مقالات

رسائل أوباما وخامنئي.. و«تدعيش» المنطقة!

 

 

الشرق الاوسط
21/2/2015

 بقلم:راجع الخوري

طلب التفويض الذي أرسله باراک أوباما إلی الکونغرس في 12 من الشهر الحالي، لإجازة استخدام القوة العسکرية ضد «داعش»، لن يغيّر شيئا من الأسلوب الاستعراضي الذي غلب حتی الآن علی الأداء الأميرکي ضد الإرهابيين منذ 8 أشهر، وتحديدا في العراق.
المشهد بدا مثيرا للتساؤل، عندما وقف أوباما متوسطا نائبه جو بايدن ووزيري الخارجية والدفاع، ليقول إن طلب التفويض لا يعني أن أميرکا سترسل قوات برية إلی العراق أو سوريا، وإنها لن تنجرّ إلی التورط في حرب برية طويلة، وإن طلب إرسال قوات خاصة قد يقتصر علی إرسال خبراء ومستشارين لدعم الجيش العراقي في الميدان!
عظيم، ولکن ما الجديد في طلب التفويض، إذا کان المعروف أن المستشارين العسکريين الأميرکيين يعملون مع العراقيين منذ أشهر، ويحاولون إعادة لملمة شتات الجيش العراقي، الذي تبيّن أن نوري المالکي لم يجعل منه جيشا وهميا علی الورق فحسب، بل جعله فئويا عمّق المشاعر المذهبية بين الشيعة والسنة، وهو الأمر الذي لم يتم التخلص منه حتی الآن؟!
وإذا کان أوباما قد شدد تکرارا علی أنه لا ينبغي لأميرکا أن تتورط في حرب برية طويلة في الشرق الأوسط، فإنه اعترف مرة أخری أن القتال ضد تنظيم داعش مهمة شاقة وستستغرق وقتا طويلا، ولهذا من المفيد الحصول علی دعم الکونغرس «لأن هذا سيبعث برسالة قوية مفادها أن الولايات المتحدة موحّدة في معارضتها وتصديها للإرهابيين»!
يدفع هذا الکلام إلی التوقف مليا أمام الغموض والالتباس في موقف أميرکا من هذه الحرب، رغم أن أوباما کان قد أعلن بعد قيام التحالف الدولي الذي يضم 40 دولة، أن الأمور تتجه إلی إلحاق الهزيمة بتنظيم داعش بداية في العراق، ريثما يتم الانتهاء من تدريب المعارضة السورية المعتدلة بعد ثلاث سنوات!
واضح أن أوباما يحرص علی أن يبعث برسالة عن أن أميرکا موحّدة في مواجهة «داعش» لأنه ليس هناک في الواقع موقف موحد من هذا، لا بين البيت الأبيض والکونغرس، ولا بين الجمهوريين والديمقراطيين داخل الکونغرس، ولا حتی بين البيت الأبيض والبنتاغون، ولعل التعارض في المواقف هو الذي يدفع المستشار السابق للبنتاغون أنطوني کوردسمان إلی تکرار القول: «أوباما لا يملک استراتيجية لمحاربة الإرهاب، بل يملک فوضی استراتيجية»!
التناقض في مواقف أوباما يبدو واضحا ومحيّرا؛ ففي 12 من الشهر الحالي قدم مشروع قرار طلب التفويض باستخدام القوة، لکنه کان قبل 4 أيام فقط، وتحديدا في 8 فبراير، قد حذّر من مغبة اتخاذ قرارات متسرعة في إدارة أميرکا للأزمات الدولية، داعيا إلی التحلي «بصبر استراتيجي»، والحديث عن هذا الصبر الغريب جاء في سياق مهم جدا، وهو مقدمة «وثيقة استراتيجية الأمن القومي»، التي ترسم سياسة أميرکا لسنوات.
عندما يری أوباما أنه في عالم معقد «لا يجوز مواجهة عدد من التحديات والمسائل الأمنية التي نواجهها بأجوبة سهلة وسريعة»، وأنها «تفرض علينا الصبر الاستراتيجي والمثابرة»، فذلک يعني أنه لن يکون هناک أي قيمة للتفويض الذي يطلبه، ولن يغيّر شيئا في مسار السياسة الخارجية التي يطبقها، ومن الواضح أنه يريد عبر تلک الوثيقة إلزام من يخلفه بهذه الاستراتيجية، ولکن لا «أيوب» ربط صبره بالاستراتيجية، ولا معارضو أوباما يقبلون هذه السياسة!
