إلی أين تقودنا مسقط؟

الشرق الاوسط اللندنية
11/11/2014
بقلم:عبد الرحمن الراشد
الرئيس الأميرکي باراک أوباما متحمس لبدء تاريخ جديد مع إيران، وإعادة العلاقة الجيدة مع طهران التي کانت حليفا مهما في عهد الشاه حتی سقوطه. ولهذا يلتقي الأميرکيون والأوروبيون مع الوفد الإيراني في العاصمة العمانية في سباق زمني للتوصل إلی حل لطموح النظام الإيراني النووي.
ولنا، في منطقة الشرق الأوسط، مع هذه المفاوضات إشکالات جدية؛ أولها السرية! فقد تعمدت إدارة أوباما التکتم علی اتصالاتها مع طهران ومفاوضاتها، حتی عن حلفائها الإقليميين. وهو أسلوب يخالف نهج الولايات المتحدة في اتصالاتها، مثل مفاوضاتها مع کوريا الشمالية؛ حيث شارکت الدول المعنية في المنطقة الأسرار والقرار، فأدخلت الغرفة کوريا الجنوبية، واليابان، والصين، وروسيا، مع وفد الولايات المتحدة. أما في مفاوضاتها مع إيران فقد أغلقت الباب في وجه دول حليفة ومعنية مباشرة، مثل مجموعة دول الخليج، وترکيا، ومصر، وکذلک إسرائيل.
وثانيها أن ما صدر عن الإدارة الأميرکية من تطمينات بعدم تقديم تنازلات اتضح أکثر من مرة عدم صحته، وکان آخرها تنازلها عن موقفها بألا يسمح بأکثر من 500 جهاز طرد لنجد أنها قبلت بـ1500. إضافة إلی سلسلة تنازلات قدمتها واشنطن في مجال المقاطعة والأموال المجمدة.
وثالثها ما تحدث به الإيرانيون عن مطالبهم بأن يسمح لهم بمد نفوذهم في المنطقة.
ومع أن واشنطن تنکر أنها ستقبل بمثل تلک الشروط، فإن في المنطقة تشککا في أن تترک إيران حرة تخرب المنطقة، بأکثر مما تفعل حاليا. والذي يعزز هذه الشکوک المواقف الأميرکية التي تميل لصالح إيران في العراق وسوريا، وآخرها تصريحات الرئيس أوباما حول سوريا؛ فقد تعهد أوباما بمحاربة تنظيم داعش رافضا عقاب النظام السوري الذي هو مصدر الأزمة، وقد أفنی أکثر من ربع مليون إنسان، وشرد أکثر من 8 ملايين سوري.
ورابعها المشروع النووي نفسه. فالولايات المتحدة يبدو أنها تراجعت عن تعهداتها المتکررة السابقة، بمنع النظام الإيراني من امتلاک القدرة علی تصنيع سلاح نووي، وهذا سيتسبب في تغيير ميزان القوی في المنطقة بشکل خطير جدا. نحن ندرک، مثلما يدرک الغربيون، حقيقة أن إيران ليست في حاجة إلی الطاقة النووية لتلبية حاجاتها من الطاقة، فهي الدولة الرابعة في العالم في احتياطات مؤکدة من البترول، تسبق العراق والکويت والإمارات. فلماذا تنفق مبالغ هائلة علی الطاقة النووية، وهي تستطيع إنتاج البترول بتکلفة رخيصة جدا؟ السبب، إيران تسعی لبناء سلاح نووي، ودولة بمثل هذا التفکير، والإصرار، تعني أنها ذات نوايا عدوانية خطيرة.
وإذا رضخ المفاوضون في مسقط للسماح لإيران بحق الاستمرار في مشروعها النووي، فإننا نکون بذلک قد دخلنا عهدا خطيرا جدا. سيعني اختلال ميزان القوة الإقليمية، مما سيضطر دول المنطقة، وعلی رأسها السعودية وترکيا ومصر، إلی البحث عن وسيلة لبناء قوة ردع نووية موازية لإيران. وهذا سيجعل منطقة الشرق الأوسط التي تهدد العالم بـ«داعش» و«القاعدة» أکثر خطرا علی العالم، بـ5 دول نووية، بينها إيران وإسرائيل. لماذا أوباما حريص جدا علی إبرام اتفاق مع إيران؟ لا يوجد سبب معقول. لقد شاهدنا کيف أن العقوبات الأميرکية نجحت جزئيا في إرهاق النظام، وأوصلته إلی مرحلة التفکير بأن مشروعه النووي قد يعرض کل النظام للانهيار لاحقا. إلا أن الکوة، التي فتحتها إدارة أوباما للنظام في طهران، دفعت الأميرکيين، وليس الإيرانيين، لتقديم المزيد من التنازلات مقابل وعود من نظام خامنئي، في مجملها لا توقف المشروع النووي، بل تبطئ من سرعة تنفيذه فقط. وعندما ننتقد المفاوضات، فليس لأننا نرفض أن تتوصل الدول الغربية إلی اتفاق ينهي الأزمة مع إيران، بل إن أي اتفاق يروض التفکير السياسي الإيراني العدواني، وينزع سلاحها النووي، هو في صالح المنطقة کلها، لکننا لا نعتقد أن الاتفاق المطروح حقا يقلّم السلاح النووي، ولا يردع التفکير الفوضوي الذي تمارسه طهران بلا توقف منذ الثمانينات. والذي يجعلنا نشک هو أن الأميرکيين غيّبوا دول المنطقة عن المفاوضات، وتبادلوا إرسال رسائل سرية، کما فضح أمرها الإسرائيليون، بأنه تم تبادلها مع المرشد الإيراني شخصيا. وفي الوقت نفسه، نحن نری کيف تتبنی واشنطن مواقف منحازة لإيران في سوريا والعراق!
مفاوضات مسقط توحي بأن الاتفاق بات قريبا؛ بحيث يسابق الموعد النهائي المضروب في هذا الشهر، والذي إن تم قد يغير تاريخ المنطقة.







