنه يعاني من أي مشکلة علی الإطلاق علی رغم الآلام التي يخفيها وراء ابتسامته المريحة للنفس.
ناظمي هو أحد سکان مخيم «ليبرتي» الواقع قرب مطار بغداد الدولي، وهو يعاني من آلام السرطان المميتة منذ ثلاث سنوات. بلهجة هادئة رصينة يقول لک إن هناک حصاراً طبياً ودوائياً جائراً وغير إنساني تفرضه الحکومة العراقية علی مخيم «ليبرتي» الذي يواجه سکانه وبشکل يومي مشاکل عدة وعمليات عرقلة ممنهجة. فالسلطات العراقية لا تسمح لسکانه بالذهاب إلا إلی مستشفی واحد. وتتعمد أيقاف المرضی عند مدخل المخيم لمدة ثلاث ساعات في حر الصيف، وتبقي ناظمي المريض بالسرطان وآخرين من المرضي محبوسين في سيارة الإسعاف في ظل جو العراق الحار جداً، ما يُعتبر تعذيباً، بالنسبة إلی المرضی، ومعاناة فوق معاناتهم.
وعلی رغم أن ناظمي يتحدث عن المشاکل والآلام بصبر، من منطلق إيمان عميق. وعلی رغم هذا کله يمکنک أن تری الأمل وصورة انتصار النور علی الظلام في کلامه. فيقول إننا مقبلون علی قتال وتحد عظيمين ضد القوی الظلامية، وشروق الشمس آت لا محالة.
وفي ما يتعلق بمشاکله ومشاکل أصدقائه المصابين بالسرطان يضيف ناظمي: لا يتجاوز عدد المرضی المسموح لهم بالذهاب إلی المستشفيات الحکومية عن 3 إلی 5 مرضی وذلک تحت رقابة مشددة من قبل الشرطة والاستخبارات، بينما الفرصة المتاحة للمرضی في مراجعاتهم الطبية لا تتجاوز ساعتين أو ثلاث ساعات فقط. وغالباً ما يجبرونهم علی الرجوع إلی المخيم والطبيب في منتصف الفحص أو التحليل أو العلاج. ويتعرض المرضی والمترجمون والممرضون المرافقون معهم، عموماً، لمعاملة قاسية مشينة وتهديدات وسلوکيات مستفزة من قبل عناصر الاستخبارات الحکوميين. وفي مرات کثيرة تتدهور الحال الصحية للمرضی بفعل المعاملات اللا إنسانية المتعمدة.
في عام 2010 عندما ذهب ناظمي إلی الطبيب ليأخذ منه نتائج التحاليل الطبية کان الطبيب يسعی إلی إخفاء النتائج بقلق، غير أنه عندما رأی الصمود والحيوية علی ملامح وجه ناظمي تجرأ وقرر أن يطرح الموضوع له. وبعد تمهيد ملخص قال الطبيب لناظمي إنک مصاب بمرض السرطان، فرد ناظمي بعد لحظات قليلة وبوجه منفتح راض قائلاً: الشکر لله سبحانه أن استطعت القيام من أجل حرية شعبي حتی الآن ومن هذه اللحظة فصاعداً سأقاوم المرض ولا بأس.
ناظمي أحد سکان مخيم ليبرتي، المکان المصغر الذي لا تتجاوز مساحته نصف کيلومتر مربع، والذي تم نقل أعضاء منظمة «مجاهدين خلق» المعارضين الرئيسين للنظام الاستبدادي الحاکم في إيران قسراً إليه، من مخيم «أشرف»، وذلک من قبل الأمم المتحدة والولايات المتحدة والحکومة العراقية وتحت ضغوط طهران، وهو «مکان» يفتقر إلی أدنی مقومات الحياة اللائقة بالبشر، علی عکس المعلومات التي طرحوها حول أهلية الموقع للسکن والحياة قبل عملية النقل.
أخيراً وبعد مرور ستة أشهر من إبلاغه بالإصابة بالسرطان جاء موعد ناظمي للذهاب إلی المستشفی ليعالجه طبيب اختصاصي، لکنه خاطب أصدقاءه المصابين بالسرطان وقال لهم الآن دورکم وأنا لن أذهب إلا بعدکم، لکنهم رفضوا ذلک. في ذلک اليوم کان ناظمي يحس بأنه مقبل علی يوم مليء بالأمل. ويقول: «في ذلک اليوم جعلوني ومعي عدد من المرضی ننتظر حتی الظهر عند مدخل المخيم في الحر الشديد وفي حال صحية متدهورة، من دون أي مبررات وبشکل متعمد. وحقاً لا يمکن تعذيب شخص مريض بأسوأ من ذلک، فتألم لأوجاع رفاقه المرضی وخاطب أحد الضباط الواقفين عند البوابة قائلاً: ألستم مسلمين؟ وهل تعلمون أنه جاء في المصحف الشريف إن حياة کل إنسان لها قيمة تضاهي حياة کل البشر جميعاً. وذکر الآية الکريمة: (مِنْ أَجْلِ ذَلِکَ کَتَبْنَا عَلَی بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَل نفسًا بغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَکَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَکَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ کَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِکَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ المائدة. أهذا إسلامکم أن تمارسوا کل هذا الإيذاء والتعذيب علی مصاب بالسرطان!؟ لکنه لم يجد أمامه سوی جدار ثقيل من الظلم والقساوة خال من الروح البشرية وحتی من ظل الإنسانية.
أخيراً استطاع ناظمي ذلک اليوم وبعد معاناة، من الوصول إلی المستشفی علی رغم المشاکل کلها غير أنه وصل في نهاية وقت الدوام فاعتذر له الطبيب الاختصاصي وأرجأ الموعد إلی يوم آخر، وهذه المرة لم تکن الابتسامة علی شفتيه لأنه رأی ضحکة صفراء علی وجه العنصر الاستخباراتي الذي کان يرافقه.
سألته ذات يوم عن نتيجة مراجعته للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين فأجابني إن الصمت واللا مبالاة تجاه کل هذه الآلام والمحن يؤلمني أکثر من تعذيب البقاء مريضاً محبوساً في سيارة الإسعاف في الحر. ويأتي هذا الصمت واللا مبالاة، فيما تنص قوانينهم، بحسب قرار المحکمة الجنائية في روما 1998،علی أن أية إجراءات متعمدة لإيذاء وتعذيب المدنيين بحرمانهم من حوائجهم الضرورية للبقاء علی قيد الحياة تُعتبر جريمة حرب. لکنني أری أيضاً أن وقوف هذه المفوضية مکتوفة اليدين من دون أدنی أهتمام تجاه کل هذا يُعتبر جريمة أيضاً ترتقي إلی جريمة حرب.
ناظمي، بإيمانه العميق وصبره وبثقته بالنفس، أصبح رمزاً لسائر المرضی المصابين بالسرطان، يستمدون منه دروساً في الاستقامة والأمل. فهو يقول لهم: أنني أتحمل الألم والمشاکل ولن استسلم لها أبداً، ومثل هذه الرؤية تجعلني أکثر قدرة وطاقة في مواجهة السرطان.
ناظمي صانع الأمل.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.