أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي (الحلقة الثالثة)

نعرف أن المتحدثين باسم التطرف يستخدمون في بياناتهم وخطاباتهم الإعلامية والمهيجة مختلف التعبيرات والمصطلحات التي ليست بشکل عام إلا ترجمات مختلفة ومتنوعة للقاعدتين اللتين ذکرناهما سابقًا الأول هو الإيمان بالتطبيق القسري والإجباري لما يسمی بأحکام الشريعة والثاني إقامة نظام حکم لتطبيق هذه الأحکام. هو تطبيق هذه المبادئ ضمن نظام حکم وتحويلهما إلی الکلام والشعارات الدافعة والمحفزة لاستقطاب وتقوية مخاطبيهم وقواهم.
فعلی سبيل المثال عند ما يشکون من صنوف الظلم والجور والاعتداء ويهاجمون بعض القوی والسلطات المحلية أو الأجنبية بأنها هي السبب والمسؤولة عن هذا الظلم والجور، فيکفي أن نتساءل إذًا فما ذلک العدل والبرّ والإحسان الذي يدعون الناس إليه ليحل محل الظلم والجور؟ وأين يوجد؟ وهنا وردًا علی هذا التساؤل يتضح أن المقصود الحقيقي في عقلية التطرف وبيت قصيدها هو الحقوق والقوانين المدونة في «الفقه» والتي مشحونة بأفکار وعقلية «معاداة المرأة» وإضفاء الطابع الرسمي لصنوف استغلال الإنسان وحتی الاسترقاق والعبودية وکذلک العقوبات المعمول بها في القرون والعصور العتيقة قبل ظهور الإسلام وقرارات وأحکام أخری من هذا القبيل. وهکذا عند ما يصرخون ويعربدون بإلقاء اللائمة علی البزخ والترف وعدم العفاف ويتشدقون بالغيرة والدفاع عن کرامة المرأة المسلمة و«احتشامها» لا يقصدون إلا العودة إلی قوانين قمع المرأة وإعادتها إلی المطبخ وفقًا لـ «الشريعة» لا يقصدون إلا العودة إلی قوانين قمع المرأة وإعادتها إلی المطبخ وفقًا لـ «الشريعة» ذاتها التي نطالعها في الکتب الفقهية بکل تفاصيلها وموضوعاتها وتصنيفاتها وتبويباتها المدونة.
وعلی هذا السياق، عندما يريدون الترويج والدعاية لـ «الحکومة الإسلامية» المنشودة والمرجوة لديهم مع أنهم يطرحون فضائل خلفاء عدة في أوائل تاريخ الإسلام بما فيها أسلوب الإمام علي (ع) في الحکم ومواقفه أو – کحد أقصی – أساليب کل من الخلفاء الراشدين الأربعة ويستندون إليها کأمثلة يحتذی بها، خاصة أنهم يؤکدون علی عمر الخليفة الثاني من الخلفاء الراشدين والذي کان عهده يتسم بکثرة عرض القوة والفتوح وتوفر الثروة، ولکن عندما يواجهون السؤال في أي إطار وعلی أية مبادئ وقوانين سيعمل عمر أو علي المفترض الذي سوف توصلونه إلی السلطة؟ فردهم الوحيد: أنهم سيطبقون «الشريعة» و«الأحکام الفقهية» التي تقدم ذکرها.
إن القراء الذين لهم معرفة علی مؤلفات وأدبيات التطرف الإسلامي يعلمون أن دراسة النماذج والأمثلة الخاصة لهذا الأسلوب أي کون المتطرفين الإسلاميين يستخدمون العبارات المحبذة والصائبة التي تحمل جوانب من الحقيقة أحيانًا ستکون دراسة موسعة ومفصّلة ومن ثمّ خارجة عن حوزة دراستنا الحالية. إلا أننا قدمنا الإيضاح الموجز المذکور للفت الانتباه إلی أن القاعدة الرئيسية والدعامة في عقلية التطرف ليست الشعارات التي يطلقونها وإنما هي بديلهم المنشود أي «الشريعة» و«الفقه» الأمر الذي لم يکد حتی أنفسهم يقومون بالتکتم والتعتيم عليه بل لا يقدرون علی ذلک. وتلک هي مجموعة الأحکام المسماة بـ «الشريعة» التي وبخلاف ادعائهم لا تتضمن القيم والأهداف الإسلامية بقدر ما ترسم صورة کاريکاتيرية وناقصة ومشوهة جدًا للإسلام ومنسوبة إليه زورًا وبهتانًا مع أنها تحمل أجزاءً وعناصر من ماضي الإسلام وتاريخه.
