العالم العربيمقالات
بعد «توماهوک»… هل يلتقط بوتين الفرصة؟

إيلاف
14/4/2017
بقلم:نديم قطيش
بتسعة وخمسين صاروخ توماهوک، غيرت إدارة الرئيس دونالد ترمب توازن القوی، أو التصورات عنها في الشرق الأوسط. تصرف ترمب، کما ينبغي لرئيس أقوی دولة في العالم أن يفعل. اللافت ليس هو، بل إن هذا الرئيس غاب لثماني سنوات عن المسرح الدولي، مما سمح لروسيا أن تتمادی في تدخلها، وسمح لأوهام العظمة الإيرانية أن تستمتع بظلها الهائل في لحظة غروب أميرکية طارئة، ظنته إيران غروباً لا شروق بعده لأميرکا.
لم تتعطل قاعدة مطار الشعيرات فقط جراء الضربة الأميرکية فجر يوم الجمعة الماضي، بل تبددت أوهام قوة محور إيران، التي بدت عاجزة أمام صواريخ التوماهوک، کما أمام الانتشار الميداني الأميرکي في سوريا، حيث بات لواشنطن تسع قواعد أميرکية بينها أربعة مطارات، وواحد منها قادر علی استقبال طائرات مدنية! وتبددت أيضاً الأوهام الروسية نتيجة اهتزاز ثقة موسکو بأن في مقدورها التمادي باللعب علی عنصر الغياب الأميرکي.
في المقابل، حافظ ترمب علی زخم الضربة عبر مواقفه ومواقف أرکان إدارته. وزير دفاعه جيمس ماتيس کان جازماً حيال الأثمان التي سيدفعها بشار الأسد نتيجة حماقة خان شيخون وضربها بغاز السارين. ووزير خارجيته ريکس تيلرسون استبق لقاءاته في موسکو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، بتصريحات شديدة حيال الأسد وحيال موقف موسکو منه. وعلی الرغم من الخطل الإعلامي الروسي علی لسان الناطق باسم الکرملين أنه «لا اجتماع لتيلرسون علی جدول مواعيد الرئيس.
(بوتين)»، التقی بوتين وزير الخارجية الأميرکي في أول زيارة له إلی روسيا، في إشارة واضحة إلی إدراک موسکو لحقائق القوة والتوازن مع الإدارة الأميرکية الجديدة.
ماذا بعد؟
لندع إيران جانباً. فالعلاقات معها مرشحة للمزيد من التأزم، أکان في سوريا حيث الانتشار العسکري الأميرکي براً والاستعداد الحربي عبر الطائرات والصواريخ، أو في العراق حيث يشهد هذا البلد هجوماً دبلوماسياً عربياً، کما يشهد اهتزازات عميقة في الموقف الشيعي من أزمات المنطقة، کما عبر عن ذلک موقف للسيد مقتدی الصدر دعا فيه الأسد للتنحي، أو في لبنان حيث تتهيأ واشنطن لحزمة عقوبات جديدة قاسية علی حزب الله ومرتبطين به.
يختلف الواقع مع روسيا. وزير الدفاع الأميرکي وفي مؤتمر صحافي بعد ضربة «التوماهوک» أکد أن الاختلافات بين الولايات المتحدة وروسيا حول سوريا لن تخرج عن السيطرة، وهو تصريح حرص الإعلام الروسي علی إبرازه. وکان لإبلاغ واشنطن موسکو بالضربة، بطريقة لا تزال غامضة وموضع جدل أميرکياً، هدفه لهذه الناحية تحديداً، وهو تفادي ما من شأنه إخراج العلاقة عن سکة السيطرة.
من المبکر القفز من تعيين هذه الفوارق في التموضع بين روسيا وإيران حيال أميرکا، للاستنتاج أن إمکانية الفصل بينهما متاحة أو سهلة. فرصيد المحاولات السابقة في هذا السياق لا تشجع علی التفاؤل، وإن کانت تمتلک هذه المرة فرصاً أکبر. فالخط العام للموقف الأميرکي لا يزال يتقاطع مع مصالح موسکو في سوريا، وهو يقوم علی نقطتين؛ أولاً أن أميرکا لا تريد تغيير النظام في سوريا بالقوة وبمعزل عن عملية سياسية. وثانياً، أن أولوية واشنطن لا تزال محاربة «داعش» وهزيمتها.
