وهم إقامة الإمبراطورية في إيران

العربية.نت
24/4/2015
بقلم:کامل عباس
تفاءلنا نحن السوريين کثيراً بانفجار غضب الشعب السوري علی حکامه الديکتاتوريين أخيراً، وظننا ان من المستحيل أن يحصل لمدنه ما حصل لمدينة حماة أوائل الثمانينات من تدمير ممنهج، لأن الزمن اختلف کثيراً. فانتفاضته تحصل في ظل نظام عالمي جديد يرفع فيه الجميع راية الديموقراطية وحقوق الإنسان، ووسائل اتصاله ومواقع تواصله الاجتماعية ستنقل لحظة بلحظة معاناة شعبه مع حکامه لو فکروا بفض انتفاضته بنفس الطريقة السابقة. لکن ما جری ليس لمدينة حماة فقط بل لکل المدن السورية کان أشد وأمر، حيث استعملت کل الأسلحة القديمة والحديثة من الرصاص الحي الی القذائف المدفعية والصواريخ والطائرات والبراميل المتفجرة مروراً بالسلاح الکيماوي، ناهيک عن الحصار والتجويع والقتل تحت التعذيب لآلاف المواطنين. والمجزرة ما زالت مستمرة منذ ما يزيد عن الأربع سنوات.
والواقع ان ذلک ما کان له ان يحصل للشعب السوري لولا لهاث ايران وراء حلمها الأمبراطوري وخوضها المعرکة ضد ثورته. والحلم الإمبراطوري هدف معلن، فقد اعلن عنه مباشرة ومن دون تورية، في حديث مستشار الرئيس حسن روحاني، خلال مؤتمر عقد الشهر الماضي في طهران عن «إيران والقومية والتاريخ والثقافة». قال المستشار علي يونسي، الذي کان رئيس الاستخبارات في عهد الرئيس الأسبق محمد خاتمي، موجهاً کلامه إلی الحضور: «کان لإيران منذ نشأتها بُعد عالمي. لقد ولدت إمبراطورية. وطالما شغل هذا البُعد العالمي فکر قادة إيران ومسؤوليها وأفراد إدارتها».
وحدد أراضي الإمبراطورية الإيرانية، التي أطلق عليها اسم «إيران العظمی»، موضحاً أنها تمتد من حدود الصين، وتضم شبه القارة الهندية، وشمال وجنوب بحر القوقاز، والخليج العربي، وذکر أن العراق هو عاصمة الإمبراطورية الإيرانية، في إشارة إلی مدينة بابل القديمة، العراق حالياً، الذي ظل مرکز الحياة للفرس لقرون. وقال: «سندافع عن کل شعوب المنطقة لأننا نعتبرهم جزءاً من إيران. ويجب أن نحاول مرة أخری نشر راية الوحدة الإسلامية الإيرانية، والسلام في المنطقة، وعلی إيران تحمّل هذه المسؤولية کما فعلت في الماضي». وأضاف أن هدف ما تفعله إيران هو ضمان أمن الناس فيها، مضيفاً أن المملکة العربية السعودية لا ينبغي أن تخشی أفعال إيران لأن السعوديين غير قادرين علی الدفاع عن أهل المنطقة، وإن أي شيء يدخل إيران يصبح أفضل لأنه يصبح إيرانياً، خصوصاً الإسلام، مضيفاً أن الإسلام في شکله الإيراني هو الإسلام الخالص الصحيح، فقد خلصه من کل آثار القومية العربية.
وليست هذه آراء فرد، بل هي آراء تعتنقها النخبة الإيرانية، وهي ليست بالجديدة، فهي تعود إلی عقود مضت، وهي ضاربة بجذورها في المجتمع الإيراني والثقافة الفارسية.
مثّل خطاب يونسي الخطوط العريضة لإستراتيجية إيران وسلوکها في المنطقة القائم علی تقويض دول الجوار العربي باستخدام التحريض الطائفي ضدها، وقد کان نصيب الثورة السورية، ثورة الحرية والکرامة التي انفجرت ضد الاستبداد والاستئثار والتمييز، نزول ايران بکل طاقتها السياسية والمالية والتسليحية وحشد مقاتلي الميليشيات الشيعية من لبنان والعراق الی باکستان مروراً بأفغانستان واليمن وإيران ذاتها، حيث أوفد جنرالات الحرس الثوري وعناصر فيلق القدس لمنع انتصار الثورة ووضع اليد علی سورية وتحويلها الی محافظة ايرانية، کما أعلن رجل الدين الإيراني مهدي طائب المقرب من خامنئي ورئيس مرکز «عمّار الإستراتيجي» لمکافحة ما يسمی الحرب الناعمة ضد الجمهورية الإسلامية. وقد عزّزت روسيا قدرة ايران علی منع انتصار الثورة عبر تقديم الأسلحة والخبرات التقنية ناهيک عن استخدام حق النقض (الفتيو) اربع مرات في مجلس الأمن لمنع إدانة النظام ومعاقبته علی الممارسات الوحشية ضد المدنيين العزل.
وما زاد في کارثية الوضع تزامن التحرک الإيراني في المشرق العربي بعامة وسورية بخاصة مع المفاوضات حول الملف النووي الذي جعل الولايات المتحدة تتعايش مع التغوّل الإيراني وتحدّ من حرکة الدول الصديقة للثورة السورية ومن دعمها، کي لا ينعکس ذلک سلباً علی هذه المفاوضات.
لم يخذل اوباما الشعب السوري فقط بل کثيراً من الأميرکيين الذين انتخبوه ظناً منهم ان سلوکه لا يمکن ان يکون مشابهاً لسلوک سلفه بوش الابن، فإذا به يذهب بعيداً في الترکيز علی المصالح المادية علی حساب المبادیء والقيم الإنسانية.
يبقی أن وهم إقامة إمبراطورية علی اشلاء امم کثيرة وعلی الضد من منطق التقدم والحريات لن يفلح في قهر ارادة الشعب السوري الذي خرج من اجل حياة حرة کريمة بالتوافق مع حرکة التاريخ في التحرر والتقدم.







