طارق الهاشمي لـ الشرق: العراق فقد سيادته وأصبح يغرد خارج السرب العربي

الشرق السعودية
9/11/2012
کشف نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، عن استعداده للعودة إلی بلاده والمثول أمام القضاء شريطةَ أن يضمن المجتمع الدولي محاکمة عادلة له، مطالباً الولايات المتحدة بالکشف عن الأرشيف الأمني العراقي لأن فيه ما يثبت براءته، حسب قوله. وتوقع الهاشمي، في حواره مع «الشرق»، أن يؤدي التغيير في سوريا إلی حدوث تحولات سياسية في العراق وتقليص الدور الإيراني في الدول العربية.
وندد الهاشمي، المحکوم بالإعدام بتهمة التورط في عمليات إرهابية، بما سمّاه «ظلم الحکومة العراقية للعرب السنة ومعاملتهم کأقلية»، داعياً إلی تحول المحافظات العراقية ذات الأغلبية السنية إلی أقاليم علی غرار کردستان.
ووجّه نائب الرئيس العراقي، الموجود حالياً في جدة بعد أدائه فريضة الحج، الشکر لخادم الحرمين الشريفين وحکومة المملکة علی جهود إنجاح موسم الحج، وإلی نص الحوار:
أديت فريضة الحج هذا العام، کيف تری الخدمات المقدمة للحجاج؟
– قبل هذه المرة، کنت أديت فريضة الحج عام 1975 ثم اعتمرت عدة مرات، وما رأيته في المشاعر المقدسة هذا العام يشير إلی تقدم واضح في نوعية الخدمات، خصوصاً مع زيادة عدد الحجاج، ما أشعرني بکامل الاطمئنان لمستقبل الحج، لذا أشکر خادم الحرمين الشريفين والحکومة السعودية الرشيدة والشعب السعودي المضياف علی تسهيل أداء المناسک والتنظيم والإنفاق، وأنا اليوم کما يقول المتنبي «لا خيل عندک تهديها ولا مال فليسعف النطق إن لم يسعف الحال».
بعض بعثات الحج تصر علی إقحام السياسة في الحج، ما تعليقک؟
– الرسول عليه الصلاة والسلام قال (خذوا عنّي مناسککم) و(صلُّوا کما رأيتموني أصلي)، أنا لا أعلم أن الرسول قام بمظاهرات في الحج، لم تکن هناک أي مظاهر من هذا القبيل ولا ينبغي خلط الأمور الدنيوية في المناسک.
الخلاف مع المالکي
بم تفسر تصاعد الخلاف بينکم وبين رئيس الوزراء العراقي إلی هذا الحد؟
– السبب الأول أن نوري المالکي يتبنی مشروعاً للهيمنة علی مقاليد العراق لکي يصبح السياسي الأوحد فيها، والثاني أن هناک مشروعاً للسيطرة علی العراق يقوم علی التمييز المذهبي، والثالث اعتراضي علی إدارة المالکي غير الموفقة، التي وصفتها الولايات المتحدة بـ»الفاشلة»، أنا أعترض علی الظلم والفساد وسوء الإدارة وغض النظر علی النفوذ غير المسبوق لإيران في الشأن العراقي الداخلي حتی في صناعة القرار، هذا الاعتراض ربما أزعج المالکي وبالتالي استهدفني، لکن لو نظرنا للإطار العام فأنا سادس سياسي من العرب السنة يتم استهدافه، استُهدِفَ قبلي عبدالناصر الجنابي ومحمد الدايني والشيخ حارث الضاري والدکتور عدنان الدليمي، وهذا يعبر عن وجود مشروع طائفي تمييزي في العراق، وأنا أتوقع استهداف قيادات سنة آخرين في القريب العاجل.
وماذا عن خلافات المالکي مع سياسيين شيعة؟
– اللافت للنظر أن هناک خلافات داخل التحالف الوطني الشيعي، لکن المالکي لا يستطيع القبض علی القيادات الشيعية التي صدرت بحقها أوامر قبض حتی هذه اللحظة، السبب أن إيران وضعت خطاً أحمر للمالکي، إذا أراد أن يظلم فليظلم السنة ولا يتجاوز علی الطائفة الشيعية.
