العالم العربيمقالات

«مصير الأسد يقرره السوريون»!

 

 

الحياة اللندنية
2/4/2017
 
بقلم: الياس حرفوش

 

يمکن أن نتخيل بشار الأسد سعيداً بالجرعة الجديدة من الحياة التي منحته إياها تصريحات المندوبة الأميرکية في الأمم المتحدة نيکي هايلي وتصريحات رئيسها وزير الخارجية ريکس تيلرسون. الوزير يريد للشعب السوري أن يقرر مستقبل رئيسه. والسفيرة لا تری أن إزاحة الأسد عن السلطة يجب أن تکون أولوية أميرکية. بل الأولوية، في رأيها هي «لمکافحة الإرهاب».

في الحالتين يستطيع الأسد أن يعتبر نفسه منتصراً. فهو يعرف أن الشعب السوري الذي يتحدث عنه وزير خارجية أميرکا ويريده أن يقرر مستقبل رئيسه لم يعد موجوداً. لا بد أن وزير خارجية الدولة العظمی سمع أن نصف هذا الشعب بات في القبور أو في المنافي، أو واقفاً علی حدود الدول يستعطي کوب ماء أو لقمة خبز. أما النصف الآخر فهو يتقاتل في الداخل، منقسماً إلی صفوف طائفية ومذهبية، بعد أن نجح بشار الأسد في تحويل الانتفاضة السلمية ضد حکمه إلی حرب أهلية.

أما حديث السفيرة عن محاربة الإرهاب، باعتباره أولوية تسبق من حيث الأهمية مطلب إبعاد الأسد عن السلطة، فهو يغفل أيضاً حقيقتين: الأولی أن الإرهاب الذي يجري الحديث الآن عن محاربته في سورية هو من صنع النظام نفسه. هذا النظام هو الذي استورد الإرهابيين من العراق حيث أشرف علی تدريبهم وتمويلهم لمحاربة القوات الأميرکية، ثم قام بإطلاق الباقين من سجونه، وکل ذلک لهدف واحد، هو تغطية حربه علی السوريين بشعار مکافحة الإرهاب، لأنه شعار يسهل تسويقه في الغرب. وهو ما نجح فيه الأسد مع إدارة أوباما أولاً، والآن مع إدارة ترامب.
أما الحقيقة الثانية التي يغفلها کلام السفيرة هايلي فهي أن مکافحة الإرهاب لا تستقيم في سورية من دون القضاء علی حکم الأسد. فالممارسات الإجرامية التي يرتکبها النظام لا تقل إرهاباً عن جرائم «داعش» أو «النصرة» أو سواهما. إذ ماذا يسمی قتل الناس بالأسلحة الکيماوية وإلقاء المعارضين أحياء من سطوح المنازل، وذبح المدنيين ونزع حناجرهم؟ وبماذا يختلف هذا عن إحراق الأبرياء وقطع الرؤوس الذي ترتکبه عصابات البغدادي؟ الحقيقة البسيطة هي أن جرائم الجزّارين العاملين في صفوف النظام هي التي شرّعت الأبواب لکل أنواع الاستباحات في الحرب الدائرة في سورية.

ليس الجهل هو الصفة الوحيدة التي يمکن إطلاقها علی تصريحات المسؤولين الأميرکيين، في ما يتعلق بمستقبل سورية. هناک فوق ذلک التناقض الفاضح بين هذه التصريحات وبين الهدف المعلن لإدارة ترامب، والذي يرکز علی محاربة النفوذ الإيراني في سورية وفي المنطقة. نيکي هايلي نفسها تقول إن «من الضروري أن نُخرج إيران ومن يحاربون عنها بالوکالة من سورية». حسناً. ألا تعرف هايلي أن هؤلاء الذين تريد إخراجهم من سورية هم الذين يحاربون هناک من أجل إبقاء الأسد في الحکم؟ ألم تقرأ تصريحات المسؤولين الإيرانيين أنفسهم وتصريحات الميليشيات العاملة في ظلهم، والتي تؤکد أن قتال هؤلاء في سورية هو الذي يحمي النظام ويمدّه بأسباب البقاء؟ وهل يبقی أي دور للشعب السوري لتقرير مستقبل رئيسه بعد کل هذه التدخلات الخارجية التي قدمت إلی سورية لمحاربة هذا الشعب ومنعه من عزل رئيسه عن الحکم؟
باراک أوباما وصف المعارضين السوريين في السابق بأنهم مجموعة من المهندسين والأکاديميين والأساتذة الذين لا يملکون القدرة ولا القوة لإسقاط بشار الأسد. وها هو دونالد ترامب الآن يعلن أن هدف هؤلاء المعارضين المتمثل بإسقاط الأسد لا يستحق الدعم، لأن الحرب علی الإرهاب تحتل الأولوية. وفي الحالتين، يطغی الاستخفاف بأرواح السوريين وبتضحياتهم الکبيرة، والتي يجب أن تکون وحدها دافعاً لتشکيل ائتلاف دولي ينقذ السوريين والمنطقة من هذا النظام ومن أي نظام مماثل يرتکب ما ارتکبه بشار الأسد بحق شعبه.

زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.