ولعل أفضل تعليق علی وثيقة أوباما ما قاله السيناتور ليندسي غراهام من أن إضافة المزيد من الصبر إلی سياسة أوباما الخارجية لن تؤدي إلا إلی إطالة أمد فشل هذه السياسة، وإنني أشک کثيرا في أن تکون سياسة الصبر الاستراتيجي قد أخافت تنظيم داعش والملالي الإيرانيين أو فلاديمير بوتين.. فمن وجهة نظرهم، کلما تحلّی أوباما بالصبر ازدادوا قوة!
ما هو أسوأ من «استراتيجية الصبر»، يتضح عبر مسلسل الانتقاد اللاذع الذي دأب رئيس مجلس النواب الأميرکي جون بينر علی توجيهه إلی أوباما؛ فقد سبق له أن قال تعليقا علی تهافت أوباما علی مصالحة إيران «ما مصلحة أميرکا في الابتعاد عن حلفاء موثوقين ومحاولة التقرّب من أعداء مؤکدين؟»، في إشارة إلی تهافت أوباما علی اتفاق مع إيران وبأي ثمن، ليستعمله بديلا، ولو سيئا، لفشل سياساته الخارجية حيال القضية الفلسطينية والوعد بإقامة الدولتين، وبإزاء تعاميه عن المذبحة السورية وترکه العراق نهبا لنوري المالکي رجل طهران، وترک بوتين يعربد في أوکرانيا!
في هذا السياق لم يکن کافيا صدور بيان إيراني ينفي أن يکون المرشد علي خامنئي قد رد علی مبادرات أوباما وإيجابياته بإرسال رسالة سرية إليه، ذلک أن صحيفة «وول ستريت جورنال» کانت قد نقلت عن دبلوماسي إيراني أن رسالة خامنئي جاءت ردا علی رسالة کان قد تلقاها من أوباما في أکتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي «تتسم بالاحترام»، وتتضمن اقتراحا حول إمکان قيام تعاون بين أميرکا وإيران في القتال ضد «داعش»، إذا تم التوصل إلی اتفاق في الملف النووي!
ما يؤکد تبادل الرسائل بين أوباما وخامنئي إعلان المرشد في الأسبوع الماضي أنه يمکن أن يقبل بحل وسط في المحادثات النووية، وفي هذا المجال کان من اللافت أنه قدم أقوی دفاع له حتی الآن عن قرار الرئيس حسن روحاني التفاوض مع الغرب، هذا في حين کان المتشددون يطالبون باستجواب محمد جواد ظريف، لأن صورا التقطت له وهو يتمشی مع جون کيري في شوارع جنيف!
ومن شأن تهافت أوباما علی إيران وعرضه علی خامنئي التعاون في مواجهة «داعش» أن يطرح طوفانا من الأسئلة الدقيقة والحساسة؛ فهل يريد أوباما مثلا أن يؤجج النار في المناطق السنية العراقية التي تشکو من أن عناصر في قوات «الحشد الشعبي» الشيعية التي تقاتل مع الجيش والبيشمرکة لم تتوانَ عن إحراق البيوت في المناطق السنية، وحتی عن قتل البعض، وهو ما دفع المرجع الأعلی علي السيستاني إلی إدانة هذه الأعمال؟
وإذا کان أوباما يريد أن يتحالف مع إيران للقتال في المناطق السنية، فهل يعني ذلک فعلا أنه يريد أن يلحق الهزيمة بـ«داعش»، أم أنه يريد أن يلحق الهزيمة بالمسلمين سنّة وشيعة عبر محاولة «تدعيش» معظم السنة، وإشعال فتنة مذهبية شاملة تحرق المنطقة کلها، لينام علی وسادة صبره الاستراتيجي ويعربد الإسرائيلي في المنطقة؟!

 

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.