خبراء أميرکيون: إيران ستستغل تحرير أموالها المجمدة لزعزعة استقرار المنطقة

الشرق الاوسط
31/7/2015
بقلم: محمد علي صالح
توقعات بأن تعزز طهران دعمها لحزب الله والأسد والعراق بعد استعادة أرصدتها
واشنطن- بينما بقي حصر المبالغ الحقيقية للأموال الإيرانية المجمدة غامضا، وصعب تقديرها من طرف خبراء ماليين دوليين، بسبب عدم شفافية البنوک الإيرانية في التعامل، إضافة إلی تضارب المبالغ المعلن عنها من طرف الحکومة الإيرانية، وما أعلنته جهات متخصصة في الأمم المتحدة وجيهات أخری في واشنطن، تتصاعد المخاوف دوليا من استعمال الأموال الإيرانية المجمدة عند استعادتها من طهران للمزيد من التدخل في شؤون دول المنطقة الداخلية، خاصة مع الدعم الإيراني المعلن لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، ولحزب الله اللبناني، وللعراق الذي من المتوقع أن تصبح طهران حليفه الأول حتی قبل الولايات المتحدة الأميرکية إذا ما عززت طهران دعمها المالي له.
خلال استجواب لجنة الشؤون الخارجية لمجلس النواب عددا من الوزراء حول الاتفاق الإيراني النووي، نفی وزير الخزانة جاک لو قول عدد من النواب الجمهوريين بأن إيران ستحصل علی مائة وخمسين مليار دولار إذا رفعت عنها العقوبات الدولية والأميرکية، وصارت أموال إيران المجمدة، في بنوک أميرکية وأوروبية وغيرها، متوافرة للحکومة الإيرانية. وأضاف: «نقدر أن المبلغ هو مائة مليار دولار، لا مائة وخمسين مليار دولار (کما کرر جمهوريون أثناء الاستجواب). ونقدر أنه، بعد تخفيف العقوبات، ستقدر إيران علی الحصول علی نصف هذا المبلغ، علی نحو 50 مليار دولار». وقال إن عشرين مليار دولار (من جملة مائة مليار دولار) تتبع لعقود مشاريع إيرانية صينية. ولا يمکن أن تصرفها إيران علی مجالات أخری.
غير أن الوزير قال الثلاثاء الماضي إنه ليس متأکدا من هذه الأرقام. وحسب تقديرات معهد «هيرتدج» (اليميني) في واشنطن، بعد وضع اعتبارات للغموض، والتعقيدات الحسابية، وعقود إيرانية مع دول أخری (مثل مع الصين) علی حساب الأموال المجمدة، ستتوافر أمام الحکومة الإيرانية مائة مليار دولار (علی اعتبار أن جملة المبلغ هو مائة وخمسين مليار دولار).
ويوم الأربعاء، قال لـ«الشرق الأوسط» کينيث کاتزمان، خبير الشرق الأوسط في مکتبة الکونغرس، وکاتب تقرير أصدرته، قبل شهرين، المکتبة عن العقوبات المفروضة علی إيران، إن جملة الأموال الإيرانية المجمدة «ليست مؤکدة»، وذلک لأن بعضها يعود إلی قبل قرابة أربعين عاما، بعد الثورة الإيرانية التي عزلت شاه إيران (کانت توجد حسابات معلقة بين البلدين).
من جهتهم، کتب عدد من الخبراء الأميرکيين تقارير عن الموضوع، وتعددت الآراء بين الترکيز علی استثمارات داخلية، وبين زيادة التدخلات الإيرانية في شؤون دول أخری، خاصة دول المنطقة.
والأسبوع الماضي، قال تقرير أصدرته وزارة الخزانة (التي تشرف علی العقوبات ضد إيران، وعلی الأموال المجمدة) إن إيران تحتاج إلی خمسمائة مليار دولار «حتی تعود إلی مصاف الدول ذات الاقتصاد الفعال»، بعد قرابة أربعين عاما من المقاطعات والعقوبات، أميرکية ودولية، وإن إيران تحتاج إلی مائة مليار دولار لتحسين إخراج ونقل وتصنيع ثروتها من النفط والغاز الطبيعي.
