أميرکا وإيران.. مهادنة أم مداهنة؟!

الإتحاد الاماراتية
2/3/2015
بقلم: عبدالله خليفة الشايجي
انتقدت في مقالي السابق في «الاتحاد» المعنون «عقيدة الفشل الاستراتيجي» سياسة الصبر الاستراتيجي لدی إدارة الرئيس أوباما، مؤکداً أن مشکلة هذه الاستراتيجية تکمن في أنها لا تخيف أو ترعب خصوم أميرکا، بل يفسرونها کما يفسرها خصوم أوباما الجمهوريون بأنها ترجمة للتردد والضعف وفقدان الزعامة. کما تقلق الاستراتيجية أيضاً حلفاء أميرکا، وتزيد من هاجس تشکيکهم في واشنطن وقدرتها علی الالتزام بوعودها وتحالفها الاستراتيجي معهم.
ومع دخول التفاوض بين إيران والستة الکبار المرحلة النهائية للتوصل لاتفاق إطار حول برنامج طهران النووي، في نهاية مارس الجاري، تسقط الأقنعة وتزداد لعبة عض الأصابع وکشف المستور في سياسة المهادنة والمحاباة بين الولايات المتحدة الأميرکية وإيران. وخاصة أن الخلاف العقائدي- والإيديولوجي، وإرث المظالم، لم يمنعهما من التنسيق والتعاون والتحالف في مواجهة خصم مشترک هو تنظيم «داعش»، وقبل ذلک في العراق، وأفغانستان، أو عقد اجتماعات سرية، وعلنية، وتبادل رسائل وصلت إلی أربع من الرئيس أوباما ورد المرشد الأعلی برسالتين، وقد کشفت صحيفة «وول ستريت جورنال» مضمون آخر تلک الرسائل من المرشد لأوباما الأسبوع الماضي. قبل أن تنفي إيران توجيه رسالة لأوباما في اليوم التالي.
والتودد والمحاباة الأميرکية تجاه الخصم الإيراني يذکرنا بتجربة التودد والمحاباة التي عيّر بها الغرب رئيس وزراء بريطانيا الأسبق تشمبرلين عندما لم يواجه عدوان هتلر في بداية الحرب العالمية الثانية. وکذلک التودد والمهادنة لروسيا التي اتهم بها مسؤول أميرکي کبير المستشارة الألمانية ميرکل، لرفضها إرسال أسلحة للحکومة الأوکرانية. وأيضاً التودد والمحاباة نفسها التي يتحدث عنها صقور الجمهوريين في الکونجرس ونتنياهو -الذي أحدثت دعوته من رئيس مجلس النواب جون بينر لإلقاء خطاب في جلسة مشترکة لمجلسي الکونجرس غداً الثلاثاء عن خطر برنامج إيران النووي، أزمة في علاقات البيت الأبيض مع الکونجرس وبين أوباما ونتنياهو نفسه. وسنری تتابع فصولها.
وعلی رغم أنه يبدو أن مرحلة التودد والمحاباة بين أميرکا وإيران، أو بين «الشيطان الأکبر» و«محور الشر» سابقاً، تقترب من محطتها الأخيرة، إلا أن حلفاء واشنطن في المنطقة يشعرون بالانزعاج الشديد من تودد ومحاباة أميرکا لإيران. ونستغرب من هوس الرئيس أوباما شخصياً بالتوصل لاتفاق نووي نهائي مع إيران لتسجيله کرئيس حقق شيئاً ما في عهده الذي يخلو من أي إنجاز يخلده کرئيس عظيم ترک أثراً وبصمة ما. وکذلک تسجل دول مجلس التعاون الخليجي، وحتی أردوغان، تحفظات وانتقادات لهذا التودد الذي يغفل أوباما في هوسه لوقف برنامج إيران النووي بأي ثمن تمهيداً لـ«الصفقة الکبری»، التي ستکون بلا شک علی حساب دول المجلس، وتکافئ المعتدي وتعزز مشروع إيران التوسعي، بما فيه الصمت علی استعراض القوة والتدخل الإيراني في شؤون دول المنطقة. وهذا يزيد من تسعير الحرب المذهبية والطائفية، ما يهدد مصالح أميرکا ومصالح حلفائها والأمن والاستقرار عموماً في المنطقة. وهو أيضاً ما سيُطلق يد إيران أکثر لتصبح هي المرجعية واللاعب الأکثر تأثيراً في ترتيبات المنطقة من اليمن إلی المتوسط.
ولذلک تغاضت أميرکا عن إيران وحلفائها، ولم تصنفهم کإرهابيين، ولم تقاتلهم کما تقاتل المتطرفين السنة. ولم تفرض عليهم عقوبات في العراق وسوريا واليمن. وإن کانت أميرکا وجهت رسالة قوية لقلب الطاولة علی طهران، حين أغلقت سفارتها في اليمن، وحذر البنتاغون من أن سيطرة الحوثيين علی مقاليد السلطة تؤثر سلباً علی حرب أميرکا علی «القاعدة»، وهذه رسالة أميرکية ثانية لإيران. وعلی الرغم من أن واشنطن لم تصف ما قام به الحوثيون بـ«الانقلاب»! ولم تنقل وتستأنف أعمال سفارتها في عدن کما فعلت معظم سفارات دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أنها أرسلت رسالة ثالثة قوية ومدوية لإيران تنهي فيها مرحلة التودد والمحاباة. فبعد صمت أشهر علی سقوط العاصمة صنعاء بيد الحوثيين، وانقلابهم علی الشرعية في سبتمبر 2014، قلب جون کيري، وزير الخارجية الأميرکي، الطاولة علی إيران، واتهم في جلسة استماع في الکونجرس للمرة لأولی الشريک الإيراني غير المعلن، بلعب دور أساسي في إسقاط الحکومة اليمنية. وردت إيران بغضب «رافضة تلک الاتهامات التي تناقض الموقف الأميرکي السابق!».. ولکن، ماذا يعني ذلک؟
واضح أن هذه المناورات من واشنطن وطهران ترتکز بين الطرفين علی الملف النووي، وقد قررت واشنطن بعد أن سکتت دهراً علی تجاوزات إيران مدعية أنها لا تملک أدلة قاطعة علی دورها في دعم الحوثيين، وبعد إغلاق السفارة الأميرکية والانسحاب الجماعي من اليمن، وعرقلة حرب أميرکا علی «القاعدة في شبه الجزيرة العربية»، تلوح واشنطن أخيراً بورقة اليمن بعد دخول مفاوضات النووي مرحلة حاسمة، مع التهديد بالانسحاب من التفاوض! وکل ذلک لا يعدو کونه أوراق ضغط لتحييد وحرق أوراق إيران القوية لإجبارها علی تغيير حساباتها، ودفعها لتقديم تنازلات مهمة للتوصل لاتفاق إطار حول برنامج طهران النووي في نهاية مارس الجاري، تمهيداً للتوصل لاتفاق نهائي نهاية يونيو المقبل.
ولذلک بات علی إيران استيعاب أبعاد لعبة العلاقة غير الندية مع واشنطن، وأن الشريک الأميرکي مستعد لقلب الطاولة عليها. والمهادنة والمحاباة ليست من سمات واشنطن الدائمة، بل هي آنية ومؤقتة، تفرضها المصالح والبراجماتية. وإن الدهاء ليس حکراً علی الفرس کما توهمت وفاخرت إيران لقرون!







