الثورة السورية في عامها الخامس: تحديات ومراجعات

الحياة اللندنية
16/3/2015
بقلم: عبدالباسط سيدا
قبل أربعة أعوام، وبالتحديد في بدايات ربيع 2011، انطلقت الثورة الســــورية وهي تنشد الربيع المنتظر، الربيع الذي يضمن لشعب سورية بکل مکوّناته وتوجهاته، ولأجيال سورية القادمة، مستقبلاً حراً کريماً، بعيداً من سلطة الاستبداد والفساد والإفساد التي تحکم بلادنا منذ نحو نصف قرن، السلطة التي سطّحت العقول والضمائر، وسدّت الآفاق أمام الشباب المتطلع نحو تمثّل مبادئ العصر، والتمتّع بنتائج حضارته، وأفسدت الحياة العامة والخاصة، ومنعت حرية التعبير بالحديد والنار، بل منعت السوريين والسوريات من الشعور بقيمتهم الإنسانية.
خرج شبابنا من کل المذاهب والأديان والطوائف والقوميات، مطالبين عبر تظاهراتهم السلمية بضرورة إنهاء الأوضاع غير الطبيعية لسورية علی مدی عقود. وکانت تظاهراتهم مهرجانات احتفالية حضارية، بل أعرساً وطنية تجسّد کل ما هو جميل ونبيل. طالبوا بالإصلاح، لکن النظام واجههم بالقتل والتدمير، واتهمهم منذ اليوم الأول بالإرهاب، وحاول المستحيل للإساءة إلی سمعتهم وحجب جهودهم المخلصة المطالبة بدولة مدنية ديموقراطية تعددية، تضمن حقوق جميع مکوّناتها، بعيداً من التمييز والاقصاء والتهميش.
واستمرّ شعبنا في ثورته السلمية المشروعة، واستمرّ النظام اللاشرعي في وحشيته وجرائمه، فارتکب المجازر تلو المجازر، واستخدم کل أنواع الأسلحة ضد شعبنا في مدننا وبلداتنا وقرانا الآمنة، بما في ذلک الأسحلة الکيماوية. وحينما أيقن أن الأمور بدأت تخرج عن دائرة تحکّمه، استعان بميليشيات حلفائه الطائفية، وجدّد تعاونه مع المنظمات المتشددة الإرهابية القريبة من القاعدة، بل المزاودة عليها، مستخدماً اياها أداة لإرباک الثوار في المناطق المحررة، ودعاية إيهامية هدفها الربط بين الثورة والإرهاب.
واستمر النظام في ألاعيبه وأحابيله، مستغلاً سلبية المجتمع الدولي وتقاعسه، ومعتمداً علی دعم حلفائه في روسيا وإيران والعراق ولبنان، الذين غطّوه سياسياً، وأمدّوه بالسلاح والمال والرجال، ما أدّی إلی قتل أکثر من 250 ألف انسان، وتشريد نصف سکان سورية، وتدمير سورية بکل ما تعنيه الکلمة من معنی.
ومع ذلک، لم يتحرّک العالم لتقديم المساعدة المطلوبة، وأصبحت الثورة أسيرة الحسابات الإقليمية والدولية، التي لا تُعطي أية أهمية لتطلعات السوريين المشروعة، وحقهم الطبيعي في الحرية والکرامة والعدالة الاجتماعية.
وفي يومنا الراهن، نسمع أصواتاً کثيرة ممن أعلنوا أنفسهم منذ بداية الثورة اصدقاء للشعب السوري، يطالبون بامکانية غضّ النظر عن جرائم الاستبداد للترکيز علی جرائم الإرهاب، فيما الجميع يعلم أن الإرهاب الداعشي، وغيره مما تشهده سورية اليوم، هو حصيلة إرهاب النظام، بل من صنع هذا النظام الخبير في ميدان التعامل مع المجموعات والمنظمات الإرهابية منذ بداية عهده، وحتی وقتنا هذا.
الشعب السوري اليوم بين نارين: الاستبداد والإرهاب. والطرفان يصرّان علی منع هذا الشعب الأبي من بلوغ أهداف ثورته النبيلة التي جسّدت إرادة جميع السوريين والسوريات. لکن النظام بخبرته وامکاناته، وبفعل الدعم اللامحدود الذي حصل، ويحصل، عليه من حلفائه، تمکّن من تسويق رأي زائف أساء کثيراً إلی الثورة المدنية الديموقراطية، البعيدة من کل أشکال التعصب سواء الديني أم القومي أم الإيديولوجي.
لا ننکر أن الظروف الحالية التي تعيشها الثورة السورية صعبة، لکن شعبنا مستمر في ثورته، ويدرک طبيعة المؤامرات والأحابيل التي استهدفتها. وهو مؤمن بعدالة قضيته، متمسک بحقوقه المشروعة، وقد أکسبته التجارب القاسية خلال السنوات الأربع المنصرمة الکثير من الخبرة والحکمة. والقوی المدنية الديموقراطية السورية تُجري اليوم عملية تقويم کبری لما حدث، وتعيد ترتيب أفکارها وأولياتها لتجاوز الأخطار التي نشأت، وتعمل لتنظيم الصفوف، وترکيز الجهود، بصورة أفضل، حتی يتمکّن شعبنا من القطع النهائي مع الاستبداد القاتل والإرهاب الهمجي البدائي.
الثورة ستستمر، وستنتصر في نهاية المطاف، وسيثبت شعبنا للعالم کله أن من قدّم أبجدية الحرف في يوم ما، قادر علی تجديد رسالته الحضارية بما ينسجم مع قيم العصر وروحيته.