لماذا انتکس مسار التحول الديمقراطي في العراق؟
– الذي حصل منذ أن تقلد المالکي السلطة هو تحويل العملية السياسية في العراق من الديمقراطية إلی الاستبداد، أصبحت ملفات الأمن والاقتصاد والإعلام، وأضيف إليها موخراً القضاء في يد المالکي.
علی ذکر القضاة، إلی هذا الحد تخشی المثول أمام القضاء العراقي؟
– القضاء فقد کثيراً من مصداقيته، الدستور يؤکد علی فصل السلطات واستقلال السلطة القضائية عن التنفيذية، لکن المالکي وضع القضاء تحت سيطرته، وبالتالي أي سياسي معارض للمالکي معرَّض إلی ما تعرضت له، وجميع المستهدفين هم من أبناء العرب السنة.
الثروة في العراق
کيف تری مسألة توزيع الثروة في العراق؟
– بالتأکيد هناک إجحاف، واليوم يقال علی العرب السنة إنهم أقلية، نحن لسنا بأقلية، السنة اليوم هم الأکثرية بما فيهم العربي والکردي والترکماني، ومحافظاتهم ينبغي أن تأخذ حصصاً من الميزانية السنوية علی قدر عدد السکان، وهذا لا يحصل وبالتالي هناک قصور کبير في تمويل مشروعات إعادة الإعمار.
هل تؤيد دعوات إنشاء دولة کردية مستقلة؟
– لا بالتأکيد، الأکراد حسب الدستور يتمتعون بإقليم يتسم بعدم المرکزية، وبالمناسبة المحافظات ذات الأغلبية العربية السنية تتمنی أن تحذو حذوهم حتی تسلم من ظلم المالکي، اليوم إقليم کردستان مسؤول عن الأمن الداخلي بينما في محافظات الأغلبية السنية نجد المالکي يتدخل في جزئيات أمنية ويستطيع إلقاء القبض علی شيوخها، کردستان إقليم يتميز أيضاً بالحصول علی مخصصات من الميزانية لذا يدير أموره بنفسه، بالتالي ينبغي علی هذه المحافظات أن تحذو حذوه خصوصاً أن الدستور يتيح تحولها إلی أقاليم.
لماذا يصر الرئيس طالباني علی استمرار تحالفه مع المالکي ودولة القانون؟
– هذه وجهة نظر الرجل، ربما إيران هي السبب الرئيس في هذا الموقف، لکن أعتقد أن المستقبل سيشهد ربما تحول الرئيس طالباني لأنه اکتشف أن الدفاع عن المالکي فيما يتعلق بسحب الثقة کان مبنياً علی افتراض أنه جاد في إجراء إصلاحات حقيقية وسريعة لکن بعد مرور أشهر لم يغير سلوکه، وهو دائماً يعد ولا يفي وبالتالي أحرج الرئيس طالباني.
هل لديک تصور للخروج من الدوامة السياسية والأمنية في العراق؟
– المالکي اليوم أصبح جزءاً من المشکلة وليس جزءاً من الحل، أنا مازلت مع خيار أن تذهب الکيانات السياسية إلی سحب الثقة وتبديل المالکي بشخصية أخری من التحالف الوطني الشيعي، هذا جانب، في الجانب الثاني يحتاج الخراب الذي تحقق خلال حکم المالکي إلی حزمة إصلاحات اقتصادية وسياسية وأمنية واجتماعية، وبالتالي الإصلاح سيستغرق سنوات من العمل الجاد والمضني، ومن جانب آخر لابد من إيقاف النفوذ غير المشروع لإيران في المشهد العراقي.
النفوذ الإيراني
کيف تقيّم النفوذ الإيراني في العراق؟
– القادة الإيرانيون يقولون بمنتهی الصراحة إن نفوذهم في العراق أصبح واقعاً، وانسياق الحکومة العراقية خلف الأجندة الإيرانية دليل علی فقد العراق سيادته، بلدنا اليوم يغرد خارج السرب العربي ويصطف مع إيران لدعم بشار الأسد.
