أخبار إيرانمقالات

الأسد والإيرانيون: إمّا استسلام المعارضة و إمّا «الحل العسکري»

 

 

الحياة
12/1/2017

 

 

بقلم:عبد الوهاب بدرخان

 

هناک ثغرات في خريطة الطريق الروسية لتجميد الصراع في سورية، أو لإنهائه، ومن الواضح أن موسکو بالغت في تقدير رضوخ نظام بشار الأسد وإيران وميليشياتها لإرادتها، أو أنها قللت من شأن خرقهم وقف إطلاق النار أملاً في تعويضهم ما اعتبروه «خسارة» في النهاية التي رسمتها لمعرکة حلب بالتفاهم مع ترکيا. وتمثّلت تلک «الخسارة» أولاً في أن ميليشيات الأسد وقاسم سليماني حُرمت من تسجيل مزيد من الفظائع، إذ لم تکن تريد خروجاً منظّماً للمقاتلين والمدنيين بل قتل العدد الأکبر منهم، توکيداً لإخلاء دموي نهائي لا عودة بعده، بل لا تفکير ولا حتی مجرد الحلم بالعودة. وتمثّلت «الخسارة» أيضاً في أن ميليشيات الأسد وسليماني کانت تخطط للبدء فوراً بمقدمات معرکة إدلب بالتزامن مع استکمال ما بدأته في وادي بردی والغوطة.
بدت ترکيا منقذةً لمقاتلي المعارضة وأهلهم من مذبحة معلنة مسبقاً وربما من هزيمة محققة، بل حتی منقذة لروسيا من الغرق في جريمة حرب کبری ارتکبتها لتوّها ولن تقودها إلا إلی جرائم أخری، أي إلی لا مکان، وفقاً لما خططته إيران التي لا تزال غاضبة من «اختراق» استطاعته ترکيا بعدما کانت أيقنت أنها استُبعدت من المعادلة أو علی الأقل أُضعفت. لکن روسيا وترکيا احتاجتا إلی التفاهم والتقارب واستثمرتا فيه، وفي الوقت ذاته أکثر الموفدون الروس من التردّد إلی طهران أخيراً لشرح رؤية موسکو وسعيها إلی هدنة جدّية، ثم إلی مفاوضات عسکرية سورية – سورية في آستانة ربما تتوصّل إلی رفع إشکالات صعبة من أمام مفاوضات سياسية يمکن استئنافها عندئذ في جنيف بإشراف الأمم المتحدة، لکن بجدول أعمال مخفّف يقرّه عسکريو النظام والمعارضة.
لم تتصوّر طهران يوماً تواجه فيه سيناريو کهذا يرمي إلی إنهاء الحرب من دون أن تکون هي التي ترسم تلک النهاية وتحدّدها. وحين کرّر کثرٌ من ساستها وعسسها أن إيران هي مَن سيقرّر مستقبل سورية لم يکن مستغرباً أن يتجاهلوا حليفهم الأسد، بل کان مستهجناً أن يتجاوزوا حليفهم الروسي الذي لهجوا طويلاً بأنهم هم مَن جاؤوا به ليقاتل في معرکتهم ضد «المؤامرة الکونية» إياها وضد «المشروع الإرهابي التکفيري». ها هم مضطرّون الآن للعودة إلی الواقع، أولاً لأن روسيا کدولة کبری تتدخّل أو تنسحب تبعاً لمصلحتها لکنها بالتأکيد لم تأتِ لخوض حرب بلا نهاية ولا يمکن أن تفرض وقفاً لإطلاق النار من دون أفق سياسي، وثانياً لأن «النصر» في حلب لم يمنع الأزمة السورية من العودة إلی حقيقتها، التي أنکرها النظام والإيرانيون والروس، کصراع بين حکم مستبد ومعارضة شعبية کان يمکن أن يبقی في إطار داخلي سلمي لولا جموح العدوانية الأسدية – الإيرانية والعبث بالإرهاب ومجموعاته، فضلاً عن تعمّد التهجير المنهجي للعب بالترکيبة الديموغرافية.
لم يتغيّر الروس بعد، وليس مؤکّداً أنهم يحاولون، لکن التغييرات التي طرأت خارجياً وتلک التي أجروها علی المشهد السوري أصبحت کافية للانتقال إلی المرحلة التالية التي کانوا يتحدثون عنها منذ خريف 2015. صحيح أنهم لا يتّصفون بالشفافية ولا يکترثون للمبدئية والأخلاقيات السياسية، ونادراً ما يصرّحون بحقيقة تفکيرهم، إلا أنهم عبّروا أکثر من مرّة طوال سنة ونيّف من تدخلهم عن أهداف محدّدة. وکان أول تلک الأهداف إعادة تنظيم الجيش السوري والعمل معه في شکل رئيسي واعتباره عماد الدولة التي رفضوا إسقاط النظام تجنّباً لسقوطها، وقد أذهلهم مدی التراجع الذي أصاب هذا الجيش والتشرذم الذي حوّل کثيراً من ضباطه «أمراء حرب» يتزعّمون ميليشيات تتموّل بالتهريب وفرض الإتاوات والنهب و «التعفيش»، بل شغلهم أيضاً حجم الاعتماد علی إيران التي همّشت الجيش واشتغلت کثيراً علی تأسيس ميليشيات إلی جانب تلک التي استوردتها، لکن الروس عملوا ويعملون علی ترميم المؤسسة العسکرية وإعادة الاعتبار إلی ضباطها حتی إن التعيينات والترقيات والمهمات التي تعلنها رئاسة الأرکان صارت تأتي من قاعدة حميميم بعد مراجعة موسکو. وفي الشهور الأخيرة فرض الروس علی النظام والإيرانيين ضرورة استيعاب الميليشيات المحلية جميعاً فوُزّعوها بعد تصنيفها علی الفيلقين الرابع والخامس المستحدثَين تحت إمرة قيادة الجيش. وتجدّد أخيراً ما کان تردّد في بدايات التدخّل عن عزم الروس علی استعادة العسکريين المنشقّين وتخطيطهم لضمّ مقاتلي فصائل المعارضة من غير العسکريين السابقين إلی أحد الفيلقين الجديدَين. ولا شک في أن هذا التوجّه يسحب ورقة مهمة من أيدي الإيرانيين، إذ يضع حدّاً للنهج الميليشيوي الذي اعتبروه إنجازهم الأساسي في سورية.
