أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي – (الحلقة الرابعة والعشرون)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي


يدعي المتطرفون أن مجموعة القرارات والأحکام التي بين أيديهم تحت عنوان «الشريعة» أو «الأحکام الفقهية» هي «أحکام الله» أي أن الأحکام المذکورة لا يمکن تغييرها وانتهاکها واستبدالها وأن أي تدوين وتنفيذ وصياغة لـ «القرارات والقوانين البشرية» يعتبر إلی الأبد مرادفًًا لرفض وإلغاء «ما أنزل الله» فيعتبر کفرًا وخروجًا علی الدين الإسلامي وفق الآية 44 من سورة النساء.
من أين وکيف يقول المتطرفون الرجعيون المسمون بالإسلاميين أن الإسلام هو فقط «شريعة السلطة المطلقة» و«دين الرجم» و«فقه العنف» و«أحکام الجماع» و«آداب بيت الخلاء»؟ في حقيقة التاريخ الخاص لظهور الدين الإسلامي والسنة النبوية الشريفة لا يلاحظ أحد أي أثر من هذا «الفقه» المدوّن و«الشريعة» الحجيمة والسميکة. وکما يشهد عليه التاريخ إنه لم يکن إطلاقًا في عهد النبي الکريم محمد (ص) وأنصاره المقربين «شريعة جامدة» وتدوين وصياغة هکذا أحکام وقرارات وشرائع يعتبرها ويعرّفها الرجعية الإسلامية بأنها «أحکام الله» أو «ما أنزل الله» وهي متعطشة لأن ينفذها بفعل قهر وقتل الناس وقمع البشرية.
أسلوب مهم لإعادة معرفة الإسلام
هناک رکنان من أسلوب فهم التعاليم والتوجيهات القرآنية، وهما:
الأول: إن الإسلام دين کامل و تام حيث أکد سبحانه وتعالی في کتابه الکريم إکماله وإتمامه قائلاً: «اليوم أکملت لکم دينکم وأتممت عليکم نعمتي ورضيت لکم الإسلام دينًا» (القرآن الکريم – سورة المائدة) وهذا ما أبلغ به سبحانه وتعالی جميع المسلمين بواسطة نبيه محمد (ص) وهذا يعني أن صنوف المذاهب والأساليب الفکرية والدينية والمذهبية الموجودة في أوساط المسلمين وفي أحسن وجهها ليس إلا منتوجات بشرية واجتهادات فکرية للعلماء والمفکرين المحددين الذين مع کون خدماتهم قيمة ورائعة يمکن أن يکونوا خاطئين. ناهيک عن کثيرين من المزورين أو المصابين بالضعف في الفهم والإدراک الذين لهم أصابع إجرامية خطيرة وغير قابلة للإغماض للغاية.
الثاني: إن القرآن الکريم هو الوثيقة ذات المصداقية والنص الوزين الذي يعتبره جميع المسلمين صائبين وعلی حق مرجعًا رئيسًا وفريدًا في معرفة الإسلام وحدوده کون القرآن کلاً لا يتجزأ وخاليًا من اختلاف جزء منها مع أجزائه الأخری حيث يقول: « أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ کَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً کَثِيراً (الآية 82 – سورة النساء).
وهذا يعني أن أي انطباع وأي تفسير وتفقه لما يسمی بـ «الشريعة» يعارض جزءًا أو آية من القرآن لا يجوز اعتباره ذا مصداقية وإن تم فيه الاستناد إلی آية قرآنية، هذا من جهة، ومن جهة أخری يدل علی عدم وجود قوة إدراک وما يکفي من التدبّر الذي هو الشرط اللازم لفهم مشروع قائم علی «التماسک» المعلن. ناهيک عن الوجوب علی کل مسلم مؤمن بالقرآن أن يتحدی مثل هذا الانطباع والقراءة وهکذا استناد إلی آية وجزء من القرآن الکريم دون أجزاء وآيات أخری، لأن ذلک ينفي وينقض مبدأ ورکن «الإکمال والإتمام» الذي اعتبرناه رکنًا ومبدأ للأسلوب الصحيح.