في شهر أبريل (نيسان)، قال تقرير في مجلة «فورين بوليسي» (التي تصدرها صحيفة «واشنطن بوست») إن الولايات المتحدة لن تفرج عن الأموال المجمدة دفعة واحدة، وربما ستفعل ذلک خلال الأعوام الخمسة عشر المقبلة تدريجيا، وإن جملة الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج هي 120 مليار دولار تقريبا، وإنها ستکسب عشرين مليار دولار کل عام من النفط والغاز الطبيعي، وستصرف جزءا کبيرا منها لتحسين منشآت التنقيب والاستخراج والنقل والتصنيع.
وتوقعت «فورين بوليسي» أن تصرف إيران «عشرات المليارات من الدولارات» لدعم حلفائها في المنطقة، خاصة حزب الله في لبنان، ونظام الرئيس بشار الأسد في سوريا. وقالت إن نظام الأسد يظل يحتاج إلی مزيد من الدعم الإيراني مع مرور کل يوم في الحرب، وإن الإنتاج الوطني السوري السنوي کان 60 مليار دولار قبل بداية الحرب الأهلية هناک، ويعتقد أنه وصل الآن إلی جزء قليل من ذلک (بالمقارنة مع الإنتاج الوطني الإيراني السنوي: 350 مليار دولار).
وأصدر خبراء في معهد واشنطن للشرق الأدنی تقارير تفصل نوايا إيران لاستغلال الأموال المجمدة، عندما يرفع الحظر عنها، للتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة. وکتب أندرو تابلار الآتي عن دعم إيران لنظام الأسد: «إذا زادت طهران تمويل حليفها في دمشق، فإنها ستحسن کثيرا احتمالات بقائه لفترة طويلة، لکن، سيکون ذلک بصورة متناقصة». وأضاف: «تقدر الالتزامات الحالية لإيران في سوريا بما يقدر بعدة مليارات من الدولارات کل عام. وستستخدم إيران أي مصادر نقدية جديدة في کل شيء لدعم نظام الأسد: النفقات العامة، الصرف البيروقراطي، الحفاظ علی الجيش الذي يتقلص تدريجيا، ودعم سعر صرف الليرة السورية».
وأشار تابلار إلی أن هذه التحويلات ستکون إضافة إلی شحنات المنتجات الغذائية التي يوزعها النظام علی المواطنين بالتموين، بالإضافة إلی شحنات النفط الخام، خاصة الديزل المکرر (لا يخضع لعقوبات).
وفي الوقت الحاضر، ترسل إيران ستين ألف برميل يوميا من النفط الخام إلی سوريا (بما يعادل مليارا وربع المليار دولار في العام). وبالنسبة للمساعدات العسکرية، يتوقع أن تزيد إيران دعم قوات الدفاع الوطني، وهي ميليشيات خاصة، أغلبيتها من العلويين، وتدافع عن نظام الأسد (بالإضافة إلی القوات السورية المسلحة). وتشرف عليها قوات الحرس الثوري الإسلامي الإيراني. وستزيد، أيضا، ميزانية مجموعات شيعية تحارب مع نظام الأسد، منها حزب الله اللبناني، الذي يعتقد أنه ينشر نحو 5 آلاف مقاتل في سوريا.
من جانبه، کتب مايکل نايتز عن توقعات زيادة الصرف الإيراني في العراق، وقال: «منذ يونيو (حزيران) عام 2014، أسهم الحشد الشعبي في جزء کبير من انتصارات حکومة العراق ضد تنظيم داعش، أو، علی الأقل، أسهم في عرقلة تقدمه». وأشار إلی أن هذه الميليشيا تقودها شخصيات تدعمها إيران، مثل قائد کتائب بدر، هادي العمري، وقائد «عصبة أهل الحق»، قيس الخزالي، وأبو مهدي المهندس، الذي وضعته الحکومة الأميرکية في قائمة الإرهاب.
وأضاف نايتز أن التمويل الأميرکي المتوقع لعمليات تدريب وتسليح القوات العراقية المسلحة هو مليار ونصف مليار دولار، يصرف منه في العام الحالي ثلاثة أرباع مليار دولار.
