مؤتمر ريغا الدولي : فرص السلام والمصالحة في العراق

ساحات التحرير
3/3/2015
يبحث مؤتمر ريغا الدولي خلق منصة عالمية تتبنّی فکرة إنهاء الأزمة العراقية بطريقة سلمية خالية من رهانات السلاح والدماء، إلی جانب تحديد آليات التعامل مع تنظيم الدولة الإسلامية المستحوذ علی مساحات شاسعة من البلاد، وتصحيح السياسة الداخلية الخاطئة في العراق
. وقد أشاد مراقبون بفکرة المؤتمر، الذي ينعقد، تحت شعار “الذهاب للسلام والمصالحة في العراق”، حيث أن النقاشات غير الطائفية التي تجمع فسيفساء من الأکاديميين العراقيين والأوروبيين ستساهم في وضع الإصب علی داء الأزمة العراقية والمضي قدما في طرح خيارات المصالحة.
شدّد مشارکون في مؤتمر دولي حول العراق، ينعقد في مدينة ريغا، عاصمة لاتفيا، علی أن المقاربة العسکرية وحدها لا تکفي لحلّ الأزمة العراقية، التي تستمدّ جذورها من سببين رئيسيين: الغزو الأميرکي للعراق في 2003، وسياسة نوري المالکي الطائفية.
وبيّن المؤتمر الذي تنظّمه، مؤسسة “سفراء من أجل السلام”، (2 – 3 مارس 2015)، تحت شعار “الذهاب للسلام والمصالحة في العراق”، أن السياسات التي اتّبعها، ويواصل اتباعها، صنّاع القرار في العالم تشوبها أخطاء جسيمة تزيد من مخاطر الإرهاب عوض الحد منه.
وقال منظّمو المؤتمر إن الهدف منه هو زيادة الوعي وتيسير المناقشات بشأن الوضع الحالي في العراق، ومعالجة المفاهيم الخاطئة في السياسة الداخلية العراقية وکيفية التعامل مع داعش.
وأشار صباح المختار، سفير السلام من المؤسسة الدولية “سفراء السلام للعراق”، إلی أن عقد المؤتمر في ريغا يأتي لکونها مکانا أکثر حيادية وغير منحاز کي نضع مصلحة الشعب العراقي في الطليعة. وعبر عن ثقته بأن قضايا العراق لا يزال من الممکن حلها سلميا، عندما يتمکن العراقيون من الجلوس مع بعضهم مع مساعدة وتوجيه وحتی ضغط من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والأمم المتحدة.
وتؤکد مؤسسة “سفراء السلام للعراق”، أنها تسعی إلی اقتراح حلول تستند إلی عدد من الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي يمکن أن تضع حدا لتقسيم العراق علی أسس سياسية واجتماعية ودينية أو عرقية، وکلها، إلی حد کبير، السبب الرئيسي للمشکلة إلی جانب سوء الفهم من قبل المجتمع الدولي.
روبرت توريسيلي: لقد أسقطنا سلطة دکتاتورية لکننا هدمنا أيضا الدولة بالکامل
وقد أشار بعض الخبراء، الذين يشارکون في المؤتمر إلی جانب العشرات من البرلمانيين والسفراء والباحثين والأکاديميين والقادة السياسيين من الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميرکية والأمم المتحدة والعراق ودول الشرق الأوسط، إلی ضراوة ودموية المعارک المقبلة لاستعادة بعض من استقرار العراق نظرا لتعقّد الوضعين العراقي الداخلي والإقليمي المحيط.
لکن، ذلک لا يعني، وفق المتحدّثين في اليوم الأول من المؤتمر، أنّه ليس هناک من وسيلة لإعادة بناء العراق، الذي يعاني من أزمة سياسية داخلية ومن سيطرة تنظيم داعش المتشدّد علی جزء من أراضيه، بالإضافة إلی التغلغل الإيراني بشکل يقول مراقبون إنه سيؤثّر علی مستقبل البلاد بل وترکيبتها السياسية وحتی الديمغرافية.
والخطوة الأولی لبناء عراق مستقرّ تقتضي إصلاح أجهزة الدولة وتوجهاتها وإيقاف النفوذ المدمّر لإيران في المنطقة، وفق جمال الخميس، رئيس منظمة “سفراء من أجل السلام”، الذي أکّد أيضا علی أن محاربة الأيديولوجيا المتشدّدة لا تتمّ بالوسائل العسکرية فقط.
ويأتي تأکيد المؤتمر علی أهمية التناول السلمي للأزمة العراقية، ردّا علی رهان الولايات المتّحدة علی تسليح الجيش العراقي للقضاء علی المتشددين وتحرير المدن الواقعة تحت قبضة تنظيم الدولة الإسلامية، بالتعاون مع قوّات التحالف الدولي، وأيضا بالاعتماد علی الميليشيات الشيعية التابعة لإيران.
لکن، المقاربة العسکرية وحدها ليست ناجعة لإنهاء الأزمة العراقية؛ وترکيز المجتمع الدولي علی هذا الرهان، يصنّف ضمن ما اعتبره، بيتر هويکسترا، عضو مجلس النواب الأميرکي السابق، من الأخطاء الأميرکية في التعامل مع الأزمة العراقية.
