خامنئي و «بيت العنکبوت»

الحياة اللندنيه
18/7/2016
18/7/2016
بقلم: راشد صالح العريمي
من بين کل 12 شخصاً تقريباً في إيران يوجد شخص مدمن علی المخدرات، وفقاً لما نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز» البريطانية،
في تقرير لها في أيار (مايو) 2015، إذ يبلغ عدد المدمنين ستة ملايين شخص. ومثل هذا الإحصاء يمکن له، مبدئياً، أن يقدِّم تصوراً عن أوضاع إيران في الوقت الحالي، فانتشار المخدرات في هذا الشکل الوبائي يشير إلی أن ثمة أزمة عميقة تضرب المجتمع کله، وتقود أفراده إلی البحث عن طريق للهرب من الواقع بفعل قسوته ومرارته، وفقدان الأمل في المستقبل، الذي يبدو محفوفاً بالمخاوف، ومن ثمَّ يکون تغييب العقل حلاً ملائماً للتکيف مع مشاعر الإحباط والعجز، وبخاصة لمن هم في مرحلة الشباب.
في تقرير لها في أيار (مايو) 2015، إذ يبلغ عدد المدمنين ستة ملايين شخص. ومثل هذا الإحصاء يمکن له، مبدئياً، أن يقدِّم تصوراً عن أوضاع إيران في الوقت الحالي، فانتشار المخدرات في هذا الشکل الوبائي يشير إلی أن ثمة أزمة عميقة تضرب المجتمع کله، وتقود أفراده إلی البحث عن طريق للهرب من الواقع بفعل قسوته ومرارته، وفقدان الأمل في المستقبل، الذي يبدو محفوفاً بالمخاوف، ومن ثمَّ يکون تغييب العقل حلاً ملائماً للتکيف مع مشاعر الإحباط والعجز، وبخاصة لمن هم في مرحلة الشباب.
إدمان المخدرات هو مجرد علامة ذات دلالة علی هشاشة الداخل الإيراني ومشکلاته المتفاقمة بفعل السياسات التي اتبعتها إيران منذ عقود. ويمکن مثلاً الإشارة إلی أن إيران واحدة من أکثر دول العالم فساداً، وفق مؤشر الفساد الذي أصدرته مؤسسة الشفافية العالمية في العام 2015، فقد جاءت في المرتبة 130 بين 168 دولة تضمنها التقرير. ويعتمد هذا التقرير علی بيانات تجمعها المؤسسة من 12 هيئة دولية، منها المنتدی الاقتصادي العالمي والبنک الدولي.
وفي ما يخص حقوق الإنسان، ورد في تقرير منظمة العفو الدولية 2015-2016 عن إيران ما يلي: «ظل التعذيب وغيره من ضروب سوء المعاملة ضد المعتقلين أمراً معتاداً، مع إفلات مرتکبيه من العقاب! وکانت أحوال السجون قاسية. واستمرت المحاکمات غير العادلة في بعض القضايا، ما أدی إلی صدور أحکام بالإعدام. وواجهت النساء وأفراد الأقليات العرقية والدينية تفشي التمييز في القانون وفي الممارسة العملية. نفذت السلطات عقوبات قاسية، بما في ذلک سمل العيون وبتر الأطراف والجلد».
في شوارع طهران وحدها يعيش في «الکراتين» 15 ألف مشرد، يموت کثيرون منهم برداً وجوعاً. وأعلن وزير الداخلية الإيراني عبدالرضا فضلي، أمام البرلمان الإيراني في بداية شهر حزيران (يونيو) الماضي، أن عدد سکان العشوائيات في إيران يصل إلی 11 مليون شخص. ويبلغ عدد المصابين بالإيدز، الذين اعترفوا بإصابتهم بالمرض وسجلوا أنفسهم في مراکز العلاج، 28 ألف شخص، لکن أرقام الأمم المتحدة تقدرهم بـ73 ألفاً. أما وزارة الصحة الإيرانية نفسها فهي تؤکد أن العدد الحقيقي يصل إلی نحو تسعين ألف مصاب، بمعنی أن نحو ستين ألف مصاب يعيشون بين الناس وينقلون المرض إلی غيرهم، ما يعکس غياب الثقة في المنظومة الصحية، ومدی الخطر الذي يمثله هؤلاء المرضی علی المجتمع کله.
هذه المشکلات تقدم صورة للمجتمع الإيراني من داخله، بعد عقود من حکم متخبط يفتقر إلی الرشد والحکمة، ويسيء استخدام الموارد الإيرانية الضخمة، التي يمکن أن تغير وجه الحياة في البلد المنکوب، وأن تقضي علی الفقر والبطالة والبؤس والمرض والجهل وکل المظاهر السلبية، التي تتفشی في إيران في الوقت الحالي. والمشکلات الأخلاقية المستشرية في المجتمع تکشف بجلاء زيف الادعاءات التي تروجها الحکومة عن «نموذج إسلامي» سياسي واجتماعي تدعي إيران أنها تقدمه، فمعدلات الإدمان والدعارة وتفشي العنف وارتفاع معدلات القتل والجريمة عموماً تفضح مزاعم السلطات الإيرانية، وتسيء إلی الإسلام، الذي تدعي إيران الرسمية أنها تستند إلی تعاليمه وتستلهم قيمه.
