لماذا يطالبون بمحاکمة المالکي؟

القبس الکويتية
12/11/2014
بقلم: زهير الدجيلي
رغم انها دعوات قديمة استمرت عدة سنوات خلت، فان المطالبات بمحاکمة نوري المالکي رئيس وزراء العراق الأسبق من عام 2005 إلی 2014 تزايدت في الأيام الأخيرة.
والذي جعلها تشتعل بعد ان کانت مثل النار تحت الرماد ما يواجهه العراق الآن من أزمة مالية خانقة بسبب العجز المالي الکبير الذي ترکه في خزينة العراق ورحل. ولم يبق في هذه الخزينة غير 3 الی 5 مليارات دولار، بعد أن أهدر عشرات المليارات من دون رقابة وحساب، علی حد قول المطالبين بمحاکمته، وعدم ترکه يفلت من المساءلة. وکان من أوائل الذين فتحوا النار عدد کبير من النواب الذين أثاروا أکثر من 15 تهمة في ملفات فساد وإهمال وارتکاب جرائم تحت عنوان «جرائم ضد الإنسانية».
غير ان أهم الانتقادات تلک التي قالها وزير المالية الجديد هوشيار زيباري، الذي خصص فيها جزءا کبيرا للهدر المالي الفظيع الذي مارسه المالکي والذي جعل العراق يوشک علی الإفلاس، حسب تعبيره.
البعض من حزب الدعوة و«ائتلاف دولة القانون» ومن الأحزاب الشيعية المؤتلفة في «التحالف الوطني» الحاکم يعتبرون المالکي مظلوما ويدافعون عنه، معتبرين ما قام به من تصرفات وإجراءات هي من الضرورة والاضطرار، وبعضهم يعطيها صفة دينية شرعية تحت مسمی «دفع بلاء» مثلما تدفع البلاء بالرشوة مثلا. غير ان دفاع هؤلاء لا يلقی آذانا صاغية أو تأييدا من المطالبين بمحاکمته، وبالأخص أهالي مئات الضحايا الذين قضوا ظلما في عهد المالکي، ويقولون: مثلما حاکمنا صدام علی جرائم ممائلة يجب محاکمة المالکي. غير أن اوساط التحالف الوطني الحاکم ترفض ذلک، وتبرر عدم ملاحقة المالکي بانها بند من بنود «التوافق» علی إبعاد المالکي وترئيس العبادي بدلا عنه. بما في ذلک إعطاء المالکي منصب نائب الرئيس؟
واشنطن: شأن داخلي
وفي سياق الشد والجذب بين المطالبين بالمحاکمة والرافضين لها، نأت واشنطن بنفسها عن الإفتاء وإعطاء رأي يشجع أيا من الطرفين.
وحسب مصادر مقربة فان السفير الأميرکي قال لمجموعة من السياسيين في لقاء معهم ان هذا الأمر شأن داخلي يخص العراق. غير أن واشنطن قبل ابعاد المالکي، رفعت من مستوی انتقاداتها له واتهمته بشتی الاتهامات، ابرزها «الطائفية»، مما شجع منتقديه علی المطالبة بمحاکمته فيما بعد، وفتح عشرات الملفات .
أبرز الاتهامات.. القتل
من ابرز الاتهامات القتل العشوائي والمبرمج. فهو يتهم بتشکيل فرقة خاصة مهمتها مداهمة واعتقال من يعتبرهم خصوما له، حيث کانت هذه الفرقة الخاصة تقوم بقتل هؤلاء المعتقلين وتصفيتهم من دون الرجوع الی أي جهة قضائية ورسمية. وحسب هذا الملف کان يتم الاعتقال في سجون خاصة سرية افتضح أمرها بعد اکتشاف جرائم اعتقال وقتل من قبل القوات الأميرکية التي کانت تتغاضی عن هذه السجون، لکنها اضطرت في عام 2009 – 2010 الی الکشف عنها.
اعتقال النساء
ومن بين اکثر من ثلاثة آلاف أمرأة تم اعتقالهن من قبل أجهزة المالکي السرية، کانت هناک 700 امرأة تم اعتقالهن عوضا عن أبنائهن أو اخوانهن أو أزواجهن الهاربين. واشترطت سلطات المالکي عدم اطلاق هؤلاء النساء ما لم يسلم الرجال أنفسهم للسلطات. ويتحدث هذا الملف عن عمليات اغتصاب وشهادات نساء معتقلات تعرضن للاغتصاب علی ايدي الحراس في تلک السجون السرية.
