أخبار إيرانمقالات

الألم والغضب الشعبي وصراع الزمر

 

 

مازال الموقف المتأزم لحياة المواطنين في خوزستان جراء السيول والدمار الناجم عنها مثير لغضب المواطنين الايرانيين أکثر من أي وقت آخر. وتزامنا مع ذلک أصبح الوضع الاحتجاجي لأهالي خوزستان أزمة سياسية داخل الديکتاتورية الحاکمة. انها احتجاجات يمکن تسليط الضوء عليها من عدة زوايا. منها استمرار ومشارکة واسعة للنساء والشباب وتوسعها (بحيث النظام وخوفا من اتساعها قد أغلق مداخل الأهواز ولکنه لم ينجح في منع زيادة عدد المشارکين في التظاهرة) وأهم من کل شيء تحويل الاحتجاجات الشعبية من المطالبات العادية (للاحتجاج علی ذرات الغبار وانقطاع الماء والکهرباء) الی مطالبات سياسية. واذا ما نرصف الشعارات والمطالبات الشعبية لأهالي خوزستان فنری هذا التحول بوضوح. من شعار «خوزستان غنية بالنفط وأهاليها بؤساء» والی في الخطوة التالية حينما ألقی روحاني اللوم علی حکومة احمدي نجاد بسبب الوضع الموجود فرد الناس: الکلب الأصفر کالکلب الأحمر. والی خطوة أخری حينما صرخ الشعب الغاضب لماذا يقول خامنئي يجب أن تذهبوا الی سوريا؟ اذن ماذا حال الأهواز؟ وبهذا الصدد کتب الشباب علی الحيطان في المدينة: «آيها القائد الغير کفوء أين العدالة أين العدالة» أي الهجوم علی حجر الأساس والخط الأحمر للنظام.
فهذه الوتيرة لها تداعيات محددة. وردود أفعال النظام عليها خير دليل علی ذلک. وعلی سبيل المثال: ظهر يوم 18 فبراير أقام النظام اجتماعا تحت عنوان «دراسة المشاکل والمسائل في محافظة خوزستان» ترأسها جهانغيري النائب الأول للملا روحاني. وکما مبين من اسم الاجتماع  کان من المفروض أن يتضمن الاجتماع قضايا تخصصية حول جذور علمية لمشکلة الذرات العالقة وسائر المشاکل المعيشية في خوزستان. لأنه في أي دولة عندما تحصل مشکلة طبيعية فتقام هکذا جلسات تخصصية يشارک فيها مديرون ووزراء معنيون يتولون مسؤولية حال البيئة والکوارث الطبيعية وقضايا أساسية تخص حياة الناس. والمناقشات آساسا  هي مناقشات علمية تخص الخبراء. ولکن الاجتماع الذي أقامه النظام کان متفاوتا تماما عن تلک الجلسات. وعلی سبيل المثال: قال المدعو جزايري ممثل خامئني في خوزستان: «لم يسمح أهالي خوزستان لبعض التيارات الانتهازية من الظروف استغلال الوضع!» أي ظروف؟ وما معنی  التيارات الانتهازية؟ ثم کتبت وسائل الاعلام التابعة للنظام «وزير المخابرات عبر عن شکره في الاجتماع بسبب يقظة المواطنين في خوزستان خلال الأحداث الأخيرة مما خيب آمال الأعداء لاستغلال مشاعر المواطنين الثوار في المحافظة!».
السؤال المطروح هنا هو ماذا يفعل وزير المخابرات في اجتماع تخصصي حول مشکلات ناجمة عن ذرات الغبار؟ ماذا يعني التأکيد علی «أعداء النظام» و«استغلال مشاعر الناس»؟ وعندما تکشف وسائل الاعلام للنظام عن الحرسي باقري رئيس هيئة الأرکان المشترکة للقوات المسلحة للنظام الذي کان قد شارک في الاجتماع أيضا فيتبين أن هذا الاجتماع لم يکن اجتماعا تخصصيا وانما اجتماعا  أمنيا محضا. وهذا الأمر يوضح مغزی تداعيات انتفاضة أهالي خوزستان بأنها ستکون أمنية علی النظام. أي خوف النظام من اتساع نطاق الانتفاضة وتحوله الی ثورة.