موضوع قبل دراسة الإستراتيجية
حاليًا يطرح هنا سؤال: من وجهة نظر الجماعات المتطرفة المذکورة ما هي الإستراتيجية والحلول التي تتطلبها إقامة هکذا حکومة للشريعة وهکذا سلطة سياسية متطرفة في العصر الحاضر؟ ففي ظل الرد علی هذا السؤال سنکشف أسباب ودوافع وطبيعة لجوء المتطرفين ومبتغي هکذا سلطة إلی هذا الحجم من الإرهاب وأعمال القتل الجماعي وارتکاب کل هذه الجرائم سواء أکانوا علی السلطة أم في سبيل الحصول عليها وينفذون ذلک فعلاً تحت مسميات ومبررات «الفرائض الشرعية».
ولکن الأحری هو أن نتطرق إلی أسباب التأييد الواسع في هذا العصر لآراء وأفکار التطرف الإسلامي الملخصة في فقرتي «أ» و«ب» وکون هذه الأفکار والآراء قد اجتذبت واستقطبت أعدادًا کبيرة من الناس المستعدين حول أقطاب التطرف الإسلامي الإرهابي حتی يتم تجنيدهم فعلاً لتنفيذ العمليات الإرهابية بعد اجتيازهم المراحل اللازمة.
الموجة الجديدة والواسعة الحالية
بتعبير أوضح يعرف جميع المطلعين أن تلک الأفکار والرغبات التي تلخصت في فقرتي «أ» و«ب» کانت رائجة ومتداولة منذ القدم في المدارس والأوساط الدينية، نعم وبرغم أنه لم تکن هناک قط عقيدة غالبة أو ذات نفوذ وتأييد واسعين ولکن کان ولا يزال هناک دومًا أشخاص متعطشون للسلطة السياسية تحت يافطة «الخليفة» أو «ولي الأمر» وأمثال ذلک وکانوا يلجأون إلی استدلالات وإبداع مصطلحات محددة لإثبات کون ذلک الاتجاه صائبًا الأمر الذي کان ولا يزال رائجًا ومستمرًا علی مرّ الزمن في أوساط الشيعة والسنة تحت مسميات وواجهات مختلفة. وفي الحقيقة إن طائفتين فقط من علماء الإسلام الذين لا يترددون في أصالة «أحکام الشريعة» ويعتبرون ذات الأحکام القديمة التي تم استخلاصها وتدوينها في الکتب والدراسات الفقهية أحکامًا ناجمة عن أوامر الله سبحانه وتعالی، لا تحملان الرغبة المذکورة أي الرغبة في إنشاء نظام «الخلافة» أو «الولاية»، وهما:
الأولی: رافضو الإکراه والإجبار الذين ليسوا کثيرين. إنهم يرفضون الإجبار والإکراه في أداء الفرائض والشعائر الدينية ويعتبرون الإجبار والإکراه في ذلک يناقض الدين وروح الشريعة الإسلامية السمحاء مستندين في ذلک إلی الآية الکريمة: «لا إکراه في الدين قد تبين الرشد من الغيّ» (سورة البقرة – الآية 256). إنهم يفسّرون الآية الکريمة بأنه سواء کان الدين يمسک بالسلطة السياسية أم لا فإن أحکام الدين من العبادات أو غيرها ليست مقبولة وصحيحة من الناحية الدينية إلا أن يؤديه أو يقيمه المسلم باختياره وإرادته الحرة.
الثانية: المحافظون الذين هم أکثر عددًا مقتنعون بأن: نتائج ومضاعفات الاستحواذ علی السلطة بهدف الإکراه في الشريعة تضر الدين والمتدينين بحيث لا يجوز العمل علی هکذا استحواذ علی السلطة بل يجب تجنبه شريط التحفظ عليه. علمًا بأن هذه المجموعة (الطائفة) من العلماء ليست متماسکة بل انقسمت علی نفسها في إقامة العلاقة مع الحکومات باختيارات مختلفة ومتعددة لا مجال لبحثها هنا.
علمًا بأنه وإضافة إلی هاتين الطائفتين من العلماء اللتين تدافعان عن أصالة أحکام الشريعة هناک طائفة أخری من العلماء منذ بداية التاريخ الإسلامي واليوم منتشرة علی نطاق واسع ولها منجزات ونجاحات ملحوظة. هذه الطائفة الثالثة تقول بأن أحکام الشريعة الفقهية ليست کلاً دائميًا لا يتجزأ فما بالک بالإجبار والإلزام والقسر الذي هو مرفوض أصلاً من وجهة نظر الإسلام.
