أخبار إيران

حدود الاسلام مع التطرف الإرهابي
(الحلقة العشرين)

بقلم: سماحة الشيخ جلال کنجئي
علی امتداد بحث تکفير المسلمين من أصحاب الآراء الأخری من قبل التطرف الإرهابي والسجل الأسود لهذا الموضوع تناولنا موضوع تکفير مجاهدي خلق الإيرانية من قبل روح الله خميني مؤسس استبداد الملالي الإرهابي الحاکم حاليًا في إيران وأنهينا هذه الدراسة في الحلقة السابقة (19). ولکن في نهاية الدراسة وصلنا إلی التساؤل بأن: «هذه الحکومة او القيادات المتطرفة الارهابية ومن ضمنها خميني والنظام التابع له هل تقوم باعمالها وعدائها العنود القاسي ضد بقية المسلمين وبتکفيرهم وقتلهم الإجرامي البشع علی اساس نظرة دينية او معتقد ديني رجعي؟ أم ان هذا العداء الإجرامي تعود الی خصائص شخصية مريضة لقادتهم الخبثاء. بمعني نفترض لو کانت مکانه آية الله خميني بيد آية الله آخر او آية الله معارض له – وهم ليسوا قليلين بل کثيرون – فهل عندئذ أيضًا لکان يمارس الغدر والمؤامرات ويرتکب الجرائم بنفس الابعاد ونفس الحجم وبذات الشناعة والخبث؟».
إن أهمية هذا السؤال الذي کان ولا يزال مطروحاً منذ القدم في بال العديد من المواطنين وحتی المراقبين الآخرين تکمن في أن هناک لا يزال بعض الأصوات يدافعون عن «ولاية الفقيه» ولکن من نوع آخر!! في تلک الحلقة (19) وعدنا بتناول هذا الموضوع في الحلقة العشرين وأشرنا إلی أن الرد الدقيق علی الأسئلة المنبثقة عن هذا الموضوع سيکون متضاربًا بحد ما أو وبعبارة أدق هکذا سيبدو في الظاهر.
أما القواعد الأساسية لهذا الرد، فهي کالتالي:
القاعدة الأولی وهي ذات الرکن الأول في تعريف التطرف الذي يدعي أن أحکام «الفقه والشريعة» أحکام واجب التنفيذ.هذه القاعدة أو المبدأ تعني لا محالة کون أي تشريع وسنّ أي قانون مستقل قائم علی المنجزات البشرية عمل محظور وحرام. فعلی سبيل المثال يحرم ويحظر تنفيذ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وبقية المواثيق الدولية التي ليس الالتزام بها وتنفيذها ينفي ويرفض «الفقه والشريعة» في مختلف القطاعات فحسب ومنها المساواة والتکافؤ بين الإنسان المسلم وغير المسلم أو المساواة التامة بين المرأة والرجل وأمثالها، وإنما يتنافی الأسس العقائدية لـ «الفقاهة» و«مدعي الشريعة». لأن «الفقه والشريعة» أسس علی أن الله هو الذي فقط يحق له وضع القانون وحسم أمور عباده من الأناس وأن الله سنّ هکذا قانون وقرارات وأبلغ بها أبناء البشر وهي ذات المضامين في «الفقه والشريعة» التي ليست إلا قوانين إلهية ولا يحق لأحد إحداث أي تغيير فيها. وفي هذا المجال لا يبقی هناک أي عمل مسموح به إلا کشف وشرح ذات القوانين الإلهية من قبل الفقهاء الاختصاصيين ومن داخل النصوص الدينية المقدسة. ولهذا السبب تمامًا يأتي رفض وإلغاء هذه الأحکام (الفقه والشريعة) بأي استدلال اجتماعي وتاريخي وعقلاني کان، يأتي بمعنی إنکار حق الله في التشريع ورفض تبعية العباد إلی الله وهذا يساوي «الارتداد» أي الخروج من جماعة المسلمين والالتحاق بمعسکر الکفر!!
لهذا السبب وحتی هذا العصر ليس هناک أي مدع للفقه والمرجعية الدينية سواء من الشيعة أو السنة إلا واعتبر ذات القرارات والأحکام المسماة بـ «الأحکام الشرعية» من أحکام الطهارة والنجاسة إلی أحکام الرجم وقطع الأيدي والأرجل وأمثالها أحکامًا شرعية و«الشريعة الإسلامية» ويعتبر تنفيذها وتطبيقها واجبًا علی جميع المسلمين. وهنا الفرق الوحيد بين هؤلاء المدعين للفقه والشريعة أي الجزميين الدينيين هو اعتقاد المتطرفين الإرهابيين بضرورة إنشاء نظام حکم والحصول علی السلطة السياسية ضمانًا لتطبيق أحکام «الفقه والشريعة». ومقابل ذلک، هناک آخرون من الجزميين لا يعتبرون أنفسهم مکلفين بإنشاء هکذا حکومة ويعتذرون عن ذلک. علمًا بأنهم أي هؤلاء الأخيرين وفي حالة إنشاء مثل هذه الحکومة الإرهابية من قبل الفريق الأول أي المتطرفين، فيرافقونهم ويعتبرون مثل هذه الحکومة «إسلامية» ويشارکون ناشطين حتی في السلم القيادي لمثل هذه الحکومة. الأمر الذي لاحظنا العشرات من الأمثلة عليه حيث کنا نری «رجال دين» و«مجتهدين»و«شرائعيين» أو بالأحری «متشرعين» أثناء الثورة الإيرانية المناهضة للملکية من الذين کانوا يعتذرون حتی الأمس عن دخول السياسة والنضال وحتی کانوا يتعاونون مع شرطة الشاه السرية (السافاک)، ولکن بعد انتصار ثورة عام 1979 في إيران فوجئنا بأنهم أشغلوا مقاعد في مجلس خبراء الدستور متشدقين بـ «ولاية الفقيه» وهم يعملون علی الترويج لجزميات «الفقه والشريعة».
ويبقی هناک مفکرون وزعماء مسلمون مختلفون عما تقدم ذکرهم وذلک طيلة التاريخ الإسلامي منذ العهود البائدة وحتی الآن رؤيتهم ونظرتهم إلی الإسلام کانت ولا تزال مختلفة أساسًا وهم لا يعتقدون أن الواجبات والمحرمات الإسلامية هي أحکام جزمية ومعلبة ومتحجرة تتضمنها الرسائل (الکتب) المؤلفة لجميع المسلمين وفي کل حقب التاريخ ولکل الظروف البيئية والاجتماعية، لا، بل إنهم يعتبرون من واجب المسلمين والإنسانية أن يطيعوا الله ورسوله محمد (ص) وبذلک يقوموا أنفسهم بالاجتهاد وکشف وتعيين أمثل الحلول المناسبة في الظروف الاجتماعية المتغيرة والتاريخية ويستبدلونها عند اقتضاء الحاجة والضرورة بقوانين أنسب وأمثل وأن لا يقولوا أبدًا مثل المشرکين في الجاهلية: ««وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ کَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ» (القرآن الکريم – الآية170 من سورة البقرة). والعديد من الآيات الأخری في القرآن الکريم يؤکد مضمون هذه الآية. علمًا بأننا سوف نعرّف مزيدًا من رموز هکذا تيار واتجاه في التاريخ.