بالنسبة لروسيا هناک ثلاث مصالح عملانية في سوريا، إضافة إلی المصلحة التاريخية والثابتة بالوجود علی المتوسط.
1 – بات مصير الهيبة الروسية ورأسمالها المعنوي مرتبطاً بما سيخلص إليه المشهد في سوريا، وهي لن تتسامح مع جعلها شريکاً هامشياً أو تابعاً في تقرير المشهد النهائي. صحيح أن هذا الهدف يقرب بين طهران وموسکو، لکن لا ينبغي الخلط بين مصير الأزمة السورية ومصير الأسد، الذي يمکن لموسکو التخلي عنه في توقيت يناسبها، وهو ما تدرکه واشنطن وأحسب أنها ستستثمر فيه.
2 – محاربة «داعش» في سوريا وإطالة أمد المعرکة معها يمنع انتقال المعرکة إلی داخل الحدود الروسية.
3 – وهي مصلحة متفرعة عن المصلحة الثانية، وتتمثل في أن الميليشيات الشيعية التي تديرها إيران تشکل عنصراً تکاملياً مع القوة الجوية والصاروخية والاستخباراتية الروسية، لمحاربة «داعش» و«النصرة»، تعويضاً عن غياب الانتشار البري الروسي في سوريا.
في المصالح الثلاث، يمکن لواشنطن أن تلعب دوراً جدياً، بديلاً عن الدور الإيراني، لا سيما إذا أُحسنت إدارة معرکة الرقة التي ستشکل ضربة قاصمة لتنظيم «داعش». فلا مصالح أميرکية في سوريا تتعارض جدياً مع مصالح موسکو، ولا مصالح عربية استراتيجية لا يمکن التفاهم عليها وتربيطها بالمصالح الروسية.
يقول الدکتور والي نصر في مقالة نشرها مؤخراً، إن تخلي روسيا عن سوريا يتطلب أن تحصل موسکو علی جائزة أکبر من سوريا. هذه محاججة صحيحة لو أن المطلوب من موسکو رمي استثماراتها الاستراتيجية في سوريا، والمغادرة، لکن ليس هذا هو إطار الحل في سوريا.
ليس غريباً أن يختار بوتين الاستمرار في سياسة الابتزاز عبر إطالة أمد الأزمة سورياً للحصول علی مکتسبات استراتيجية لموسکو في أماکن أخری. لکنه بعد «التوماهوک» بات يدرک أن ثمن هذه السياسة هو التلاعب الجدي بکل ما بناه، وأوله هيبة روسيا.
لم تتعطل قاعدة مطار الشعيرات فقط جراء الضربة الأميرکية فجر يوم الجمعة الماضي، بل تبددت أوهام قوة محور إيران، التي بدت عاجزة أمام صواريخ التوماهوک، کما أمام الانتشار الميداني الأميرکي في سوريا، حيث بات لواشنطن تسع قواعد أميرکية بينها أربعة مطارات، وواحد منها قادر علی استقبال طائرات مدنية! وتبددت أيضاً الأوهام الروسية نتيجة اهتزاز ثقة موسکو بأن في مقدورها التمادي باللعب علی عنصر الغياب الأميرکي.
في المقابل، حافظ ترمب علی زخم الضربة عبر مواقفه ومواقف أرکان إدارته. وزير دفاعه جيمس ماتيس کان جازماً حيال الأثمان التي سيدفعها بشار الأسد نتيجة حماقة خان شيخون وضربها بغاز السارين. ووزير خارجيته ريکس تيلرسون استبق لقاءاته في موسکو مع نظيره الروسي سيرغي لافروف، بتصريحات شديدة حيال الأسد وحيال موقف موسکو منه. وعلی الرغم من الخطل الإعلامي الروسي علی لسان الناطق باسم الکرملين أنه «لا اجتماع لتيلرسون علی جدول مواعيد الرئيس.
(بوتين)»، التقی بوتين وزير الخارجية الأميرکي في أول زيارة له إلی روسيا، في إشارة واضحة إلی إدراک موسکو لحقائق القوة والتوازن مع الإدارة الأميرکية الجديدة.