حاليًا وبعد الإشارة إلی تشعبات وصنوف الاتجاهات الإسلامية في إطار الشريعة وخارجها وخارج الفقه الشائع نعود إلی السؤال المطروح وأنه لماذا کل هذا التأييد الواسع للآراء الملخصة في فقرتي «أ» و«ب» في هذه الحقبة التاريخية ولماذا تسببت هذه الآراء والأفکار في ظهور جماعات إسلامية إرهابية متطرفة وانتشارها علی نطاق واسع بحيث أصبحت تثير مخاوف العالم کله بشکل عام وقلق المسلمين بوجه خاص.
القدوة الناجحة والملهمة
الجواب وبالإيجاز أنه وخلال ربع القرن الأخير أي بعد ظهور نظام الحکم القائم حاليًا في إيران کان التطرف الإسلامي الإرهابي ولا يزال يظن ويعتقد أن أمامه في الحقبة الحالية فرصة للنجاح بخلاف السابق لأنه وفي الوقت الحاضر وفي إيران البلد الواسع الذي له تاريخ عريق وثريّ ورائد في الحرکات الاجتماعية قد ظهر أخيرًا نموذج مثالي من التطرف ناجحًا في أواخر القرن العشرين وانتقل إلی القرن الحادي والعشرين ومثبتًا أن إقامة نظام الحکم الإسلامي المتطرف ممکن فعلاً وسهل التحقيق وأن ما کان أصحاب الاتجاه الثاني (المحافظون) يخشونه أمر غير وارد.
خاصة أن المتطرفين يرون أن نظام «الحکم الشرعي» القائم في إيران يعتبر أطول دولة زمانًا في المنطقة وفي جميع الدول الإسلامية بعد ربع قرن من جهة وتتمتع بدعم العديد من القوی العظمی العالمية التي تنتهج سياسة المساومة والاسترضاء حيال هذا النظام حيث يتم تجاهل العمليات الإرهابية الکثيرة التي نفذها وينفذها هذا النظام بما في ذلک داخل أراضي القوی المذکورة وإنشاء أنظمة وشبکات واسعة وعلنية وناشطة لترويج ونشر وتصدير الإرهاب إلی کل أرجاء العالم بمخصصات مالية من الميزانية الحکومية الإيرانية في تحرکات ومشاريع لا تخفی علی سلطات القوی العظمی المذکورة.
الأنموذج الأصيل المثالي والثابت الوحيد
من تعقيدات الانطباعات والقراءات الانحرافية والمعوجة عن التطرف الإرهابي هو موضوع «الأنموذج والمثال الحکومي» الذي کان التطرف يفتقر إليه قبل وصول الاستبداد الديني إلی السلطة في إيران ولکنه أصبح يحظی حاليًا بهذا الأنموذج المثالي ويستلهم منه، أي أنه وبمنأی عن اللعب بالألفاظ والمصطلحات في تعريف التطرف وخلط الأوراق وتناسي الاختلاف بين هذا الموضوع وبين التيارات والکيانات المتخلفة والمتحجرة المسيحية واليهودية وأمثالهما بأنها هي التطرف. فهکذا في دراسة «التطرف الإسلامي» نفسه هناک مغالطتان وعمليتان لخلط الأوراق والتشويش علی عملية الاستنتاج. ومن هذا المنطلق ارتکب کثيرون ومازالوا يرتکبون أخطاء متعمدين أو غير متعمدين في کلامهم أو في کتاباتهم تصب في خدمة نظام الحکم القائم في إيران:
الأول: خلط الأوراق أو تجاهل الاختلاف بين النموذج أو المثال الحکومي المتطرف الإسلامي الإرهابي الوحيد الموجود حاليًا وبين هذه الجماعة والفئة والشخصية أو تلک.
الثاني: المغالطة والمواهلة بوصف عدد من الأنظمة المدعية أنها «حکومة إسلامية» بأنها نظائر التطرف الحاکم في إيران.
إن هؤلاء يرتکبون هذا الخطأ والانحراف والاعوجاج وقلب الواقع في الوقت الذي تثبت فيه حتی المقارنة بين تاريخ ظهور هذا الأنموذج مع بديلاته غير الحقيقية خطأ هذه المغالطة والمواهلة.
———————————————————
1- علی امتداد کبار أصحاب النبي (ص) خاصة الإمام علي (ع) فإن مجاهدي الشعب الإيراني هم أکبر وأبرز کيان يرفض الجزمية الفقهية والإجبار الديني. فيمکن مطالعة ودراسة مبادئ منظمة مجاهدي الشعب الإيراني في هذا المجال في کتاب «موقفان متناقضان تمامًا من الإسلام» الذي يشرح تطورية القرآن الکريم من منظور منظمة مجاهدي الشعب الإيراني.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.