حاليًا وبعد التذکير الضروري بالمباحث الماضية نصل إلی أن الأساليب والمناهج الاختصاصية لخبراء الإسلام حتی في حالة کونها قائمة علی «الإکمال والإتمام» وعلی «وحدة وتماسک الإسلام في داخله» (وهو ما يفتقر إليه غالبية المدعين) تعقب أرکانًا أخری من نوع «الشخصية والمعنوية» التي من المفترض علی الإنسان الباحث والمفسر للقرآن والإسلام أن يتحلی بها. الأمور التي وقياسًا بالأرکان الاختصاصية المذکورة تأتي بمثابة ضمان ضروري لصواب أدائها ونتائجها بمعني أنه و من دون هذه الأرکان الإنسانية والمعنوية لن تکون هناک أية مصداقية وموثوقية لأداء ودور الرکنين الرئيسيين الأول والثاني لمعرفة الإسلام. إننا طرحنا في ختام الحلقة الـ 23 سؤالاً وهو: «هل القدرة والتقنية في البحث والتحقيق والنشاط المدرسي والدراسي والعلمي هو المطلوب لرؤية هذه الوحدة والتوحد وتجاوز التناقضات الظاهرية أم إن الشروط الإنسانية والجوهرية والمعنوية للباحث هي أيضًا من ضرورات هذا البحث والدراسة والتتبع العلمي لنيل توحد ووحدانية القرآن وتعاليمه؟» أو بعبارة أخری هل نحن بحاجة إلی نوع صحيح من النشاطات المدرسية والعلمية فقط؟ وفي غير هذه الحالة، هل نحن وبمنأی عن التقنية الصحيحة التي من المعروف أنها لا توجد لدی کثيرين من المدعين، مازلنا وکما يقول به القرآن الکريم بحاجة ببعض من الخصوصيات الإنسانية والمعنوية التي يجب توفرها بمثابة الأرکان الأخری لأسلوب ذي مصداقية في معرفة وإعادة معرفة «الإسلام والإسلامية» وتمييزها عن «حالات التشدق الزائف والمتنوع للإسلام»؟
الرد الموجز والصحيح علی هذا السؤال طبعًا هو إيجابي و«نعم»، ولکن لرد واضح ومستدل يجب أن نکشف أنه ومع الأسف وفي أسلوب مدعي العلم والتقنية في تفسير القرآن والفقه والشريعة الإسلامية نشهد فاجعة أدت نتيجة الجهل أو التجاهل والتغافل إلی دفع ثمن باهظ وهو إحباط القرآن وهؤلاء ليس فقط قد تورطوا أنفسهم في هذه الهاوية وإنما ورّطوا أجيالاً مسلمة إلی هاوية التفکير الخاطئ بحيث لا يمکن وصف ذلک إلا بأنه حرمان المسلمين من رسالة هذا الدين الإلهي.
فينبغي أن نلاحظ هذا الجهل أو التجاهل بمراجعة نماذج من القرآن الکريم ونکتفي بذلک، ولهذا الغرض ينبغي أن نلقي الضوء علی دور ورسالة وأداء القرآن الکريم خاصة آيات منه تصف القرآن بـ «الفرقان» و«التبيان» و«آيات بينات».
مغزی ورسالة نعت «الفرقان»
إن نعت «الفرقان» لم يستخدم للقرآن الکريم باعتباره کتابًا مقدسًا للمسلمين فقط وإنما وصف به کتب مقدسة أخری مثل «التوراة» أيضًا. وأما في ما يتعلق بالقرآن أي عند ما يقصد القرآن، فهناک سورة کاملة بـ 77 آية بذات الاسم أي سورة «الفرقان» (السورة 25 من سور القرآن) وقد تم تکريس جميع الآيات في هذه السورة لموضوع کتاب القرآن والمحاور الرئيسة (الخطوط العريضة) لما ورد في الکتاب بالإضافة إلی جوانب الرسالة القرآنية والمواقف الموافقة والمعارضة منها. أما سورة الفرقان فتستهل بالآية: ««بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. تَبَارَکَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَی عَبْدِهِ لِيَکُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا» (الآية الأولی من سورة «الفرقان»).