تحذير ضروري
هنا في مکانه أن نلفت انتباه القراء إلی خطأين محتملين ونوجه التحذير اللازم. الخطأ الأول قد يحصل نتيجة ملاحظة الخلافات التي ليست بقليل بين الفقهاء حول بعض من الآداب والفروع الشرعية. فعلی سبيل المثال کان هناک دومًا خلافات بين مختلف الفقهاء الجزميين علی شروط إثبات جريمة الزنا أمام المحکمة الشرعية بأنه هل شهادة الشهود تتسم بالشروط المعينة أو هل تحقق اليقين والوثوق لدی قاضي الشرع أو ما يصطلح بـ «علم حاکم الشرع» بأن الجريمة قد وقعت؟. ولکن في کلا الرأيين عندما ثبتت جريمة زنا المحصنة سواء بشهود ذوي المصداقية أو بيقين القاضي، فلم يعد أحد من هؤلاء الجزميين يتردد في وجوب رجم المجرم وکون هذه العقوبة واجبة. أما الخطأ الثاني فقد يحدث نتيجة الخلط بين «الأحکام الأولية» و«الأحکام الثانوية». فعلی سبيل المثال أصدر فقهاء شيعة وسنة في الآونة الأخيرة فتاوی حول حجاب الفتيات المسلمات في مدارس الدول الخارجية مثلاً في فرنسا فتاوی بالتساهل ليس لأنهم أعادوا النظر في حکم «الحجاب الشرعي» الذي هو من الأحکام الأولية وإنما أفتوا علی أساس «الأحکام الثانوية» مثل «رفع العسر والحرج» الذي کان مطروحًا ومقبولاً علی صواب منذ القدم. فحسب قواعد «الأحکام الثانوية» عندما يتسبب تنفيذ الأحکام الشرعية في العسر وصعوبات بالنسبة للمسلم أو المجتمع الإسلامي فترفع أو تسقط عنهم وجوب الأحکام الأولية حتی رفع الصعوبات المذکورة وذلک بشکل موقت، تمامًا مثل إفطار المريض في شهر الصيام حتی رفع مرضه وهذا الأمر لا يعني إلغاء فريضة الصيام. ولکن الفقهاء الجزميين الذين لا يختلفون عن المتطرفين الإرهابيين في الإلزام والإجبار (نزعة القسر والإکراه)، يوحون کأن مثل هذه الفتاوی تدل علی کونهم «عصريين» و«أهل الحداثة» في الدين!. فيما وعلی عکس ذلک يکون هذا نوعًا من الدهاء وأحيانًا دهاء خطر من قبل تيار أو نظام حکم متطرف إرهابي يلجأ في غالب الأحيان إلی ذرائع «الأحکام الثانوية». وکمثال علی ذلک يأتي التکتيک الضالّ والمراوغ الذي اعتمده خاتمي وکذلک وزارة «ولايتي» حيث ولغرض تقوية سياسة الغربيين القائمة علی التسوية والمساومة والتحبيب ليس أن قاموا بتبرئة نظام «ولاية الفقيه» من الحکم الصادر علی سلمان رشدي بالإعدام أو أوحوا بذلک في الحقيقة فحسب وإنما يريدون في نهاية الأمر أن يوهموا ويصوروا کذبًا کأن هناک فوارق جادة وبل جوهرية بين تطرف خميني وتطرف طالبان في أفغانستان والأمکنة الأخری.