المادة 4 إرهاب
ومن بين ملفات الاتهام إساءة استخدام السلطة قانونا تم وضعه حسب رغبة المالکي وأسلوب إدارته للحکم. حيث تضمن القانون اسوأ مادة استخدمت ضد المواطنين، وهي المادة «4 إرهاب» التي تتيح للأجهزة الأمنية اعتقال المواطن علی الشبهات ومن دون الرجوع الی جهة قضائية.. مما جعل عشرات الآلاف من المواطنين يقضون فترات طويلة في المعتقلات من دون تحقيق أو محاکمة.
المخبر السري
ويتحدث أحد الملفات عن تهمة «المخبر السري» التي کان المالکي وأجهزته الخاصة يستخدمها في اعتقال خصومه السياسيين والمواطنين الآخرين ممن يعتبرهم خصوما لحکمه. وکانت اغلب قضايا الاعتقال والمحاکمات الصورية غير القضائية تجري وفق فقرة «المخبر السري» من دون الافصاح عن هذا المخبر أو التحقيق في هذا البلاغ ان کان صحيحا أو کاذبا. وراح المئات من الضحايا نتيجة هذه السياسة، وبما نص عليه الدستور من حقوق. ويشير الملف الی جلسات البرلمان طيلة تلک السنوات التي کان قد طالب فيها النواب بإلغاء مواد «المخبر السري» والمادة 4، معتبرين انه الإرهاب بعينه.
قتل المتظاهرين
ويتحدث أحد الملفات عن ايعازه الی قواته بضرب المتظاهرين بالنار وتفريقهم، کما جری في ساحة التحرير ببغداد عامي 2010 ـ 2011 حيث تعرض المتظاهرون الی اطلاق النار، وسقط جراء ذلک عدد من القتلی والجرحی. وکما جری في الناصرية بعد ان تظاهر المواطنون احتجاجا علی سسياسة المالکي، ومنذ ذلک التاريخ تجاهلت السلطات القضائية مساءلة المالکي وأجهزته فيما کانت تجري فيه محاکمات الرئيس المصري الأسبق حسني مبارک عن جرائم قتل المتظاهرين في ميدان التحرير .
الفساد والرشوة علی کل صعيد
ويتحدث العديد من الملفات عن الفساد الذي استشری وتکوين «بطانة» فاسدة في مکاتبه تحت مسميات عديدة، کانت تقوم بعشرات الصفقات لقاء رشی مالية کبيرة. کما ان هذه البطانة من المستشارين غير الکفوئين ومن الأتباع الموالين له کانت تشکل عبئا ماليا کبيرا علی الدولة، مما جعل ميزانية مکاتب رئيس الوزراء تتجاوز عدة مليارات من الدولارات غير خاضعة للرقابة. ويشير اثنان من الملفات الی تفشي الفساد والرشوة في جميع الوزارات ومنها وزارة التجارة، ووزيرها فلاح السوداني الذي ادين بجرائم الرشوة والفساد وإهدار ميزانية البطاقة التموينية، لکن المالکي سعی الی اطلاق سراحه لأنه من حزب الدعوة .
.. وصفقات السلاح الفاسدة
ويتهم احد الملفات المالکي بالتواطؤ في تمرير صفقات سلاح من روسيا وأوکرانيا واسبانيا والتشيک وغيرها، حيث تلقت اللجان رشی تصل الی نسبة %40 من قيمتها. وقد اعترفت الجهات الموردة لهذه الصفقات بذلک، کما اعترف المالکي ومکتبه بهذا الفساد، الذي مازالت وزارة الدفاع تتستر عليه لأن المالکي کان هو أصلا وزير الدفاع رغم تعيين وزير الثقافة وکيلا عنه. وقد طالبه البرلمان بالمثول أمامه لاستجوابه ، لکنه رفض ذلک .
أجهزة کشف المتفجرات ويتحدث احد الملفات عن جريمة استيراد أجهزة الکشف الفاسدة عن المتفجرات، التي أنفقت ملايين الدولارات لشرائها في صفقة أدت الی استيراد أجهزة فاشلة، نتج عنها عدم السيطرة علی تمرير المتفجرات والمفخخات، مما أدی الی وقوع عشرات الآلاف من الضحايا نتيجة هذا الأهمال.