ومعنی کلمة «الفرقان» في القرآن هو معناه في اللغة العربية وليس مصطلحًا خاصًا دينيًا وقرآنياً. هذه الکلمة في اللغة العربية تعني «فاصل الحق عن الباطل» والذي يعيّن ويشخّص الـ «الفرق» والفروق الفاصلة بين حالات الحق والباطل بعضها عن البعض. کتب «راغب الإصفهاني» في کتابه «المفردات» وهو مرجع معروف ذات مصداقية في التعرف علی مفردات القرآن يقول: «« والفرقان أبلغ من الفرق، لأنه يستعمل في الفرق بين الحق والباطل، وتقديره کتقدير: رجل قنعان: يقنع به في الحکم» (من«المفردات» لراغب الإصفهاني. کتاب الفاء).
وعلی هذا الأساس، فإن رسالة القرآن الکريم الذي يصف نفسها بـ «الفرقان» هي تمييز الحق عن الباطل وميزان ومحک في هذا الأمر الخطير ليساعد المؤمنين في تمييز الحق والصواب عن المسار الخاطئ والباطل.
فهکذا نلاحظ أن القرآن الکريم الذي هو وبمجمل آياته کتاب «فرقان» کما تؤکده الآية المذکورة وصف بهذا النعت إلی الحد الذي دفع العديد من المفسرين إلی اعتبار «الفرقان» اسمًا آخر للقرآن الکريم. فهذا الکتاب يحمل رسالة التمييز بين الحق والباطل لکي يکون دليل عمل لأتباعه والمؤمنين به ومصباح هدیً لطريقهم أو أمامهم في الطريق. فنلاحظ أن هکذا دور ورسالة أسمی وأرفع من الانطواء علی أوامر ونواهي في شؤون جزئية من التطبيقات والقرارات والأحکام مما ينتطر من کتاب «القوانين» أو من کتاب فقهي أو «رسالة للمسائل الشرعية». ولهذا السبب أي بسبب هذا الدور والرسالة أي «الفرقان» فنلاحظ اهتمامًا أقل في نص القرآن بوضع القرارات والأحکام والقوانين ولا توجد في القرآن أجزاء وتفاصيل قانونية وفروع فقهية.
وبتعبير آخر عند ما نفکر في دعوی للمتطرفين وهي أنهم بذريعة عدم مخالفة «ما أنزل الله» أو «الأحکام الإلهية» يبتغون السلطة المطلقة لکي ينفذوا «ما أنزل الله» أي «أحکام القرآن»، فأول ما نؤاخذ ونسائل المتطرفين الإرهابيين عنه هو: أية «أحکام في القرآن» تدعون إليها؟ أين وفي أية سورة وأية آية قرآنية تجدون مثل هذه الأحکام الجزئية لکي لا يکون مکان ومبرر لتشريع البشري. وهذا إضافة إلی ما قلنا آنفًا إن «الفقه» و«الشريعة» المدعاة من قبل التطرف ليس في حد ذاته إلا منتوجات بشرية أسماها زيفًا وزورًا وبهتانًا بـ «الإسلامية» وافتروا بذلک کذبًا علی الله سبحانه وتعالی.
(يتبع)


——————————–
1. علی سبيل المثال هناک آيات قرآنية تستند إليها بشکل غير نزيه لتبرير «معاداة المرأة» مما يعارض آيات قرآنية أخری ومنها الآية: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاکُم مِّن ذَکَرٍ وَأُنثَی وَجَعَلْنَاکُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَکْرَمَکُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاکُمْ» (الآية 13 – سورة الحجرات)، والآية: «وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ» (الآية 71 – سورة التوبة). وهذا الأمر سيتم دراسته في موقعه.
2. « وَ إِذْ آتَيْنَا مُوسَی الْکِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّکُمْ تَهْتَدُونَ» (الآية 53 من سورة البقرة).
3.علی امتداد هذه المتکتوبات سوف نبحث أنه کيف وإلی أي مدی يعترف القرآن والنبي محمد (ص) بحق الإنسان في التعبير عن رأيه ووضع قرارات وقوانين ضرورية وهذا هو معنی «الاجتهاد» في الإسلام وأن ما يقوله المتطرفون حول هذا المصطلح ليس إلا من بدعهم المفتراة.

زر الذهاب إلى الأعلى