أخبار إيرانمقالات

في معنی أن تنتصر طهران

 

الحياة
5/9/2017
 
بقلم: حازم الامين

 

 لم تکن الحرب يوماً في إقليمنا علی هذا القدر من الوضوح ومن الجلاء. إيران تخوض حربها من خلال جيوش غير إيرانية- بينها الجيش العراقي والجيش السوري- توازيها ثلاث ميليشيات، الحشد الشعبي العراقي و «حزب الله» اللبناني والميليشيات السورية المستحدثة.

تعقد طهران اتفاقاً مع «داعش» لمبادلة جثة جندي لها بسلامة مقاتلين للتنظيم، فيتولی «حزب الله» تنفيذ تفاصيل الاتفاق. وفيما يُدفع مقاتلو «داعش» من الحدود اللبنانية إلی الحدود العراقية، تتذمر حکومة بغداد، وتُسجل حکومة بيروت «نصراً» علی الإرهاب. ويبقی «التذمر» و «النصر» ضمن دائرة الضبط الإيراني، ولا يخرجان عن الهامش الذي تتيحه طهران للأطراف التي تدير عبرها حروبها الإقليمية.
والحال أن قمة الانکشاف کانت هذا الأسبوع عبر الفصول الجديدة من اتفاق انسحاب عناصر «داعش» من القلمون اللبنانية- السورية إلی البوکمال السورية- العراقية، ذاک أن طائرات التحالف الدولي قررت أن تُنغص علی طهران تنفيذ الاتفاق في نصفه الثاني، أي في مرحلة انتقال مقاتلي التنظيم وعائلاتهم إلی البوکمال. «حزب الله» رفع الصوت لـ «إنقاذ» المقاتلين وعائلاتهم من موت في الصحراء، فهالتنا خطوته ورفعنا الصوت مذهولين من حرصه علی حياة عناصر التنظيم وعائلاتهم. والحال أن ذهولنا يشبه إلی حد کبير محاولة التحالف الدولي اعتراض الخطوة الإيرانية، ذاک أن خطوة التحالف کاشفة لعجزه عن الإتيان بأکثر من اعتراض قافلة لمئات من المقاتلين وعائلاتهم. ومثلما انطوی ذهولنا علی سذاجة، انطوی صمتنا علی حقيقة أن الخطوة الدولية لا قيمة لها، علی سذاجة موازية.

طهران تسجل انتصاراً في أعقاب انتصار، وتمتص غضب خصومها بتذمر لا قيمة له لحکومة بغداد، أو بإتاحة رفع صوت لبناني کئيب استهوالاً لفعلتها، إلی أن انضم التحالف الدولي إلی حفلة الأصوات المختنقة، فکان انتقامه من طهران عبر حصار قافلة لـ «داعش»، واستجاب حزب الله لرغبتنا في سقطة له تمکّن عبرها من امتصاص غضبنا، فأصدر بيان القلق علی مقاتلي «داعش»، وانطلق الصراخ، وشعرنا أننا أفرغنا ما في وجداناتنا من توتر واضطراب. أکمل «حزب الله» حياته، ونمنا جميعاً ملء جفوننا في تلک الليلة.

إيران انتصرت في الحرب علی «داعش»، أما الحکومات التي تمارس نفوذاً عليها في بغداد ودمشق وبيروت، فليست في موقع من ينتصر أو ينهزم. وأن تنتهي الحرب بهذه النتيجة، أي بانتصار جلي لطهران، فعلينا أن ننتظر ولادة وشيکة لمسخ جديد. من الغباء والجهل انتظار شيء آخر. قوة مذهبية إقليمية انتصرت في الحرب علی «داعش». ترکيا لم تنتصر علی «داعش»، والعرب لم يفعلوا ذلک. أما التحالف الدولي، فکان ملحقاً بالقوة الإيرانية تماماً کما کان الحشد والحزب ملحقين، وجل ما فعله کان اعتراض قافلة لـ «داعش» أرادتها طهران أن تصل إلی الحدود. «لا بأس أقصفوها وسنصدر بياناً يعبر عن قلقنا علی المدنيين فيها»!

وأن تنتصر طهران في هذه الحرب فهذا يعرضنا إلی مصير أکثر بؤساً مما کابدناه مع «داعش». الأخير سيصبح ممثلاً لکل المهزومين، وما أکثرهم. والمسخ لا يموت، ذاک أنه عرضة لولادة جديدة. الشروط کلها مؤمنة له. عدوه المذهبي انتصر في الحرب عليه، المدن مدمرة بالکامل، ومخيمات البؤس والجوع والمرض تمتد من علی مساحات شاسعة أينما اتجهت في دول الإقليم.

إيران مَن انتصر علی «داعش»، وليس العقل ولا الاعتدال. في لبنان انتصر «حزب الله» وفي سورية انتصر بشار الأسد وفي العراق انتصر «الحشد الشعبي». هل من مشهد أشد دلالة علی توقع ولادة المسخ مجدداً وقريباً جداً؟
لکن ما يجعل الإقامة في هذا العالم مخيفة، هو أن المسخ الجديد لا أحد بريء من ولادته. العرب الذين انکفأوا عن الحرب عليه، والأتراک الذين فتحوا حدودهم له، و «الامبراطورية الإيرانية» التي لطالما غبطها عدو مثل «داعش» فراحت تفتح له المدن والقصبات، تمهيداً لانتصارات سهلة عليه. أما الأب الرابع فهو ذلک الانکفاء الغربي والأميرکي تحديداً. هذا الغرب لم يتعلم ما يعنيه أن تتحول الحرب علی «داعش» إلی نصرٍ مذهبي. ولم يتعلم أيضاً أنه لن يکون في منأی عن هذا الاختلال الهائل.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.