الاتفاق الإيراني وتغير قواعد اللعبة

الشرق الاوسط
25/7/2015
بقلم: طارق الحميد
يفترض أن نتجاوز الآن النقاش حول من انتصر ومن خسر في الاتفاق النووي الإيراني، وننتقل إلی التفکير جديًا بتبعات ذلک الاتفاق، وخصوصًا بحال تمريره في الکونغرس الأميرکي، فالأکيد الآن أن قواعد اللعبة قد تغيرت بالمنطقة تمامًا. وهذا التغيير لا يعني بالطبع أن حال المنطقة سينتقل للأفضل، بل ربما للأسوأ.
في حال تمرير الاتفاق النووي، والغربي، مع إيران، فالأکيد أن الصراع مع إيران بالمنطقة سيأخذ أشکالاً مختلفة تمامًا، ومسرحًا مختلفًا أيضًا، فبعد الاتفاق سيکون الصراع مع إيران ليس بمناطق الصراع: سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن، بل سيکون صراعًا دبلوماسيًا أيضًا بالمحافل الدولية، حيث سيکون لإيران موطئ قدم هناک، وسيکون صراعًا اقتصاديًا، وتکنولوجيًا، وخلافه. بعد الاتفاق ستدخل إيران الدول الأوروبية عبر الأبواب، وليس النوافذ، أو من خلال شرکات وهمية، وستکون هناک عقود استثمارية، وانفتاح اقتصادي. والأمر نفسه سيتم في بعض الدول العربية التي ستهرول لإيران، ومثلها جماعات، وأحزاب، تعتقد أن الاتفاق الإيراني الغربي فرصة للانتهازية السياسية علی أن تحسن تلک الأحزاب أوضاعها، أو تعود للارتماء بأحضان إيران، وأبسط مثال علی ذلک الإخوان المسلمون الذين لا يمکن الثقة بهم، أو التعويل عليهم.
والأمر لا يقف عند هذا الحد، بل إن الاتفاق مع إيران سيمنح آمالاً حتی للمتطرفين السياسيين، مثل نوري المالکي الذي خرج مهاجمًا السعودية، وکذلک المجرم بشار الأسد الذي يری نظامه أن الاتفاق النووي مع إيران قد يمثل له طوق نجاة. کل ذلک يقول إن قواعد اللعبة بالمنطقة قد تغيرت، وإن الصراع مع إيران قد أخذ منحی آخر، سياسيًا، ودبلوماسيًا، واقتصاديًا، وإعلاميًا، وهو ما يتطلب أدوات أکثر جدية، وفعالية، من قبل قوی الاعتدال بالمنطقة لمواجهة إيران، ونفوذها التخريبي بالمنطقة. صحيح أن ما يمکن أن تقوله دول المنطقة سياسيًا، ومنها السعودية، مختلف عما تعتقده حول الاتفاق النووي مع إيران، إلا أن الأفعال يجب أن تکون مختلفة، والأدوات کذلک. فالآن وقت العمل الجاد، والمنظم، والمبادرة، وليس ردود الفعل. الآن وقت وضع قائمة أولويات، وأهداف محددة، وأخذ زمام المبادرة، ولا بد من تحرکات تضع إيران في حالة دفاع، وليس العکس. اليوم ليس وقت مقاطعة، ولا انکفاء، بل مبادرة، وانطلاق، وحضور.
ومن الخطأ الآن الترکيز فقط علی من خسر ومن کسب بالاتفاق الإيراني، فالأکيد هو أنه لا يمکن الوثوق بإيران. والأکيد أيضًا أن قواعد اللعبة قد تغيرت، وقادم الأيام لن يکون سهلاً، وعلی من يريد التفوق بالصراع القادم أن يسعی للعب دور جدي قائم علی المبادرة، والتحرک المحسوب، سياسيًا، ودبلوماسيًا، واقتصاديًا، وإعلاميًا، فلا يمکن أن نخوض هذه المعرکة بنفس الأدوات القديمة، وهذا ينطبق علی إيران أيضًا، وهنا تکمن ورطة إيران الحقيقية، حيث ليس بمقدورها أن تکمل هذا النهج العدواني الآن وبنفس الأدوات الإجرامية المتخلفة، من قاسم سليماني، إلی الميليشيات الشيعية المتطرفة، فهل نستوعب ذلک؟ هذا هو المرجو.







