العالم العربيمقالات
«الأسد إلی الأبد»… من دمشق وحلب إلی شارلوتسفيل

الحياة
17/8/2017
بقلم:عبدالوهاب بدرخان
17/8/2017
بقلم:عبدالوهاب بدرخان
شارک الأميرکي جيمس أليکس، مرتکب عملية الدهس ضد المتظاهرين المناوئين للعنصرية في فيرجينيا، الملايين حول العالم الذين يضعون رئيس النظام السوري بشار الأسد الی جانب أدولف هتلر وغيره من خانة الطغاة الدمويين، لکن هذا الأميرکي النازي الجديد يستلهم هؤلاء الطغاة ويُشهر إعجابه بهم،
تماماً کمواطنه ديفيد ديوک القائد السابق لحرکة «کلو کلوکس کلان» المدافعة عن «تفوّق البيض» الذي کتب في تغريدة: «الأسد يحلّ مشاکل – الموت لداعش وجميع داعميه. هل من مشکلة لأميرکا في ذلک؟»… قد لا تکون لأميرکا مشکلة مع «الموت لداعش» لکن يتبيّن أن لديها بالتأکيد مشکلة مع «داعميه» أو بالأحری صانعيه، لأن «دواعش» شارلوتسفيل البيض بدوا أکثر شفافية من «دواعش» الرقة ودير الزور في إظهار مَن يلهمهم. وکما لو أن المصائب تستدرج المصطلحات نفسها في أي مکان، فإن حاکم ولاية فيرجينيا اعتبر النازيين الجدد «دخلاء» وخاطبهم بقوله: «لا مکان لکم هنا. لا مکان لکم في أميرکا». وفي ذلک تذکير بموقف أميرکي متکرر مفاده بأن «لا مکان للأسد ولا لعائلته في مستقبل سورية».
غداة الاضطرابات والمواجهات في الشارع بين أميرکيين وأميرکيين، کان الوسط السياسي مجمعاً علی أن ردّ فعل دونالد ترامب لم يکن بمستوی خطورة الحدث. دُعي الی «تسمية الشرّ شرّاً»، وقيل له: «هؤلاء عنصريون بيض وهذا إرهاب داخلي» (السناتور الجمهوري کوري غاردنر)، وقيل أيضاً إننا «لم نحارب هتلر لکي ترتع الأفکار النازية هنا في الوطن من دون أن يتصدّی لها أحد». لکن الأمر بالنسبة الی ترامب، الذي ساوی بين العنصريين والمحتجّين ضدّهم، يُختصَر بأن لهؤلاء القوميين والعنصريين البيض فضلاً في انتخابه رئيساً وأنهم قاعدته
الشعبية الصلبة التي تتململ من التلکؤ في تنفيذ السياسات المتطرّفة التي حدّدها خلال حملته، حتی أن تداولها هاشتاغ (#ترامبروسيا) يبطن إعجاباً بفلاديمير بوتين بمقدار ما يستنکر التحقيقات التي تکبّل ترامب وتعوّق انطلاقته. ولعل الترويج لصورة الأسد باللباس العسکري مع التعليق «الذي لا يُهزَم» يشير الی «القدوة» المبتغاة التي کان ترامب جنّبها أي انتقاد خلال حملته، لکنها تتناقض کلّياً مع الأوصاف المقذعة (ومنها «هذا حيوان») التي استخدمها ترامب لاحقاً في الحديث عن رئيس النظام السوري غداة الهجوم الکيماوي علی خان شيخون. ربما تنبهه قاعدته الآن الی أن الأسد (أو بوتين، أو علي خامنئي) فعل ما يلزم!
الشعبية الصلبة التي تتململ من التلکؤ في تنفيذ السياسات المتطرّفة التي حدّدها خلال حملته، حتی أن تداولها هاشتاغ (#ترامبروسيا) يبطن إعجاباً بفلاديمير بوتين بمقدار ما يستنکر التحقيقات التي تکبّل ترامب وتعوّق انطلاقته. ولعل الترويج لصورة الأسد باللباس العسکري مع التعليق «الذي لا يُهزَم» يشير الی «القدوة» المبتغاة التي کان ترامب جنّبها أي انتقاد خلال حملته، لکنها تتناقض کلّياً مع الأوصاف المقذعة (ومنها «هذا حيوان») التي استخدمها ترامب لاحقاً في الحديث عن رئيس النظام السوري غداة الهجوم الکيماوي علی خان شيخون. ربما تنبهه قاعدته الآن الی أن الأسد (أو بوتين، أو علي خامنئي) فعل ما يلزم!