ماذا بعد؟
لندع إيران جانباً. فالعلاقات معها مرشحة للمزيد من التأزم، أکان في سوريا حيث الانتشار العسکري الأميرکي براً والاستعداد الحربي عبر الطائرات والصواريخ، أو في العراق حيث يشهد هذا البلد هجوماً دبلوماسياً عربياً، کما يشهد اهتزازات عميقة في الموقف الشيعي من أزمات المنطقة، کما عبر عن ذلک موقف للسيد مقتدی الصدر دعا فيه الأسد للتنحي، أو في لبنان حيث تتهيأ واشنطن لحزمة عقوبات جديدة قاسية علی حزب الله ومرتبطين به.
يختلف الواقع مع روسيا. وزير الدفاع الأميرکي وفي مؤتمر صحافي بعد ضربة «التوماهوک» أکد أن الاختلافات بين الولايات المتحدة وروسيا حول سوريا لن تخرج عن السيطرة، وهو تصريح حرص الإعلام الروسي علی إبرازه. وکان لإبلاغ واشنطن موسکو بالضربة، بطريقة لا تزال غامضة وموضع جدل أميرکياً، هدفه لهذه الناحية تحديداً، وهو تفادي ما من شأنه إخراج العلاقة عن سکة السيطرة.
من المبکر القفز من تعيين هذه الفوارق في التموضع بين روسيا وإيران حيال أميرکا، للاستنتاج أن إمکانية الفصل بينهما متاحة أو سهلة. فرصيد المحاولات السابقة في هذا السياق لا تشجع علی التفاؤل، وإن کانت تمتلک هذه المرة فرصاً أکبر. فالخط العام للموقف الأميرکي لا يزال يتقاطع مع مصالح موسکو في سوريا، وهو يقوم علی نقطتين؛ أولاً أن أميرکا لا تريد تغيير النظام في سوريا بالقوة وبمعزل عن عملية سياسية. وثانياً، أن أولوية واشنطن لا تزال محاربة «داعش» وهزيمتها.
بالنسبة لروسيا هناک ثلاث مصالح عملانية في سوريا، إضافة إلی المصلحة التاريخية والثابتة بالوجود علی المتوسط.
1 – بات مصير الهيبة الروسية ورأسمالها المعنوي مرتبطاً بما سيخلص إليه المشهد في سوريا، وهي لن تتسامح مع جعلها شريکاً هامشياً أو تابعاً في تقرير المشهد النهائي. صحيح أن هذا الهدف يقرب بين طهران وموسکو، لکن لا ينبغي الخلط بين مصير الأزمة السورية ومصير الأسد، الذي يمکن لموسکو التخلي عنه في توقيت يناسبها، وهو ما تدرکه واشنطن وأحسب أنها ستستثمر فيه.
2 – محاربة «داعش» في سوريا وإطالة أمد المعرکة معها يمنع انتقال المعرکة إلی داخل الحدود الروسية.
3 – وهي مصلحة متفرعة عن المصلحة الثانية، وتتمثل في أن الميليشيات الشيعية التي تديرها إيران تشکل عنصراً تکاملياً مع القوة الجوية والصاروخية والاستخباراتية الروسية، لمحاربة «داعش» و«النصرة»، تعويضاً عن غياب الانتشار البري الروسي في سوريا.
في المصالح الثلاث، يمکن لواشنطن أن تلعب دوراً جدياً، بديلاً عن الدور الإيراني، لا سيما إذا أُحسنت إدارة معرکة الرقة التي ستشکل ضربة قاصمة لتنظيم «داعش». فلا مصالح أميرکية في سوريا تتعارض جدياً مع مصالح موسکو، ولا مصالح عربية استراتيجية لا يمکن التفاهم عليها وتربيطها بالمصالح الروسية.
يقول الدکتور والي نصر في مقالة نشرها مؤخراً، إن تخلي روسيا عن سوريا يتطلب أن تحصل موسکو علی جائزة أکبر من سوريا. هذه محاججة صحيحة لو أن المطلوب من موسکو رمي استثماراتها الاستراتيجية في سوريا، والمغادرة، لکن ليس هذا هو إطار الحل في سوريا.
ليس غريباً أن يختار بوتين الاستمرار في سياسة الابتزاز عبر إطالة أمد الأزمة سورياً للحصول علی مکتسبات استراتيجية لموسکو في أماکن أخری. لکنه بعد «التوماهوک» بات يدرک أن ثمن هذه السياسة هو التلاعب الجدي بکل ما بناه، وأوله هيبة روسيا.







