أخبار إيرانمقالات
النفوذ الإيراني: من الصحوة الإسلامية إلی الإرهاب التکفيري

العرب
15/3/2017
15/3/2017
بقلم: علي الأمين
السياسة الإيرانية في المنطقة العربية، في أحسن الأحوال، لم تحسن الحساب وهي تدخل إلی البيئة العربية، لقد عززت من الخطاب المذهبي، وحوّلت الشيعة في هذه المنطقة العربية إلی مجموعة محاصرة ومنعزلة ومختلفة عمّا حولها، وعاجزة عن الاندماج في کياناتها الوطنية، واعتمدت الأيديولوجيا الإيرانية التي يمثلها نظام الحکم اليوم، سياسة اللعب بالتاريخ والحقائق، وتطويعهما ليتناسبا مع الأيديولوجيا ومصالحها.
لقد أوجدت أزمة عميقة مع الواقع العربي السني، حين أتاحت من جهة العبث العلني بالرموز الإسلامية الأولی للسنّة من الخلفاء إلی الصحابة وغيرهم، في الوقت الذي طوّعت العقيدة الشيعية الإمامية لتتناغم مع من هم أبعد عن عقائد الشيعة الإمامية أي العلويين وأتباع المذهب الزيدي کما يقرّ کبار فقهاء الشيعة في التاريخ الإسلامي، فيما سعت هذه الأيديولوجيا في نفس الوقت إلی تعميق الشرخ مع أتباع المذاهب السنية، إذ لا نعثر اليوم في أدبياتها وثقافتها التي جری ترويجها لدی الجماعة الشيعية علی أيّ إشارة إلی أنّ أتباع الطائفة العلوية أو أتباع “الزيدية” هم من أشدّ المذاهب عداء للعقيدة الشيعية بعد انشقاقهم عن المذهب، فيما تنشط هذه الأيديولوجيا بکل وسائلها لفتح جدال حول قضايا خلافية بين السنّة والشيعة، عبر النيل والتهوين من شأن الرموز التاريخية لأتباع هذه المذاهب.
لقد أوجدت أزمة عميقة مع الواقع العربي السني، حين أتاحت من جهة العبث العلني بالرموز الإسلامية الأولی للسنّة من الخلفاء إلی الصحابة وغيرهم، في الوقت الذي طوّعت العقيدة الشيعية الإمامية لتتناغم مع من هم أبعد عن عقائد الشيعة الإمامية أي العلويين وأتباع المذهب الزيدي کما يقرّ کبار فقهاء الشيعة في التاريخ الإسلامي، فيما سعت هذه الأيديولوجيا في نفس الوقت إلی تعميق الشرخ مع أتباع المذاهب السنية، إذ لا نعثر اليوم في أدبياتها وثقافتها التي جری ترويجها لدی الجماعة الشيعية علی أيّ إشارة إلی أنّ أتباع الطائفة العلوية أو أتباع “الزيدية” هم من أشدّ المذاهب عداء للعقيدة الشيعية بعد انشقاقهم عن المذهب، فيما تنشط هذه الأيديولوجيا بکل وسائلها لفتح جدال حول قضايا خلافية بين السنّة والشيعة، عبر النيل والتهوين من شأن الرموز التاريخية لأتباع هذه المذاهب.
أمرٌ آخر يمکن أن نلاحظ من خلاله هذا الخلل في الحسابات الإيرانية تجاه المنطقة العربية والبيئة الثقافية والاجتماعية فيها، برز بشکل فاقع مع بداية ثورات الربيع العربي قبل ست سنوات، حيث هلّلت القيادة الإيرانية للانتفاضات في المنطقة العربية، لکنها حرصت علی تسمية هذه الثورات بالصحوة الإسلامية، وسارعت إلی عقد مؤتمرات ومهرجانات دعت إليها عرباً ومسلمين، لا بهدف دعم الثورات کما أعلنت عن نفسها، بل في محاولة خبيثة لتقويض مصطلح الربيع العربي، وفرض مصطلح الصحوة الإسلامية علی الانتفاضات من تونس إلی مصر وليبيا.