ضياع الموصل والمحافظات الأخری
ويتهم احد الملفات، الذي يحتوي علی تفاصيل مذهلة، المالکي بضياع الموصل وتسليمها للتنظيم الارهابي «داعش» نتيجة الاهمال في کل شيء، والتغاضي عن ثغرات الخلل في القوات العسکرية المتجحفلة هناک، والاعتماد علی قادة غير کفوئين وانتهازيين، ولمجرد کونهم يقدمون الولاء الشخصي للمالکي. ويشير الاتهام الی من الذي أعطی الايعاز للقوات في الموصل بالانسحاب، ومدی مسؤولية وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة عن هذه النکسة التي حاول المالکي وأتباعه التهرب من تبعاتها. ويتحدث عن ضباط أوکل لهم المالکي مهمات في الموصل، واتضح انهم متواطئون مع «داعش».
المکتب العسکري
ويشير أحد الملفات الی عدم قانونية إدارته للقوات المسلحة ، وتشکيله مکتبا عسکريا يدير القوات المسلحة عشوائيا ومنفردا، کما يدير عمليات حفظ الأمن في جميع مرافق الدولة من دون الرجوع الی البرلمان او مجلس الوزراء. حتی بات الحال أشبه بالمکتب الخاص التابع لصدام حسين في عهده، والذي کان بمنزلة الکل بالکل في الدولة. وبموازاة ذلک ابعد المالکي عشرات الضباط المحترفين وقرب الموالين له من غير الکفوئين، والغی وحدات عسکرية وشکل بدلا عنها وحدات خاصة أکثر ولاء له بدافع هاجس الحفاظ علی السلطة باي ثمن. ويشير الملف الی اصرار المالکي علی تحدي الجميع والتشبث بالمنصب وتحريک القطعات العسکرية الموالية له لاحتلال بغداد، وتوجيه اتهامات لرئيس الجمهورية علنا في مخالفات قانونية ودستورية لاتعد ولاتحصی يحاسب عليها.
جريمة الحويجة
ويتحدث أحد الملفات عن جريمة قتل المتظاهرين في الحويجة قرب کرکوک، وقال أحد الضباط في التحقيق ان المالکي قال لهم استخدموا کل الوسائل لقمع هؤلاء الارهابيين. وجراء ذلک سقط العشرات من القتلی وماتزال هذه الجرية طيّ الأهمال.
ملفات کثيرة
وتهم أکثر وهناک ملفات کثيرة بتهم لا تعد ولا تحصی، لا يمکن الحديث عنها کلها، غير ان مسؤولية المالکي تتجلی فيها وبالأخص مسؤوليته عن معاناة مئات الآلاف من المهجرين بلا مأوی في الخيام طيلة عهده، متنصلا من هذه المعاناة. اضافة الی تهمة التغاضي عن تهريب النفط من قبل جهات مقربة إليه. فضلا عن تواطئه مع الميليشيات مثل عصائب الحق واطلاق سراح قادتها رغم ثبوت الجرائم عليهم. کما تتحدث الملفات عن الاف المواطنين الذي ترکوا العراق هربا من بطش المالکي وأجهزته القمعية.
بعد هذا العرض الموجز يبقی السؤال الأهم: هل يأتي يوم يقف في قفص الاتهام مثلما وقف من سبقه، أم أن هناک صفقة سياسية وجهات داخلية وخارجية تحميه وهي لاتزال تقول بعد کل هذا إنه مظلوم؟ وما أکثر «المظاليم» في هذه الدنيا من أمثال نوري المالکيّ!
ابنه وأقاربه والأموال الطائلة
يتحدث أحد الملفات عن الثراء الذي وصل اليه المالکي، وبروز ابنه أحمد المالکي کصاحب سلطة يشبه في حالته ما وصل اليه عدي بن صدام علی حد قول الملف، الذي يعدد الرشی وعمليات الفساد التي أدارها ابن المالکي، وتعيينه مسؤولاً أمنياً في المنطقة الخضراء مقر البرلمان والحکومة، حسب اعتراف المالکي نفسه، في مخالفة قانونية للعرف السائد ومن دون الرجوع للبرلمان. ويطالب الملف بالتحقيق مع المالکي وبطانته وکبار المسؤولين في حزب الدعوة وائتلاف دولة القانون والتحالف الوطني عن مصدر الأموال التي بحوزتهم الآن، وعن ممتلکاتهم في الخارج ومصادر هذه الأموال بين عام 2003 – 2014 وفق مبدأ «من أين لک هذا؟»، ان کانوا هم أنفسهم أم زوجاتهم أم أولادهم وأقرباؤهم. ويشير الملف الی أن أغلب هؤلاء کانوا لا يملکون أموالا وممتلکات عقارية أو شرکات قبل 2003، انما اثروا بعد الاحتلال، وبعد نهب المال العام بشتی الطرق.