قد لا يکون هناک توافقٌ تامٌ بين سياسات روسيا وإيران وأميرکا – ترامب وسورية – النظام، إلا أن شعارات العنصريين الأميرکيين في القاعدة الترامبية تؤشّر الی تماهٍ في نقطة واحدة علی الأقل: العداء للعرب والمسلمين، وقد يقال لـ «الإسلاميين» بمعنی «الجهاديين»، ثم يتولّی التعميم والتبسيط دمج أولئک جميعاً تحت سقف واحد: الإرهاب. ومع أن ترامب أطلق عهده باحتضان مفرط لزمرة التطرّف في حکومة إسرائيل، إلا أن قوميي قاعدته وعنصرييها يتناقضون معه بـ «العداء لإسرائيل» أو «للسامية» وفقاً للمصطلح الإسرائيلي، ويلتقون مع الأسد وخامنئي ظناً بأنهما معاديان فعلاً لإسرائيل. والحال أن أحد أهم الدوافع لمنع إسقاط الأسد، وتالياً لترويج الإبقاء عليه، کان ولا يزال تأييد إسرائيل استمراره، بل التقاءها مع إيران علی أن مصالحهما (مع روسيا وأميرکا)،
وليس مصلحة سورية، تقضي باستمرار الأسد في منصبه.
أسدی «دواعش» الرقّة ودير الزور للأسد خدمة العمر، فهو والإيرانيون سهّلوا وجودهم وأرشدوهم الی المواقع المناسبة لتخريب الانتفاضة الشعبية السورية داخل مناطقها ومن ثمّ دمغها بـ «الإرهاب»، حتی قبل انتشارهم غداة سيطرتهم علی الموصل. وها هم «دواعش» فيرجينيا يقدمون الی الأسد خدمة عظيمة في لحظة مفصلية، إذ يلتقون مع حلفائه وأعدائه وهم موشکون علی التوافق نهائياً علی بقائه في السلطة، بغض النظر عن أي قيم قانونية أو سياسية أو حتی إنسانية. إذاً فقد أصبحت سورية الساحة الخارجية الوحيدة التي يلبّي فيها ترامب «طموحات» ناخبيه القوميين والعنصريين، والمکان الوحيد في العالم الذي قرر الأميرکيون والروس أن يتعاونوا فيه، متجاوزين استعصاءات قضيتَي التدخل الروسي في الانتخابات واتصالات معاوني ترامب مع عملاء بوتين. بل إنها المکان الذي أتاح فيه نظام الأسد هبوط طائرات الشحن الإيرانية محمّلة الصواريخ والأسلحة ومساحة شاسعة لمستودعات تخزينها، وهي أيضاً المکان الذي منح فيه الروس ترخيصاً لإسرائيل کي تضرب مواقع الإيرانيين وأتباعهم، وإذ کانت الطائرات الإسرائيلية تغير ليلاً أو فجراً ابتغاء التمويه والسرّية فقد أصبحت تقصف في أي وقت وأمکن دمشقيين کثيرين أن يصوّروا نحو الثانية بعد ظهر الأربعاء (01/08/2017) دخان غارة علی موقع الغزلانية المحاذي لمطار العسکري القريب من دمشق، وأن يرسلوها الی أصدقائهم في الخارج مع ملاحظة: «غارة إسرائيلية عالإيرانيين بالشام. صارت اعتيادية».
وليس مصلحة سورية، تقضي باستمرار الأسد في منصبه.
أسدی «دواعش» الرقّة ودير الزور للأسد خدمة العمر، فهو والإيرانيون سهّلوا وجودهم وأرشدوهم الی المواقع المناسبة لتخريب الانتفاضة الشعبية السورية داخل مناطقها ومن ثمّ دمغها بـ «الإرهاب»، حتی قبل انتشارهم غداة سيطرتهم علی الموصل. وها هم «دواعش» فيرجينيا يقدمون الی الأسد خدمة عظيمة في لحظة مفصلية، إذ يلتقون مع حلفائه وأعدائه وهم موشکون علی التوافق نهائياً علی بقائه في السلطة، بغض النظر عن أي قيم قانونية أو سياسية أو حتی إنسانية. إذاً فقد أصبحت سورية الساحة الخارجية الوحيدة التي يلبّي فيها ترامب «طموحات» ناخبيه القوميين والعنصريين، والمکان الوحيد في العالم الذي قرر الأميرکيون والروس أن يتعاونوا فيه، متجاوزين استعصاءات قضيتَي التدخل الروسي في الانتخابات واتصالات معاوني ترامب مع عملاء بوتين. بل إنها المکان الذي أتاح فيه نظام الأسد هبوط طائرات الشحن الإيرانية محمّلة الصواريخ والأسلحة ومساحة شاسعة لمستودعات تخزينها، وهي أيضاً المکان الذي منح فيه الروس ترخيصاً لإسرائيل کي تضرب مواقع الإيرانيين وأتباعهم، وإذ کانت الطائرات الإسرائيلية تغير ليلاً أو فجراً ابتغاء التمويه والسرّية فقد أصبحت تقصف في أي وقت وأمکن دمشقيين کثيرين أن يصوّروا نحو الثانية بعد ظهر الأربعاء (01/08/2017) دخان غارة علی موقع الغزلانية المحاذي لمطار العسکري القريب من دمشق، وأن يرسلوها الی أصدقائهم في الخارج مع ملاحظة: «غارة إسرائيلية عالإيرانيين بالشام. صارت اعتيادية».