هذا السلوک الذي اعتمدته الأيديولوجيا الإيرانية في البداية ما لبثت هي نفسها أن وقفت في وجهه، عندما أدانت تعبيراته الإسلامية، وراحت بسبب عدم قدرتها علی احتوائه والسيطرة عليه إلی تبني الإرهاب کوصف لما کانت سمته صحوة إسلامية، بعدما انحازت إلی سلطة الاستبداد في سوريا، أو السلطة العلوية أو ما يمکن أن نسميه حکم البعث في أحسن الأحوال داخل سوريا.
بسبب ما تقدم فشلت الأيديولوجيا الإيرانية في إيجاد واقع مستقر في المنطقة العربية. فشلت في العراق بعد الخروج الأميرکي منه، وأنتجت سياساتها في هذا البلد تنظيم داعش.
وفشلت في لبنان، ولم تستطع من خلال حزب الله إيجاد صيغة تقوم علی مرجعية الدولة، بل صنعت صيغة لا تنتج إلا الأزمات ولا تعِدُ بأيّ حلول بل بالمزيد من الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، عبر ترسيخ أسوإ نموذج حکم مر به لبنان في تاريخه الحديث.
وحتی في اليمن لم يطرح التدخل الإيراني وتمدده إلا مشروع نفوذ يرتکز علی ذهنية مذهبية عاجزة عن أن تخاطب اليمنيين بغير الشعارات والعنتريات التي تزيد من الشروخ الوطنية، من دون أن تقدم أيّ مضمون سياسي لإجماع وطني يتجاوز النزعة المذهبية أو القبلية.
وفشلت في لبنان، ولم تستطع من خلال حزب الله إيجاد صيغة تقوم علی مرجعية الدولة، بل صنعت صيغة لا تنتج إلا الأزمات ولا تعِدُ بأيّ حلول بل بالمزيد من الانهيار السياسي والاجتماعي والاقتصادي، عبر ترسيخ أسوإ نموذج حکم مر به لبنان في تاريخه الحديث.
وحتی في اليمن لم يطرح التدخل الإيراني وتمدده إلا مشروع نفوذ يرتکز علی ذهنية مذهبية عاجزة عن أن تخاطب اليمنيين بغير الشعارات والعنتريات التي تزيد من الشروخ الوطنية، من دون أن تقدم أيّ مضمون سياسي لإجماع وطني يتجاوز النزعة المذهبية أو القبلية.
هذه الحسابات الإيرانية التي استنفدت المذهب الشيعي في العالم العربي، وامتصت إمکاناته، فقط في سبيل إيجاد بؤر أمنية وأيديولوجية لها في هذه المنطقة العربية، هي اليوم أمام مأزق عجزها عن استثمار هذه البؤر التي باتت اليوم أکثر ميلاً لإعادة بلورة نظام مصالحها الوطنية، بعدما تبيّن أنّ السياسات التي اندفعت أو دُفعت إليها في السنوات الماضية حصيلتها المزيد من الانهيار والانحدار.
القيادات العراقية الشيعية علی اختلافها اليوم لم تعد حريصة علی تکرار زيارة طهران لتثبيت سلطتها في العراق، کما کان الحال منذ العام 2003 وبعد العام 2010، فيما وفر الانخراط الأميرکي في قتال تنظيم داعش ودعم الجيش العراقي وحکومة حيدر العبادي، وإعادة الحياة إلی العلاقة مع السعودية، فرصة لإعادة الاعتبار إلی الحيز الوطني العراقي، بعدما أدی الانصياع الکامل للإستراتيجية الإيرانية، إلی نتائج وخيمة علی الاقتصاد وعلی وحدة البلد، وساهم في زيادة تصدع الدولة وبروز تنظيم داعش الذي تمدد في مرحلة الاعتداد الإيراني باکتمال الهلال الشيعي.