طبعا في هکذا ظروف من المتوقع أن تتقلص التجاذبات الفئوية بين زمر النظام بشکل وقتي حتی لا تتضاعف تداعياتها علی النظام. ولکن الصراع الفئوي والتصدع الداخلي متعمق ومتجذر الی حد حيث لم يتخلوا عن تصعيده خلال انتفاضة المواطنين في خوزستان بل آصبحت الانتفاضة تعمل کعامل دق اسفين بينهم. زمرة روحاني وخوفا من الاحتجاجات والانتفاضة قد ألقت اللوم بسبب الوضع المتردي في خوزستان علی حکومة احمدي نجاد بينما الزمرة المنافسة قد شنت هجوما عليها وقالت انک متمسکة مقاليد اداره الحکومة منذ 4 سنوات! وقالت وکالة أنباء تسنيم في اعتراف بأن جذور مشکلة خوزستان لا تعود الی ذرات الغبار وانما يعود قسم کبير منها الی داخل النظام وهاجمت زمرة روحاني وکتبت تقول: «3 وزراء الحکومة تفقدوا محافظة خوزستان بغية القيام … بالدفاع عما لم يفعلوه». (18 فبراير)
وفي هکذا وقت أعلنت قوی الأمن الداخلي أنها ستتعامل مع أي تجمع أمام مبنی المحافظة. السؤال الذي يطرح نفسه هو هل النظام قادر بهکذا اجراءات قمعية مشددة علی تطويق الغضب الشعبي؟ ولو أن القمع هو جزء لا يتجزأ من طبيعة نظام ولاية الفقيه ولکن بسبب الأزمات المحيطة بالنظام خاصة بعد تجرع کأس السم، فقد بات نظام ولاية الفقيه برمته ضعيفا ويمکن مشاهدة هذا التهرؤ في تعميق التصدع والشرخة الداخلية للنظام. وفي هکذا وضع اذا لم يمارس النظام القمع جهارا، فان الحرکات الاحتجاجية والانتفاضات يتوسع نطاقها بسرعة وتتحول الی انتفاضة، واذا قام بالقمع بشکل سافر، فهذا القمع والمجتمع في حالة الانفجار يسبب في تجذر الانتفاضات ويحولها الی مسار أخطر وهذا هو المأزق الذي يعيشه النظام في استخدام القمع في الظروف الحالية.
ومن أجل اتضاح هذا المأزق يجب القاء نظرة الی أکثر المحطات التي کان النظام يمارس القمع ويسيطر فيها أي السجون. في الثمانينات نفذ النظام في السجون الاعدام الی أقصی حده ولکن الآن فهل بقي لخامنئي هکذا قدرة؟ انه مقيد اليدين في القمع السافر حيث يقف السجناء باضرابهم عن الطعام بوجه النظام، و عکست وسائل الاعلام التابعة للنظام تأوهات المدعي العام للنظام وکتبت تقول «المدعي العام أشار الی قيام بعض المتهمين بالاضراب عن الطعام  في السجون وقال: … يتم توجيه هذا الخط من الخارج لبعض التيارات السياسية ويقولون ما ان وصلت الی السجن فابدأ اضرابا عن الطعام ونحن ندعمک. ثم ينتشر خبر الاضرابات في مواقع التواصل الاجتماعي وخارج البلاد حيث يتحول الی ضغط علی السلطة القضائية» (صحيفة ابتکار الحکومية 18 فبراير).
نعم، هکذا خلقت انتفاضة المواطنين في خوزستان، أزمة جدية لنظام ولاية الفقيه برمته . 

زر الذهاب إلى الأعلى