مقالات

الاتفاق النووي مع إيران يهدد السلام

 



الشرق الاوسط
19/7/2015


بقلم:عادل درويش 


«الزفة» التي يقودها الرئيس الأميرکي لترويج الاتفاق الأخير بين القوی الکبری (الخمس الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن مع ألمانيا) وإيران، ينظر إليها أهل المنطقة بمنظور اختبروا فيه بأنفسهم أطماع إيران في استراتيجية طويلة الأمد للهيمنة علی الخليج وتصدير الثورة والمتاعب.
وواقعيًا مخاوف الإسرائيليين حقيقية؛ فبجانب تکرار التهديد بمحو إسرائيل، فإن أي انفجار نووي لا يهلک فقط الفلسطينيين والإسرائيليين معًا، بل يتساقط غباره المميت علی الجيران العرب، ورغم ذلک، فإن الدول المهددة مباشرة من طهران لم تشترک في المفاوضات التي اقتصرت علی دول لا تهددها إيران واقعيًا.
ظهر الدهاء الإيراني والصبر، الذي قد يفوق صبر أيوب، في مفاوضات زادت علی عقد کامل خرجوا منها بنتائج لم يحلم بها المتفائلون بينهم.
لم تدخل الجمهورية الإسلامية المفاوضات لغرض السلام، بل للخروج من مأزق اقتصادي دخلت فيه نتيجة العقوبات التي فرضت عليها بسبب إخفاء منشآت وتکنولوجيا البرنامج النووي عن الوکالة الدولية للطاقة الذرية.
ولولا وثائق المعارضة الإيرانية عام 2003 لظل مرکز تخصيب اليورانيوم في ناتانز غائبًا عن ملفات الوکالة الدولية في فيينا. کذلک حال المرکز الأکثر تقدما في إنتاج مکونات الأسلحة الذرية في جبل «فوردو» المحصن، الذي لم يذکر في الوثائق التي قدمتها إيران للوکالة واکتشف منذ ستة أعوام فقط (بينما المفاوضات دائرة) بفضل خبير شارک فيه ولجأ إلی بريطانيا وقدم المعلومات.
السؤال الدائر لسنوات: إذا کان الغرض من تخصيب اليورانيوم سلميًا فقط، فلماذا السرية الکاملة وإخفاء إيران مراکز تخصيب اليورانيوم تحت جبال محصنة؟
فبجانب المراوغة في تفاصيل التفتيش ونوعه، کانت إيران تخفي معامل کاملة ومواقع کثيرة عن الوکالة الدولية وتستمر في التفاوض.
ومنذ أکثر من عشر سنوات عرض العالم علی إيران تقديم اليورانيوم المخصب من أطراف لا تعاديها الآيديولوجيا الخمينية کالصين وروسيا، لکن إيران أصرت، بشکل يدعو للقلق، علی تخصيب اليورانيوم بنفسها بتکاليف تبلغ أضعاف ثمن استيراد المثيل المخصب.
أسباب دعت الجيران إلی التشکيک في نيات بلد يمتلک من الثروة الطبيعية في البترول الخام ثاني أکبر احتياطي في العالم، إلی جانب الطاقة الشمسية وموارد الطاقة الهيدروليکية.
وبعد أکثر من عقد من المفاوضات وتوقيع الاتفاقية التي يهلل أوباما واليسار الطفولي العالمي لها، أتحدی أي خبير أو دبلوماسي في العالم أن يقول إنه يعرف بالضبط الأغراض والنيات الحقيقية طويلة الأمد للبرنامج النووي الإيراني.. بل وأتحدی الخبراء والدبلوماسيين الذين توصلوا إلی الاتفاق أن يقدموا تفسيرات يقبلها العقل للتناقضات والفجوات في المعلومات والروايات التي قدمها الخبراء والدبلوماسيون الإيرانيون في بداية المفاوضات وأثنائها وقبل وبعد اکتشاف المواقع التي أنکرت إيران وجودها أصلاً.
وبدلاً من الإجابة المقنعة عن هذه الأسئلة المعقولة (والقانونية حسب متابعة الوکالة لتطبيق معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية) وشرح أسباب التناقضات وفتح الأبواب للمفتشين، فإن إيران رفضت تقديم المعلومات المطلوبة؛ بل وعدّت (علنًا في مؤتمرات صحافية) أن مطلب الوکالة الدولية أن يقوم مفتشوها بزيارة هذه المواقع «إهانة وعدم احترام لسيادة إيران الوطنية». ببساطة فجرت إيران مشکلة دبلوماسية مع الوکالة ليکون الخلاف ذا طابع سياسي وليس تقنيًا حول طبيعة هذه المواقع التي أخفتها إيران، والتالي تحويل الأنظار والجهود عن المشکلة الحقيقية.