إذاً، أنت تری أن المالکي يسير وفق الأجندة الإيرانية؟
– بالتأکيد، فالمصالح العراقية اليوم تُذبَح، ما الذي يقوله المالکي للشعب العراقي حينما قُطِعَ 42 نهراً مشترکاً بيننا وبين الإيرانيين؟ هذه المعلومات تؤکدها تقارير موضوعية لکن المالکي لا يتکلم.
کيف تنظر إلی دور المرجعيات الدينية في العملية السياسية؟
– هذا الدور أحد أسباب تشوه نظام الحکم في العراق، فهو يجمع المرجعيتين الدينية والمدنية، لا أعترض علی رجال الدين الشيعة فهم أبناء العراق، الاعتراض عندما تکون مرجعية السياسي من خارج الوطن، هنا يکمن الخطر عندما يرتبط السياسي بقرار من مرجعية خارج الحدود، والسؤال کيف نحمي مصالح العراق عندما يکون الرأي النهائي في القضية السياسية هو رأي مرجعية في قم بإيران؟
المشاهد يری أن هناک عداوة بين إيران وإسرائيل لکن علی أرض الواقع ليس هناک شيء، ما تعليقک؟
– بدأت تصدر کتب حول المصالح الاستراتيجية بين إسرائيل وإيران فيما يتعلق بتوزيع الأدوار في الشرق الأوسط، هذه مسألة لم تعد سراً، وأنا أعتقد أنه توجد أبواب مغلقة واتفاقات بين هذه الأطراف، وأنا أخشی أن يکون الضحية العرب.
هل تعتقد أن إسرائيل ستوجه ضربة لإيران؟
– لا أعتقد أن إيران مهددة، إيران تهدد أنها لو ضُرِبَت ستضرب المصالح الأمريکية وتغلق مضيق هرمز کأنها تريد تحميل الدول الخليجية مسؤولية نزاعها من الولايات المتحدة حول الملف النووي، في حين طالبت الدول العربية أکثر من مرة بشرق أوسط خالٍ من أسلحة الدمار الشامل، وهذا ينطبق علی إيران وإسرائيل أيضاً.
أعتقد أن الهدف الأساس من النزاع «المفبرک» حول الملف النووي هو إبقاء الجميع في حالة قلق واستنزاف الموارد من خلال طلب مزيد من الأسلحة الاستراتيجية الباهظة الکلفة، ولکن أعتقد أنه في نهاية المطاف لن يکون هناک أي شيء، ربما الاستراتيجية الغربية لا تريد إيران ضعيفة وبالتالي لن يتم توجيه ضربة لها.
دعم الأسد
ما مظاهر دعم العراق لبشار الأسد؟
– المجال الجوي مفتوح للطائرات الإيرانية وکذلک المجال البري أيضاً مفتوح لنقل الأسلحة والمعدات ووسائل التفجير والقتل، فهي تعبر من الأراضي العراقية دون عوائق، وبحسب المعلومات التي لديّ فإن الدعم لا ينقطع من الناحية البرية، هناک شاحنات مغلقة ونوافذها معتمة تعبر نقاط السيطرة من «جعباطيا» علی الحدود العراقية الإيرانية وصولاً إلی منفذ الوليد علی الحدود العراقية السورية، تمر من نقاط السيطرة ولکن لا تُفتَّش ولا أحد يعلم حقيقة محتواها، زد علی ذلک أن الطائرات الإيرانية مازالت تعبر المجال الجوي العراقي، وما يجري من وقت لآخر من إنزال بعض الطائرات التي تحمل أدوية لتفتيشها هو مجرد ذر للرماد في العيون بعد طلبٍ أمريکي.
متی ينهار نظام الأسد؟ وإذا سقط ما التداعيات التي ستواجه العراق وإيران؟
– بعد کل هذه التضحيات التي قدمها الشعب السوري لا عودة للمربع الأول، وبالتالي القضية منتهية، لکن ربما کما ذکرت يستغرق التغيير بعض الوقت، والتغيير الذي سيحدث في سوريا سيکون ملهماً للعراقيين، لدينا في العراق اليوم المبررات المشروعة لإجراء التغيير المنتظر، فإذا عجز المالکي عن إجراء تغييرات حقيقية أو إذا رفض التحالف الوطني الشيعي وأصر علی وجود المالکي، فإن ملايين من العراقيين البائسين والمحبطين سيکونون شعلة للتغيير مستقبلاً، الوضع في العراق لن يبقی کما هو عليه اليوم لأنه أصبح لا يطاق، العملية السياسية أصبحت في مأزق حقيقي، الحکومة مشلولة والبرلمان مشلول. بالنسبة لإيران، أنت تعلم أن إيران تقاتل في الأراضي السورية، ربما تقاتل عن مصالحها، سوريا اليوم منطقة نفوذ لإيران، وتغيير الأوضاع في سوريا سيضعف إيران وسيقلل من عبثها في الأمن العربي.