دعم النظام السوري
يتطرق احد الملفات الی دعم المالکي للنظام السوري واتخاذ اجراءات عديدة لتعزيز هذا الدعم من دون عرض هذا الموقف علی البرلمان أو ايجاد مسوغ قانوني ودستوري يبرر ذلک. ويتمثل هذا الدعم بالسماح لقوات ومساعدات عسکرية ايرانية للنظام السوري عبر أراضي العراق، مما يخل بالسيادة العراقية، والسماح لتنظيمات وميليشيات خاصة من العراقيين بالذهاب للقتال الی جانب النظام السوري، مما يخالف الدستور ويتعارض مع دور الحکومة في الحفاظ علی حياة المواطنين. وعدم الکشف عن هذه السياسة التي تتعارض مع مبدأ عدم التدخل بشؤون الدول المجاورة کما هي سياسة العراق المفترضة.
جريمة معسکر سبايکر والصقلاوية
ويتحدث أحد الملفات عن جريمة قتل ما يزيد علی 1700 من الجنود المرابطين في معسکر سبايکر قرب تکريت، وتسليمهم لتنظيم داعش الذي قام بقتلهم. وقد حدث ذلک بتواطؤ واهمال من ضباط المعسکر في عهد المالکي الذي کان وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، وهي جريمة کبری مسؤول عنها المالکي باعتباره رأس الهرم بالسلطة. ولاتزال هذه الجريمة وحيثياتها ومن وراءها مطوية في اوراق لجان سعت الی تبرئة ساحته، وقد تبعتها جريمة مماثلة راح ضحيتها أکثر من 500 جندي في معسکر الصقلاوية.
هدر المال العام
يتحدث أحد الملفات عن الهدر الفظيع للمال العام، حيث ان العراق طوال حکم المالکي حصل علی ايرادات مالية من النفط وغيره تجاوزت 800 مليار دولار غير تلک التي لم تحسب. وهذا مبلغ کبير کان يمکن انفاقه علی التنمية، لکن العراق ظل معدما ومفلسا لان تلک الأموال ذهبت هدرا بالانفاق العشوائي، وبارشاء الموالين للمالکي وبأوجه الفساد الذي استحوذ علی مرافق الدولة طيلة حکمه. وترک المالکي السلطة والعراق بلا موازنة مالية لعامين والخزينة تقارب الافلاس، حيث لم يتسلم خلفه العبادي غير 3 – 5 مليارات لا تکفي للرواتب لمدة شهرين. ويتحدث الملف عن الانفاق العشوائي غير الخاضع للرقابة المالية والمحاسبة، الذي تم علی العمليات العسکرية وعلی مايسمی بـ«الحشد الشعبي» الذي استنزف موارد الدولة الذي قال عنه منذ ايام وزير المالية هوشيار زيباري إنه اکبر مشکلة اقتصادية يواجهها العراق.
الحرب ضد أهل الأنبار
يتحدث أکبر الملفات في عدد الصفحات عن «حرب الأنبار»، حيث وقف في البداية ضد المطالبات السلمية التي کان الأهالي المعتصمون يطالبون بها من دون استجابة من المالکي الذي کان يرد عليهم طوال عدة أشهر بالاتهام بأنهم «ارهابيون» مما ساعد علی اثارة الفتنة الطائفية في البلاد ضد الأنبار والمحافظات ذات الأغلبية السنية. وبدلا من اللجوء الی الحوار والوفاق، کما يقول الملف، لجأ الی الحرب بکل الوسائل العسکرية بما في ذلک قصف المدن بالبراميل المتفجرة، مستخدما اسلوب النظام السوري نفسه، وقد ادت الحرب والقصف العشوائي طيلة أکثر من عام علی هذه المحافظة الی تشريد أکثر من مليوني مواطن، وتدمير معظم مدن الأنبار وقصباتها وقراها التي تحولت الی ساحات حرب مستمرة، وأدت سياسة المالکي الطائفية هذه الی توفير «حواضن» للجماعات الارهابية، وخلق مناخ ملائم لها. وجراء استمرار الحرب سقط الاف المواطنين قتلی وجرحی، تطالب عوائلهم الآن بمحاکمة المالکي الذي قاد الحرب ضد مدنهم وجعل محافظتهم مرتعا للارهاب.