القيادات العراقية الشيعية علی اختلافها اليوم لم تعد حريصة علی تکرار زيارة طهران لتثبيت سلطتها في العراق، کما کان الحال منذ العام 2003 وبعد العام 2010، فيما وفر الانخراط الأميرکي في قتال تنظيم داعش ودعم الجيش العراقي وحکومة حيدر العبادي، وإعادة الحياة إلی العلاقة مع السعودية، فرصة لإعادة الاعتبار إلی الحيز الوطني العراقي، بعدما أدی الانصياع الکامل للإستراتيجية الإيرانية، إلی نتائج وخيمة علی الاقتصاد وعلی وحدة البلد، وساهم في زيادة تصدع الدولة وبروز تنظيم داعش الذي تمدد في مرحلة الاعتداد الإيراني باکتمال الهلال الشيعي.
الفضيحة الإستراتيجية الإيرانية هي في المعادلة السورية، تلک التي بذلت إيران کل رصيدها من أجل المحافظة علی نفوذها فيها وعلی حکم البعث، وحکم الأقلية العلوية، فما قدمته إيران من مال ومن دماء الميليشيات الشيعية ومن رصيدها لدی الشعوب العربية لم تبذله أي دولة، سواء دعمت نظام بشار الأسد أو دعمت معارضيه، لا يمکن مقارنة الخسائر التي قدمتها إيران في سوريا بخسائر الدول الخليجية وترکيا وروسيا، مجتمعة. بعد عشرات المليارات من الدولارات، ونحو عشرة آلاف قتيل من الميليشيات الشيعية وأضعاف هذا العدد من الجرحی، لم تنجح إيران في أن تفرض نفسها کمرجعية، بل هي من استنجد بالتدخل الروسي وسلمت صاغرة مقاليد الوضع لموسکو.
روسيا کانت أکثر دقة في حساباتها السياسية، وأکثر وعيا بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة العربية، فرغم الدموية التي اعتمدتها في ضرب معارضي الأسد، إلاّ أنّها تشبثت بالدبلوماسية، فهي في لحظة إنجاز انتصارها في حلب، سارعت إلی فتح أوسع قنوات التواصل والتعاون مع ترکيا، وعززت علاقاتها مع أطراف المعارضة المسلحة في هذه اللحظة التي کانت فيها السياسة الإيرانية تريد الذهاب بعيداً في القضاء علی کلّ معارضي الأسد، لم تستجب روسيا، ليس لأن الإيرانيين أقرب إلی الأسد من الروس، بل لأنّ منطق السياسة ومصالحها يفرضان أنّ المعارضة السورية مهما کانت ضعيفة أو هشّة أو منقسمة، هي وحدها من يمثل المکوّن السني ويستحيل أن يکون الأسد ممثلاً له، فالأسد في أحسن أحواله لا يمکن أن يکون إلاّ ممثلاً للمکون العلوي.
روسيا کانت أکثر دقة في حساباتها السياسية، وأکثر وعيا بمصالحها الإستراتيجية في المنطقة العربية، فرغم الدموية التي اعتمدتها في ضرب معارضي الأسد، إلاّ أنّها تشبثت بالدبلوماسية، فهي في لحظة إنجاز انتصارها في حلب، سارعت إلی فتح أوسع قنوات التواصل والتعاون مع ترکيا، وعززت علاقاتها مع أطراف المعارضة المسلحة في هذه اللحظة التي کانت فيها السياسة الإيرانية تريد الذهاب بعيداً في القضاء علی کلّ معارضي الأسد، لم تستجب روسيا، ليس لأن الإيرانيين أقرب إلی الأسد من الروس، بل لأنّ منطق السياسة ومصالحها يفرضان أنّ المعارضة السورية مهما کانت ضعيفة أو هشّة أو منقسمة، هي وحدها من يمثل المکوّن السني ويستحيل أن يکون الأسد ممثلاً له، فالأسد في أحسن أحواله لا يمکن أن يکون إلاّ ممثلاً للمکون العلوي.