هذه الغارات لم تمنع الإيرانيين من متابعة خططهم، بل إنهم تعايشوا معها وابتکروا أساليب لخداع المخبرين الذين يبلغون إسرائيل عن وصول شحنات أسلحة جديدة وعن مواعيد نقل معدّات الی «حزب الله» في لبنان. والاعتقاد السائد أن إسرائيل لم تعد تستطيع تقليص الدور الإيراني الذي بات مدمجاً بدور النظام نفسه، تحديداً في النشاط العسکري، لکنها تحاول فقط حصره في نطاق جغرافي لا يزعجها، وقد مکّنتها مشارکتها في هندسة اتفاق جنوب غربي سورية من إبعاد الإيرانيين الی حدود دمشق. بموازاة ذلک، أدّی اتفاق «خفض التصعيد» في الغوطة الشرقية، کما يلاحظ الدمشقيون، الی حضور أکبر للشرطة الروسية في العاصمة. وعلی رغم تعاظم التدخّلات وعجز النظام عن التأثير في تقطيع خريطة الجبهات فإن عسکرييه لم يعودوا قلقين، بل يردّدون أنهم صاروا أخيراً متأکدين من أنهم «نجحوا» في تحقيق هدفهم، بدليل أن الجميع يتحدث عن ضرب الإرهاب ويعتبره الأولوية. والأهم أن أطرافاً کثيرة أحيت الاتصالات عبر الأجهزة أو طلبت إقامة قنوات خلفية مع النظام.
وراء الستار تدور منافسات بين العواصم الأوروبية وعلی استرضاء روسيا وحتی إيران، فالکل يريد صفقات مع طهران ولا يمانع مسايرتها في مصير الأسد، والکل يتطلّع الی حصص في ورشة إعادة الإعمار ويعلم أن موسکو باتت مهيمنة علی الملف. وبالتالي، فالکل يتصرّف علی أن الصراع الداخلي قد حُسم، وبما أن تفويضاً أميرکياً مُنح عملياً الی روسيا المتشبثة بالأسد، فهذا يبرر للرئيس الفرنسي أن يجامل بوتين بإطلاق رسالة اعتراف بـ «شرعية» الأسد، فباريس تريد أن تحيي مصالح کانت لها في سورية، وليس أفضل من رئيس لا ديغولي ولا اشتراکي لتجاوز الاعتبارات الأخلاقية السياسية. ومع أن الأميرکيين عارضوا بشدّة، في اجتماع عقد في بروکسيل، اقتراحات أوروبية بإعادة فتح السفارات في دمشق باعتبار أن إغلاقها «کان خطأً» إلا أن إعادة تأهيل السفارة الفرنسية بوشرت فعلاً. قبل ذلک، کانت ألمانيا ولا تزال سبّاقة الی تنشيط اتصالاتها مع النظام علی مستويات متعدّدة، والنمسا أيضاً، کذلک إيطاليا التي ستتمثّل في معرض دمشق الدولي. الدول تعتمد علی رجال أعمال، وقد غدا أحد المهرّبين المعروفين الطفل المدلّل في عواصم کثيرة، فبعدما کان صلة الوصل لسمسرة تجارة النفط والقمح بين «داعش» والنظام وبين «داعش» والأتراک، ارتقی بسرعة ليصبح عراب فک التجميد عن أرصدة للنظام في أحد البنوک الأوروبية بشرط ضمانه صفقة قمح بـ150 مليون يورو. وأخيراً، بات هذا المهرّب يکلّف بنقل رسائل وأدوار سياسية.
في غضون ذلک، تستعد کارلا ديل بونتي للاستقالة من «لجنة التحقيق الدولية حول سورية» التابعة للأمم المتحدة. سبق أن قالت عن الأسد إنه «واحد من أسوأ المجرمين في التاريخ»، وتقول الآن إن لديها أدلّة کافية لإدانته، لکنها محبطة لأن عملها بات «غطاء لمجتمع دولي لا يقوم بشيء علی الإطلاق»، فلجنة التحقيق قامت بعملها ولديها اتهامات للنظام والمعارضين لکن يتعيّن إنشاء محکمة خاصة لمجرمي الحرب و «هذا تحديداً ما تمنع روسيا حصوله» باستخدامها «الفيتو» في مجلس الأمن. أما خلاصتها فهي أن العدالة ممنوعة في سورية و «من دون عدالة لن يکون سلامٌ أبداً، وبالتالي فلا مستقبل»….
* کاتب وصحافي لبناني.