الأخطاء الأميرکية
تحدث السيناتور الأميرکي بيتر هويکسترا، خلال مشارکته في مؤتمر ريغا، عن الأخطاء التي ارتکبتها واشنطن، والتي لم تدرک حتی الآن أنها ارتکبتها. وقال إن المشکلة أن أکثر من نصف أعضاء الکونغرس، الذين يصنعون سياسة الولايات المتحدة في العالم، لم يملکوا جواز سفر، طوال حياتهم، بحسب استطلاع أجري في التسعينات، أي أن کلّ عالمهم محصور في حدود الولايات المتحدة.
ستروين ستيفنسن: لا يمکن أن نتخيل ما يجري في العراق الذي کسرناه ولم نصلحه
وسأل أحد الصحفيين الأميرکيين هويکسترا عما إذا کان الساسة الأميرکيون قد أجروا أي حوار مع الأميرکيين، قبل اتخاذ القرارات التي غيرت حياة العراقيين وسکّان المنطقة؟ فأجاب النائب الأميرکي السابق بالنفي، لکنه قال إنه يأمل أن يکونوا قد “تعلموا من تلک الأخطاء وأن يتحلوا ببعض التواضع ليقولوا إننا أخطأنا”.
وتساءل المحامي العراقي، صباح المختار، في حديث موجّه للسيناتور السابق عن التوجات المستقبلية في الدوائر السياسية الأميرکية؛ فأجابه هويکسترا أن السياسة حاليا، هي التعامل حصرا مع الحکومة في بغداد، وأن جوهرها هو أن واشنطن ينبغي أن لا تتخذ قرارات فردية وعليها أن تنصت أکثر للعراقيين. وقال إن “هناک التزاما مطلقا بمحاربة داعش وأن واشنطن يجب أن تشرک جميع الأطراف في سبل دحر داعش”.
عن الأخطاء الأميرکية، تحدث أيضا، مبعوث الأمم المتحدة في العراق، مختار ليماني، عن الأخطاء الکارثية التي ارتکبتها واشنطن في العراق وأن الأمم المتحدة حاولت مرارا تصحيح البوصلة دون جدوی.
وهذا الفشل مردّه وفق عضو الکونغرس الأميرکي السابق، روبرت توريسيلي، إلی سياسة واشنطن التي لا يمکنها أن تواصل تعلّم نفس الدرس مرات عديدة لتکرر نفس الأخطاء مرة تلو الاخری.
وقال النائب توريسيلي في موقف مؤيّد لرأي مواطنه السيناتور بيتر هويکسترا، “لا يمکننا أن نواصل إملاء قناعتنا التي أدت إلی نتائج کارثية علی الدوام”. وأضاف قائلا إن “السلوک الإنساني يتحدد من خلال الأحداث الکبيرة وإن سنة 2003 غيرت تاريخ المنطقة، وأن خطأ واحدا غيّر مسار التاريخ”.
وتساءل توريسيلي، الذي کان شاهدا علی عملية الغزو الأميرکي للعراق: “کيف يمکن أن نری الوضع الحالي في مهد الحضارة الإنسانية؟ انظروا أين نحن الآن. شخصيا لا أملک سوی أن اعتذر للذين انتخبوني عن تصويتي لصالح حرب الخليج عام 1991”.
کما تساءل مرة أخری “ألم يکن واضحا أن العراق بلد متعدد الهويات ولا يمکن أن يحکم إلا بحکومة مدنية؟ لقد أسقطنا سلطة دکتاتورية، لکننا هدمنا أيضا الدولة بالکامل، ومن ضمنها المؤسسة الوحيدة التي کانت متماسکة وهي الجيش”
..ذات الرأي يؤکّده أحمد حقي محمد، الأمين العام لمنتدی الکفاءات والأکاديميين العراقيين، الذي قال إن “المنتدی يحرص علی ألا تکون له أي مواقف سياسية، لکنه لا يستطيع عدم الحديث عن آثار السياسات وواقع القتال علی الأرض علی حياة العراقيين”.
وأشار حقي محمد إلی البعد المدمّر للنفوذ الإيراني، قائلا إن “هذا الرأي لا ينطلق من أجندة سياسية بل من واقع دوره في استمرار الوضع الکارثي في العراق”.
.خبراء کثر اعتبروا أن أبرز أسباب أزمة العراق سياسة رئيس الوزراء السابق نوري المالکي، الذي نفّذ، طوال فترة وجوده في منصبه، استراتيجية فرِّق تَسُد التي عمّقت المحاصصة العرقية ـ الطائفية.
ورغم أنه لم يعد رئيسا للوزراء إلا أن نوري المالکي لا يزال أحد أسباب المشکلة في العراق، وفق رمزي مارديني، المحلّل في مؤسسة رفيق الحريري.
ويری مارديني أن عزل المالکي من الحياة السياسية سيجعل العراق في وضع أفضل. وتوقع ألا تسمح الخارطة السياسية المعقدة لرئيس الوزراء حيدر العبادي من إجراء إصلاحات جذرية وستقف خطواته حتما عند إصلاحات تجميلية. وأضاف أن هناک مصالح ملتبسة للکثير من دول المنطقة في بقاء تنظيم داعش، ورکز خاصة علی إيران وترکيا وإسرائيل التي يخدم وجود داعش بعض مصالحها علی الأقل. وأشار إلی الارتباک العالمي في توحيد جهود مقاتلة داعش.