کان المتوقع والطبيعي في هذه الحالة أن يکون رد واشنطن (بوصفها القوة العظمی الکبری التي تقود التحالف العالمي ويصدعنا رؤساؤها صباحًا ومساءً بسمو ورفعة القيم التي ضمنها الدستور الأميرکي في الحرية والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان؛ أي عکس الواقع اليومي الذي يختبره المواطن الإيراني) علی المراوغة الإيرانية ورفضها التعاون مع إحدی أهم وکالات الأمم المتحدة التي تعمل للسلام العالمي، هو إبقاء العقوبات الاقتصادية والمالية والحظر علی تصدير الأسلحة، کما هي؛ بل وتشديدها حتی يقدم نظام آية الله الخميني الإجابة عن کل أسئلة الوکالة ويتعاون تعاونًا کاملاً مع مفتشيها. للأسف لا يسکن البيت الأبيض اليوم رئيس في حسم وقوة رونالد ريغان؛ فبدلاً من الإصرار علی أن يقدم ملالي إيران وقادة الحرس الثوري فيها کشف الحساب کاملاً وإيقاف الطموح النووي (لغرض سياسي هو الهيمنة علی المنطقة)، يحتفل الملالي وحلفاؤهم من مصدري الثورة والمتاعب وعدم الاستقرار، وأنظمة مثل «البعث» السوري، بخروجهم فائزين من ماراثون المفاوضات التي أنهکت الجميع؛ ولا يعرف أحد بالضبط ما نيات الملالي الحقيقية. انتهت المفاوضات باتفاقية تسمح لإيران بالاحتفاظ بکل الوسائل والتکنولوجيا والمواد والأدوات التي تمکنهم ذات يوم من ترکيب قنبلة نووية في غضون أيام وربما ساعات؛ مع وسائل إيصال القنبلة النووية إلی أهدافها کالصواريخ الباليستية.
الإيرانيون مغتبطون بالاتفاقية (يسمونها تاريخية طبعًا)، فهم يتوقعون رفع العقوبات التجارية وسيولة أرصدتهم المجمدة التي تقدر بنحو 150 مليار دولار. المسؤولية (التاريخية طبعًا!) يتحملها الرئيس أوباما؛ فبدلا من الاهتمام بإحکام العقوبات حتی يطبق الملالي القانون الدولي، قصر همه علی دوره التاريخي بوصفه رئيسًا لم يرسل قوات أميرکية للحرب وأول من توصل لاتفاقية (تاريخية) مع إيران.
تناسی أوباما (زعيم «الشيطان الأکبر» في القاموس الإيراني) أن مؤسس الجمهورية الخميني (الذي لم يدع مرة واحدة إلی التسامح أو السلام أو المحبة) وضع شعائر صلاة الجمعة الرسمية بالصرخة الثلاثية: «الموت لأميرکا الشيطان الأکبر».
الفجوة بين تفکير الرئيس أوباما – إذا کان يصدق بالفعل ادعاءه بأن الاتفاقية «تغلق ممرات إيران نحو الأسلحة النووية» – وما يعرفه أهل المنطقة عن مراوغة الإيرانيين وطموحات المتشددين في الجمهورية الإسلامية، هي فجوة بعمق واتساع المحيط الأطلسي وليس الخليج.
فما الآليات المتاحة لإجبار الإيرانيين علی الالتزام بشروط الوکالة الدولية لقيام المفتشين بعملهم، خاصة في مواقع لا تزال محتوياتها وأدواتها في کهف الغموض؟
وإلی جانب القلق من أن الإسرائيليين قد تدفعهم مخاوفهم الحقيقية وفقدان الثقة الآن بالسياسة الخارجية الأميرکية، إلی عمل متسرع لا تحمد عقباه؛ فإن الجانب العربي من الخليج، وهو المستهدف من الاستراتيجية الإيرانية، من حقه أيضا اتخاذ إجراءات لمواجهة هذه الخطر بالتوازن التسليحي.
المشکلة ليست في نوعية التکنولوجيا التي «شرّعت» الاتفاقية حصول الإيرانيين عليها، بقدر ما هي نيات الجمهورية الإسلامية. سيولة نقدية تصل إلی 150 مليار دولار ستتيح للمخابرات الإيرانية وجماعات العنف التابعة لها الإنفاق علی نشاطات تخريبية تهدد الاستقرار والسلام في المنطقة کلها، التي لا يمکن لوم أهلها علی السعي إلی التوازن نوويًا مع إيران.
اتفاق لا يضمن استقرارًا أو سلامًا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.