علی الجانب الآخر، فإنه إذا زادت إيران تمويلها، بعد الإفراج عن أموالها المجمدة، فستکون «الشريک الأمني الرئيسي» لحکومة العراق، قبل الولايات المتحدة. وتستمع إيران بميزات أخری لا تستمع بها الولايات المتحدة. وهي أنها لا بد أن تزيد إسهاماتها في انتخابات مجالس المحافظات في عام 2017، وفي الانتخابات البرلمانية في عام 2018. وتهدف إيران «ليس فقط لدعم المعتدلين والتکنوقراطيين والبيروقراطيين، مثل رئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي، ولکن، أيضا، لتوسيع القاعدة الشيعية التقليدية». وأشار نايتز إلی أنه خلال الحملة الانتخابية البرلمانية عام 2010، قدر نائب الرئيس الأميرکي جو بايدن أن إيران صرفت 100 مليون دولار لتعزيز سيطرة أنصارها في العراق علی البلاد.
وکتب ماثيو ليفيت عن توقع زيادة دعم إيران إلی حزب الله اللبناني، بعد الإفراج عن الأموال الإيرانية المجمدة. وقال: «تظل إيران هي الممول الرئيسي لحزب الله. تموله بما يصل إلی 200 مليون دولار سنويا، بالإضافة إلی الأسلحة، والتدريب، والدعم الاستخباراتي، والمساعدات اللوجيستية، وأکثر من ذلک». وأضاف ليفيت أنه، خلال الأشهر الثمانية عشر الأخيرة، خفضت إيران هذا الدعم، بسبب تراجع أسعار النفط، وبسبب زيادة ضغط العقوبات الدولية.
في العام الماضي، أصدرت وزارة الخزانة الأميرکية تقريرا قالت فيه إن العقوبات «أثرت علی الاقتصاد الإيراني بصورة لم يسبق لها مثيل، في مجال تأثير عقوبات أجنبية علی دولة معينة»، وإن هذا «خفض تمويل الجماعات الإرهابية، مثل حزب الله». وقال ليفيت إنه إذا رفعت العقوبات، کليا أو جزئيا «فلا بد أن تزيد إيران دعمها لهذه الجماعات الإرهابية، خاصة حزب الله». وأضاف: «مع المزيد من المال، يمکن زيادة مساعدات الميليشيات الشيعية في أماکن مثل العراق واليمن. ويمکن إرسال أعداد من المدربين المهرة إلی مثل هذه الدول لدعم القوات المحلية، بل للقتال معهم. ويمکن توسيع الدعم، خاصة، للمتمردين الحوثيين في اليمن». وأشار ليفيت إلی أن دعم الحوثيين في الوقت الحاضر يشرف عليه خليل حرب، قائد العمليات الخاصة السابق والمستشار المقرب من زعيم حزب الله حسن نصر الله.
وکتب سايمون هندرسون عن توقعات زيادة صرف إيران علی تدخلاتها في الدول الخليجية بعد رفع الحظر عن أموالها المجمدة. وقال: «يقلق دول المنطقة احتمال أن تثری إيران بعد رفع العقوبات عليها. من بين هذه الدول البحرين، لأن غالبية سکانها من الشيعة، والسعودية، لأن الشيعة يشکلون الأغلبية المحلية في المنطقة الشرقية، حيث توجد حقول ومنشآت النفط الرئيسية».
وأشار هندرسون إلی زيارة وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إلی المنطقة مؤخرا. وقال هندرسون إن ظريف تعمد عدم زيارة البحرين والسعودية، وزار قطر، التي تشترک مع إيران في أکبر حقل للغاز الطبيعي في أي منطقة مائية في العالم، وزار، أيضا الکويت، والعراق. واستبعد ظريف (في ما يبدو في اللحظة الأخيرة) زيارة الإمارات العربية المتحدة، رغم «وجود المرکز التجاري العالمي المهم في دبي، حيث تأمل إيران في الاستفادة من زيادة التجارة هناک بعد رفع الحظر علی أموالها. وقال هندرسون إنه حتی قبل رفع الحظر عن أموال إيران المجمدة، في الشهر الماضي، أعلنت البحرين أنها اعترضت قاربا سريعا في الخليج کان يحمل بنادق، وذخائر، ومتفجرات، من أصل إيراني.
وعن اليمن، قال هندرسون إن إيران تعرقل «بکل ما لديها من نفوذ وقوة» إعادة حکم الرئيس عبد ربه منصور هادي، وإنها تدعم قوات المعارضة التي يقودها المتمردون الحوثيون، وأنصار الرئيس السابق علي عبد الله صالح. لهذا، «أي رفع محتمل للعقوبات علی إيران يعني زيادات کبيرة في المساعدات المستقبلية للحوثيين، والتي ستکون غير مقيدة بسبب نقص السيولة النقدية في إيران في الوقت الحاضر».