المحکومون السعوديون
ماذا عن ملف المعتقلين السعوديين في العراق؟
– أنا لم ألتقِ بهم لکن نحن ناقشنا هذه المسألة في مجلس الرئاسة واتخذنا قراراً بعدم تنفيذ أي حکم إعدام بحق العرب علی أن تسلمهم الحکومة لدولهم وهي تتصرف معهم، کنا ننتظر توقيع اتفاقية قضائية بين العراق والسعودية، وُقِّعَت بالفعل لکنها شملت المحکومين بالسجن لا الإعدام، وأنا أعتقد أنه لابد من ضبط في هذه المسألة لتشملهم، وأعتقد أن کلهم سَمِعَ أن النية تتجه لإعدام ما يقارب مائتي متهم بينهم عرب وسعوديون، وبحسب علمي ووفقاً للتقارير التي بحوزتي لم يقاتل العرب العراقيين بل قاتلوا القوات الغازية فلماذا يتعرضون للإعدام؟ هذه المسألة کان ينبغي أن تُحسَم في اتفاق الدول العربية مع العراق من أجل إنقاذ أرواحهم.
نشاط الحرکات المسلحة في العراق انخفض کثيراً عن السابق، ما تفسيرک؟ وما علاقة القاعدة بإيران حالياً؟
– جماعات المقاومة کان لها هدف رئيس وهو إبعاد الأمريکيين، لکن الذي حدث أن من قطف ثمار تضحيات المقاومة هي إيران، اليوم استبدلنا نفوذاً بنفوذ، الأمريکان کانوا يمارسون الاحتلال الظاهر، واليوم إيران احتلالها باطن، الذي يحکم عراقيون ولکن بأجندة إيرانية.
العودة إلی العراق
متی تعود إلی العراق؟
– أنا مستعد للعودة إلی العراق ولکن بشرط توفّر القضاء العادل أو إذا ضَمِنَ المجتمع الدولي قضاء عادلاً، وأنا جاهز للعودة للعراق، سواءً کردستان أو بغداد إذا ضَمِنَ المجتمع الدولي محاکمتي محاکمة عادلة أو إذا تشکلت محکمة مشترکة بين عدة دول والقضاء العراقي، أنا مطمئن إلی سلامة سيرتي وسجلي وکذلک عناصر حمايتي، ومن أدلة ذلک أن السفير الأمريکي قال إن الولايات المتحدة ليس لديها ما يدين الهاشمي قانونياً ولم تزود حکومة المالکي بشيء من هذا القبيل، هذا التصريح مهم جداً لأنه يصدر عن جهة رصينة هي التي کانت مسؤولة عن الملف الأمني خلال السنوات الماضية ولديها الأرشيف الکامل، أنا أطالب الإدارة الأمريکية أن لا تکتفي فقط بتصريح السفير بل أن تصدر بياناً رسمياً يکشف ما في الأرشيف الأمني لديها حتی يعرف الشعب العراقي من هو القاتل الحقيقي في العراق.
وماذا عن محل إقامتکم؟
– أنا أقيم في ترکيا وسأنتقل منها إلی الدول الخليجية من وقت لآخر، وسأبقی في ترکيا إلی أن أجد حلاً سياسياً لقضيتي، هي سياسية وليست جنائية، واليوم القائمة العراقية تصر علی أنها لن تقبل علی أي عمليات إصلاح يقترحها المالکي حتی تُحلّ قضية الهاشمي، أنا أنتظر الحل السياسي ويتبعه بعد ذلک مثولي أمام القضاء شريطة أن يکون عادلاً.