هذه المشکلات المتراکمة أشبه ببراميل بارود قابل للانفجار. ويدرک المرشد الأعلی علي خامنئي أن بيته أوهی من بيت العنکبوت، لذا يحاول، ومعه القابضون علی زمام الأمور في إيران، إخفاء حقيقة الهشاشة والضعف التي تنتشر علی کل المستويات. ومن هنا کان الرعب الذي تملّک القادة الإيرانيين مع مؤتمر المعارضة الإيرانية في باريس في 9 حزيران (يونيو) الجاري، وما أبدوه من ردود فعل متشنجة.
الدول القوية لا يهزها مؤتمر للمعارضة يُعقد في قارة أخری، ولا يکرس کل قادتها ورموزها أنفسهم لإصدار التصريحات الغاضبة أياماً متواصلة، لکن الأرض المتشققة تحت أقدامهم هي ما يقف وراء اللهجة التصعيدية التي فاقت کل الحدود. وما کانت کلمة الأمير ترکي الفيصل في المؤتمر لتثير کل هذه العواصف لو لم يکن المسؤولون الإيرانيون يعرفون أکثر من غيرهم أنهم لن يصمدوا طويلاً أمام أية حرکة منظمة تفضح ممارساتهم، وتدفع الداخل الإيراني الذي تغلي مراجله إلی الانتفاض ضد ما يتعرض له علی يد النظام الحاکم، ويطالب بحقوقه في حياة کريمة تتلاءم مع ما تمتلکه إيران من ثروات تنتظر من يوظفها لمصلحة الشعب بدلاً من إهدارها علی مذابح المطامع الإقليمية وأوهام الهيمنة والسيطرة وسراب الأيديولوجيا ومتاهات التخبط والفساد والفشل.
تدرک إيران ضعفها، ولذا فإنها تستبق هذا الضعف بإثارة المشکلات وافتعال الصدامات والصراعات والمعارک مع جوارها الإقليمي ومع القوی العالمية الکبری، لشغل الرأي العام الإيراني عن تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسويغ القمع ومصادرة الحريات وإسکات کل الأصوات المطالبة بحياة أفضل وإدارة أفضل للموارد والمقدرات، وتخفيف قبضة القمع المتستر بالدين بدعوة الاستهداف الذي تتعرض له إيران والمؤامرات التي تُحاک لإسقاطها، والأخطار التي تحدق بها من کل صوب. ولا تخرج إيران من معرکة إلا لتدخل معرکة أخری، ولا تکاد تتجاوز أزمة مع جيرانها أو مع دول أو منظمات عالمية إلا لتبدأ فصول أزمة أخری، لتُبعد الرأي العام عن قضايا الداخل ومشکلاته.
تکرس إيران کل جهودها من أجل الهيمنة علی المنطقة، وهي تستخدم العامل المذهبي والنزعة القومية في سعيها، الذي لم تتوقف عنه يوماً علی رغم أن محاولاتها باءت بالخيبة والفشل. ولم تنجح إيران إلا في شيء واحد هو تمزيق کل دولة نجحت في مد أذرعها فيها. ولکن هدف إيران الحقيقي هو دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، ولذا فإنها تشعر بأنها لم تحقق أي شيء حتی الآن. واستعراضات القوة الزائفة التي تمارسها إيران بين الحين والآخر هي محاولة بائسة لإقناع الولايات المتحدة والغرب بأنها القوة المسيطرة في المنطقة، وأنها قادرة علی إنفاذ إرادتها، ولکن الوقائع کانت تثبت دائماً أنها تخرج من مواجهاتها مع دول مجلس التعاون خاسرة، سواء علی مستوی المواجهة السياسية أم علی مستوی المواجهة العسکرية علی النحو الذي حدث في اليمن.
لقد ملأت إيران الدنيا صراخاً، واتهمت دول الخليج العربية بأنها تتدخل في شؤونها، وکأن کل ما ارتکبته من جرائم في حق دول الخليج جميعها ليس تدخلاً في شؤونها، وکأن زرع الخلايا الإرهابية وتمويل الإرهابيين وتوفير ملاذات آمنة وإثارة الفتن المذهبية وتشجيع جماعات التخريب في دول الخليج العربية وتهريب السلاح لهم ليس تدخلاً في شؤونها.
إن علی المجتمع الدولي أن يواصل دعمه المعارضة الإيرانية، التي تعبر عن صوت الإيرانيين المکبوت في الداخل وتنقل تطلعاتهم ورؤاهم إلی العالم، حتی إسقاط نظام الملالي، الذي أشعل المنطقة بالفوضی والفتن. ويجب ألا نترک للنظام الإيراني فرصة للمناورة، لأنه لا يری في أية بادرة سلمية من جانب دول الخليج العربية إلا علامة علی الضعف. ولقد آن الأوان ليدرک النظام الإيراني المتهاوي وزنه الحقيقي.