تذکير ضروري
ومن الجدير بالذکر أنه وفي إطار «تلک الأحکام الأولية» وکونها «ملزمة» قد يصدر فقيه معين وبسبب کشفه حالات ضعف في دلائل بعض الأحکام المعروفة بالشرعية فتوی جديدة من دون أن تمت هذه المسماة بـ«الحداثة» بأية صلة بالطبيعة التطرفية لهکذا فقهاء. فعلی سبيل المثال هناک العديد من مراجع تقليد الشيعة يفتون بصراحة وعلی خلاف ما هو مشهور بين الأجيال الأخيرة من هکذا فقهاء أن الإنسان غير المسلم ليس نجسًا. وهناک ما يشابه هکذا أمثلة بين فقهاء أهل السنة أيضًا وأحيانًا أکثر ضجيجًا. إن مثل هذه التغييرات ربما يمکن الإشادة بها من جوانب عدة ولکن ليست هذه بمعنی «الحداثة» ولا يساوي ابتعاد وانفصال هؤلاء الفقهاء عن مجموعة الفقهاء المتطرفين. لأن الفصل بين «المتطرف الإرهابي» وبين المسلمين الآخرين هو اعتبار الأحکام الشرعية «إلزامية وإجبارية» أم «طوعية»؟. ونموذج بارز من ذلک هو الشعار المعروف بـ «ارتدين غطاء الرأس وإلا ستتعرضن للقمع» الذي رفع وأطلق منذ الأسابيع الأولی من وصول روح الله خميني إلی السلطة في إيران. وکما قلنا وکررنا هذا الاعتبار إجباريًا هو الذي يؤدي في ما بعد وفي الخطوة اللاحقة إلی إقامة نظام حکم استبدادي ديکتاتوري باسم الإسلام يسمی بـ «الحکومة الإسلامية» أو «الخلافة الإسلامية» أو «ولاية الفقيه». ونموذج آخر هو «ما يشبه الحداثة»الذي عبارة عن بعض الآراء المعتدلة في شؤون النساء والتي تدلی بشکل متفرق من قبل قلائل من ملالي نظام خميني خاصة بعض المراجع المنتمين إلی المعسکر المسمی بـ «الإصلاحيين» وأحيانًا يتم تسريبها إلی وسائل إعلام غربية من قبل أوساط سياسية مساومة ومتسامحة مع التطرف الإرهابي الحاکم في إيران علی يد صحفي ساذج من دون أن يؤکد «الفقيه» و«المرجع» المذکور أدنی ابتعاد عن الرجعية والتطرف في ما يتعلق بمبدأ «المساواة التامة بين المرأة والرجل» ومن دون إظهار أي رغبة أو انعطافة من قبل هؤلاء المسمين بـ «أصحاب الحداثة» في ما يتعلق بموضوع المساواة الجنسية بشمولية المدلول الحقوقي للمساواة وبالعمق العقائدية لهذه الرؤية التقدمية.



الاستنتاج الأولي
حتی هذه النقطة من البحث، لا يبقی أي مبرر للشک والتردد في أن الرد علی سؤالنا المطروح هو في الأساس أن التطرف الإرهابي ظاهرة استبدادية وديکتاتورية دموية في طبيعته وجوهره نظرًا لعنصر «الإکراه» والإجبار» لتنفيذ ما يسمی بأحکام «الفقه والشريعة» في هذه النظرية وکذلک نظرًا لعنصر «ضمان التنفيذ» لهذا الأمر أي إقامة ما يسمی بـ «الحکومة الشرعية» بهدف الإلزام (الإکراه) والإجبار. إن هذا النوع من الديکتاتورية والاستبداد وبخلاف أنظمة الملوک والسلاطين الديکتاتورية (المستبدة) يصنف ضحاياه بـ «المرتدين» و«المارقين» (الخارجين علی الدين) قبل قتلهم والتمثيل بجثثهم وذلک لکي يقتل الخيرين الشرفاء والمسلمين بأيد مطلقة أکثر کونهم قد عارضوا ورفضوا هذا النوع من أخبث أنواع الاستبداد والديکتاتورية والطغيان وبرؤوا الدين الإسلامي من هذه الأعمال الوحشية اللاإنسانية.
(يتبع)

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.