علی هذا المنوال من الحسابات السيئة، والفهم الناقص للبيئة العربية، يتراجع النفوذ الإيراني الذي يبدو اليوم منصاعاً لا مختارا لمعادلة توازن مرجعيتها روسيا في المعادلة السورية، فسوريا انتقلت اليوم إلی مکون آخر ليست إيران مرجعيته، إذ أن موسکو منذ تدخلت عسکرياً في سوريا، لم تکن متعارضة مع الموقف الأميرکي، بل نسقت في العديد من الخطوات معه، التزمت أيضاً بالمصالح الإسرائيلية في سوريا، ومنعت نشوء نفوذ إيراني علی حدود الجولان، وجاء التنسيق الروسي- الإسرائيلي، في أعقاب خسائر أنهت کل رصيد المقاومة الذي امتلکه حزب الله لدی البيئات العربية، صار حزب الله عاجزاً عن خوض مغامرة حرب مع إسرائيل کما جری في العام 2006، فهذه المغامرة کانت رغم کارثيتها ممکنة في حينه، يسندها رصيد في الوجدان العربي، ومصالح سوريا حين کانت لما تزل دولة وقوة إسناد له، ويسندها تحالف کان مع حرکة حماس في حينه، فيما العلاقة اليوم مترددة معها في أحسن الأحوال.
فقد حزب الله کل هذه الأرصدة، ويدرک اليوم أکثر من أيّ وقت مضی أنّ حاضنته الشيعية عاجزة عن تحمل حرب مکلفة جداً وهذه وحدها کافية لتلجم حزب الله عن تکرار أيّ مغامرة أو خطأ يمکن أن يفجر الحرب مع إسرائيل في لحظة تربص به من کل ما يحيط به وببيئته لبنانياً وسورياً، وهذا بحد ذاته ما يلبي مطلباً إسرائيليا حين تصبح الحاضنة الشيعية وحزب الله نفسه، من أشدّ الحريصين علی استقرار الجبهة مع إسرائيل، أما عنتريات الحزب فهي لزوم حماية معادلة الاستقرار مع إسرائيل لا تقويضه.
في هذه الوقائع الإيرانية غير المطمئنة؛ لا في سوريا ولا في العراق ولا في الحلقة اللبنانية، برز أخيرا ما يؤشر علی نوع من الانفلات المسيحي من القيد الإيراني، عبّر عنه بطريرک الموارنة بشارة الراعي قبل يومين، في أول موقف له يتسم بنبرة جديدة ترفض تدخل حزب الله في سوريا، حين قال إنّ تدخل حزب الله في القتال في سوريا “قسّم اللبنانيين”، وأضاف أنّ “حزب الله خرج علی سياسة النأي بالنفس التي اعتمدتها الدولة اللبنانية عبر إعلان بعبدا تجاه الأزمة السورية”.
تصدع الهلال الإيراني في المنطقة العربية واهتراء حلقاته يفاقمان أزمته اليوم، وهو تصدع لم يتأت من عوامل خارجية، بقدر ما کان نتيجة خيارات أقل ما يقال فيها تفتقد إلی فهم المنطقة العربية. وما يفاقم أزمة هذا الهلال الشيعي کما يسميه البعض أنّ السياسة الأميرکية تجاهه لم تعد کما کانت، فسياسة الاحتواء التي اعتمدها الرئيس السابق باراک أوباما تجاه إيران، انتهت اليوم، في ظلّ نزعة عدائية تعبر عنها کل عناصر الإدارة الأميرکية الحالية تجاه طهران، وعلی رأسها دونالد ترامب، وهي سياسة وإن لم تتضح خططها وتفاصيلها بعد، إلاّ أنّها مسکونة بالرغبة في استعراض القوة، وهي أقل عقلنة وتردداً من سياسة أوباما، وما يربک إيران أکثر أنّ ترامب أکثر ليونة من سلفه تجاه دول الخليج، ولم يصدر عنه أيّ موقف يُشتمّ منه نوع من المناکفة مع دول الخليج التي استثناها من قرار منع دخول مواطنيها إلی أميرکا، فيما إيران کانت علی رأس لائحة الدول وربما هي المقصود من هذا القرار.







