التلاسن والتشاحن بين زمر النظام الإيراني حول تصريحات الخامنئي

في 27آب/أغسطس 2015 أي بعد يوم من إطلاق خامنئي تصريحات موجهة إلی أعضاء حکومة الملا حسن روحاني، تحولت الصفحات الأولی للصحف الحکومية إلی حلبة صراع بين زمرتي النظام الإيراني. ونشرت الصحف التابعة لزمرة الخامنئي والتي يديرها المهمومون، جوانب من تصريحات خامنئي التي تعرب عن قلقه حيال آثار کأس السم النووي تحت عناوين نظير «لم تقلل أمريکا عن عداوتها وإنما تهدف إلی النفوذ» و«لا ينبغي علی المسؤولين أن يقعوا في فخ الأعداء» و«يجب الإعلان عن مواقف ثورية بغض النظر عن اعتبارات سياسية». لکن في المقابل نشرت الصحف التابعة لزمرة رفسنجاني عناوين تشيد بکأس السم النووي الذي تجرعه خامنئي. وعلی سبيل المثال يمکننا الإشارة إلی بعض هذه العناوين نظير «الإشادة بالحکومة والإشادة بإنهاء المفاوضات النووية» و«الإشادة بالحکومة بسبب هدوء واستقرار يسودان في القطاع الاقتصادي».
وإذا ألقينا نظرة علی الصفحات الداخلية لهذه الصحف فما لبث أن ندرک أن هذا الصراع يتصاعد بوتيرة أسرع إذ أنه قد تصاعد أثناء إقامة صلاة الجمعة للنظام الإيراني أو في ساحة برلمان النظام.
وفي هذه الأثناء، کلما يظهر خامنئي في الساحة، يتکلم عن «الوحدة» و«التجنب عن الشقاق» موجها إنذارات للزمر الحکومية. وفي الأسبوع الأخير، ظهر خامنئي مرتين في الساحة محذرا الزمر الحکومية من عدم التشاحن والتلاسن. وحذر خامنئي في 22آب/أغسطس 2015 من أنه «إذا دمرنا أنفسنا وخلقنا خلافات وتآمرنا بحق أنفسنا وأجرينا أجواء التلاسن والتشاحن بيننا فإن الله القادر يزيل نعمته». وتبين هذه التصريحات أن الصراع الدائر بين زمر النظام الإيراني قد وصل إلی مرحلة «يتآمر بعضها علی بعض» بحيث أن هذه الصراعات قد تؤدي إلی زوال «نعمة» الحکم والنهب والإجرام من النظام الإيراني. أما خامنئي فإنه ظهر في الساحة للمرة الثانية في الأربعاء 26آب/أغسطس محذرا أعضاء کابينة الملا روحاني وقال: «يجب التجنب عن خلق الهوامش والشقاق بينما لابد من المواظبة علی وحدة المجتمع وعدم التکلم عن شيء يشوه الوحدة».
والسؤال الذي يتبادر إلی الذهن هو أنه لماذا يتکلم خامنئي هکذا برغم من أنه يوصي بـ«الوحدة» ويحذر من «الشقاق والتشتت»؟ فيما تصريحاته تنفخ في نار الصراعات الفئوية؟ وتجدر الإشارة إلی أن هذا الوضع کان قد جری في فترة ما قبل نهج تجرع کأس السم النووي بينما مازال مستمرا حتی الآن.
والجواب يکمن في تناقض عميق جبل عليه نظام ولاية الفقيه المتهرئ بحيث أن هذا التناقض العميق يؤثر علی مواقف يتخذها الولي الفقيه کما أن الصراعات الفئوية التي يواجهها نظام ولاية الفقيه منذ زمن بعيد حول تجرعه کأس السم أو عدمه، کانت ناتجة عن هذا التناقض الذاتي. وتشدد المصالح الاستراتيجية لنظام ولاية الفقيه علی الاحتفاظ بالنووية من أجل الحصول علی السلاح النووي من جهة لکنه ومن زاوية أخری لم يکن أمام خامنئي سبيل سوی تجرعه کأس السم لرفع حبال العقوبات التي تضيق علی عنق نظام الملالي لکنه وبما أن هذا التناقض تمتد جذوره إلی طينة النظام الإيراني فإن تجرع کأس السم النووي لم يفک عقدة من هذا النظام ولم ينته هذا التناقض الموجود بحيث أنه تتمخض عن السم النووي تداعيات تتضارب مع بقاء نظام ولاية الفقيه لذلک يضطر الولي الفقيه إلی إطلاقه تصريحات متضاربة متناقضة. ومثلما لاحظنا في تصريحاته التي أدلی بها الأربعاء 26آب/أغسطس حينما ثمن الولي الفقيه نهاية المفاوضات النووية أو بالأحری تجرعه السم النووي من جهة لکنه حذر من أن الأعداء يهدفون إلی الاستغلال من الاتفاق النووي للنفوذ اقتصاديا سياسيا وثقافيا مما يجعل کيان النظام الإيراني عرضة للخطر.
ولا شک أن هذا التناقض يعود إلی جوهر نظام ولاية الفقيه الذي بني علی دکتاتورية ولاية الفقيه لکن النظام يتلاعب بـمفردة «الجمهورية» من أجل التأثير علی الانتخابات الرئاسية المرتقبة للنظام الإيراني. والآن وبعد الصراعات الفئوية الأخيرة، قد طفا هذا التناقض علی السطح وبلغ ذروته في صراع السلطة الدائر بين رفسنجاني وخامنئي مما يجعل النظام الإيراني بأسره ضعيفا يوما بعد يوم أمام خصمه الرئيسي أي الشعب والمقاومة الإيرانية.