أما الهدف الآخر فکان البحث عن صيغة لحل سياسي، وقد حاولت روسيا بلورتها ثنائياً مع الولايات المتحدة، ثم توسّعت الطاولة لتضمّ دولاً ومنظمات معنية بلغت نحو عشرين في لقاءات فيينا. لکن موسکو لم تربط بين المسارين العسکري والسياسي، بل ترکت کلاً منهما يتقدّم بوتيرته، إلا أنها ربطتهما في کل المراحل بمساوماتها مع واشنطن في شأن الملفات الأخری (أوکرانيا، الناتو، منظومة الدفاع الأوروبي…)، وحتی عندما أصدر مجلس الأمن القرار 2254 أواخر کانون الأول (ديسمبر) 2015، وفيه کل التعديلات والشروط الروسية کان واضحاً أن موسکو ليست مقتنعة بأن ظروف الحل قد نضجت، لأن الأطراف المناوئة لنظام الأسد ظلّت تُخضع التفاوض لمعادلة ميدانية غير محسومة.
لم يذهب الروس إلی معرکة حلب إلا بعدما أيقنوا بأن شيئاً لم يعد ممکناً انتزاعه من إدارة باراک أوباما التي اقتربت من نهايتها، لکنهم استمالوا ترکيا الأطلسية التي باتت تتساءل عن مبرر وجود قاعدة إنجرليک علی أرضها بعدما استطاع الروس تهدئة هواجسها کلياً أو جزئياً وإثبات أنهم ليسوا بصدد اللعب بالورقة الکردية ضدّها، کما کرّسوا شراکتها الفعلية في محاربة الإرهاب ثم في إدارة مرحلة ما بعد حلب. وبذلک تعتقد موسکو أنها شقّت الطريق إلی حلٍّ ما في سورية بعدما اطمأنّت إلی أن الإدارة الأميرکية الجديدة لن تبحث عن «شراکة» في هذا البلد ولن تخوض صراعاً علی أوکرانيا بمعايير إدارة أوباما والاتحاد الأوروبي.
لکن، هل الحل الذي تتصوّره روسيا، عسکرياً وسياسياً، يمکن أن يتحقّق؟ علی رغم فظاظتها المعهودة فإنها – حتی الآن – لم تعامل فصائل المعارضة کفريق مهزوم عليه الرضوخ لشروط مذلّة، حتی إنها بدت فجأة متفهّمة الدوافع القتالية لتلک الفصائل، بل راهنت عليها لإنجاح الهدنة الشاملة ومفاوضات آستانة. غير أن التنسيق الأسدي – الإيراني لهذَين الاستحقاقَين (خلال زيارة وليد المعلم وعلي مملوک طهران) أبدی التمنّع المتوقّع عن تسهيل السيناريو الروسي سواء بالاعتماد علی «حزب الله» لخرق وقف النار في وادي بردی أو بإعلان الأسد أن هذه المنطقة لا يشملها وقف النار، مدعياً أن لـ «تنظيمي داعش والنصرة» وجوداً فيها وهذا غير صحيح، وأن المقاتلين هناک عطّلوا منشأة عين الفيجة التي تروي دمشق رغم أن طيران النظام قصفها مراراً وتسبّب بتعطيلها لتعزيز ذريعة الهجوم علی الوادي ومواصلة الأعمال العدائية.
لا بدّ أن موسکو مدرکة أن «حليفيها» في دمشق وطهران ذهبا إلی حد قطع المياه عن العاصمة لتخريب اتفاق وقف إطلاق النار، وبالتالي لإفساد لقاء آستانة أو تعطيله. أي أنهما بصدد فرض أمر واقع ميداني لاختبار ردّ موسکو، فإمّا أن تغضّ النظر عن اندفاعهم للسيطرة علی وادي بردی ما يعني أيضاً المجازفة بقبول منطق مواصلة الحرب في الغوطة، وإمّا أن تجمّد اندفاعها إلی إنهاء الصراع لأن ظروفه لا تناسب الأسد الذي کرر السعي إلی «استعادة السيطرة الکاملة» في سياق إبدائه الاستعداد لـ «التفاوض علی کل شيء» (باستثناء البحث في مصيره) في آستانة، بل إن هذه الظروف لا تخدم الإيرانيين الذين بات مؤکّداً أنهم لا يريدون أي حلّ وصولاً غير «الحل العسکري» الشامل. والمؤکّد أن استثناء وادي بردی والغوطة من الهدنة قد يحول دون ذهاب فصائل إلی التفاوض، علماً أن «شيطان» التفاصيل من شأنه أن يعرقل أي توافق في آستانة، فمطالب المعارضة العسکرية لهدنة حقيقية وشاملة هي ذاتها مطالب المعارضة السياسية.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.