أخبار إيرانمقالات
بند «التدخلات الإيرانية»

الشرق الاوسط اللندنية
20/11/2017
بقلم: غسان شربل
يکفي أن يفتح وزراء الخارجية العرب خريطة العالم الذي ينتمون إليه ليتأکدوا أن اجتماعهم الطارئ في القاهرة أمس، کان مبرراً وضرورياً. فالحديث عن «التدخلات الإيرانية» ليس تهمة عابرة تفتقر إلی الأدلة. والإصرار علی مناقشتها لا يدخل أبداً في باب التحرش أو التصعيد. إنه محاولة لبلورة إرادة عربية موحدة حيال التعامل مع واقع يومي ضاغط يعيشه العرب في مجموعة دول وخرائط. ولا يقتصر الأمر علی الدول التي تتحرک الميليشيات المدعومة إيرانياً علی أراضيها، ذلک أن مفاعيل مسلسل التدخلات تمس موازين القوی علی امتداد المنطقة.
اللافت في هذه التدخلات هو أن طهران لا تحاول أن تنفيها. الصاروخ الذي استهدف الرياض يحمل توقيعاً صريحاً، ولا يحمل الحوثيون فيه غير صفة المنصة التي استخدمت في إطلاقه. وصور الجنرال قاسم سليماني يتحرک وسط المسلحين وبين دول الهلال لا تترک مجالاً للشک. وحديث جنرالات «الحرس الثوري» عن السيطرة علی أربع عواصم عربية ليس مجرد هفوات أو مبالغات. وکلام الرئيس حسن روحاني نفسه عن المعبر الإيراني الإلزامي علی مستوی المنطقة يستکمل الصورة.
«التدخلات الإيرانية» ليست حدثاً جديداً. سياسة «تصدير الثورة» هي بالدرجة الأولی إشهار لحق التدخل في شؤون الدول الأخری. جديد التدخلات هو اتساع حجمها وتزايد خطورتها وعلانيتها، وما تحاول إحداثه من تغييرات عميقة في المسارح التي تستهدفها. تغييرات سياسية. وانقلابات في موازين القوی بين المکونات. وتغييرات ديموغرافية لضمان تکريس الملامح الجديدة.
«التدخلات الإيرانية» ليست جديدة. لکنها اتخذت بعد الدور الإيراني الصريح في اليمن منحی أکثر خطورة. الجديد في المقابل هو شعور الدول المستهدفة بأنها لم تعد قادرة علی إرجاء تسمية الأشياء بأسمائها وتحويل هذه التدخلات بنداً ثابتاً في اللقاءات العربية والمحادثات مع القوی الدولية. الجديد أيضاً هو وجود إدارة أميرکية لا تنام علی حرير الاتفاق النووي الذي کان إنجازه هاجساً لازم باراک أوباما. فالإدارة الحالية أدرجت بند «التدخلات الإيرانية» في صلب علاقتها مع المنطقة ودولها وأزماتها.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن طهران لم تتعامل مع الاتفاق النووي کفرصة للعودة إلی احترام القوانين والمواثيق الدولية. يمکن القول إن ما حصل هو العکس تماماً. فبعد توقيع الاتفاق رفعت طهران وتيرة تدخلاتها في المنطقة وکأنها اعتبرت الاتفاق فرصة لا بدّ من اغتنامها وتوظيفها في خدمة مشروع «الانقلاب الکبير». وهکذا بدا المشهد غير مسبوق. إسقاط لحصانة الخرائط. وانتهاک للقوانين الدولية. وتحويل ميليشيات حليفة إلی جيوش صغيرة جوّالة تسقط أنظمة، وتمنع إسقاط أخری بغض النظر عن مشاعر أهل تلک الخرائط المخترقة أو معظمهم. وزاد الأمر خطورة تشکيل ميليشيات صاروخية تستکمل الانتهاکات التي تمارسها الميليشيات باندفاعاتها البرية.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن مناقشتها جاءت بعد انحسار خطر تنظيم داعش الإرهابي. فقد أعاد انحسار هذا الخطر تسليط الضوء علی حقيقة مفادها أن زعزعة الاستقرار لم تبدأ مع إطلالة «داعش» ولن تنتهي بانحسارها. وثمة من يعتقد أن سياسة زعزعة الاستقرار الإيرانية ذات العمق المذهبي کانت السبب في تصدع الوحدة الوطنية في أکثر من قطر عربي وأن «داعش» أطل من خلال هذه التصدعات.
ولأن المنطقة هي أيضاً منطقة ثروات وممرات حيوية للاقتصاد العالمي، تصاعد القلق الدولي من البصمات الإيرانية علی الصواريخ والميليشيات معاً. فعشية اجتماع القاهرة تحادث دونالد ترمب وإيمانويل ماکرون حول وضع الشرق الأوسط. وقال البيت الأبيض إن الرئيسين «اتفقا علی ضرورة العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة حزب الله وإيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة».
بلغت التدخلات الإيرانية حداً غير مسبوق. هذا الواقع أحرج حتی الدول التي تستعذب الإقامة في المناطق الرمادية، وتفضل علاج الجروح العربية بالعبارات العامة المکررة. صار من الصعب علی أي وزير عربي العثور علی تبرير للسلوک الإيراني أو علی ذرائع لمنحه أسباباً تخفيفية. الصاروخ الإيراني علی الرياض ومضمون استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قدما أدلة جديدة لمن لا يزال يبحث عن أدلة.
يفسر تصاعد التدخلات اللهجة التي استخدمها الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في افتتاح الاجتماع. ويفسر أيضاً اللهجة الحازمة التي استخدمها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. لقد اتُهمت إيران في الاجتماع بانتهاج سياسات طائفية وتأسيس ميليشيات تابعة لها علی الأرض العربية والتدخل في الشؤون الداخلية. وهذه الاتهامات کلها ترشح بند التدخلات لانتزاع الموقع الأول في جدول أعمال اللقاءات الإقليمية والدولية. ولا مبالغة في القول إن الموقف من هذه التدخلات سيکون عاملاً مؤثراً في العلاقات العربية – العربية وکذلک في العلاقات العربية – الدولية.
ثلاثة أطراف يجب أن تتوقف عند نتائج الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب. الأول هو إيران التي أدان المجتمعون سلوکها. والسؤال هو هل تريد أن تتعايش مع جيرانها العرب في الإقليم أم أنها تصر علی محاولة إخضاعهم؟ إذا تمسکت بالخيار الثاني فهذا يعني أن رياح المواجهة ستشتد، وأن إيران ستواجه حالة من العزلة. الطرف الثاني هو «حزب الله» الذي يتحتم عليه أن يتبصر فيما طرأ علی صورته لدی معظم العرب. لم تعد لهذه الصورة علاقة بالمقاومة ضد إسرائيل، بل صار ينظر إليه باعتباره منظمة إرهابية انطلاقاً من دوره في الانقلاب الإيراني. الطرف الثالث الرئيس ميشال عون الذي سيکون الخاسر الأکبر من استقالة سعد الحريري. لا معنی لوجود عون في قصر الرئاسة، وهو قائد سابق للجيش، إن لم يوظف موقعه ورصيده في الدفاع عن الحد الضروري من فکرة الدولة ومقومات وجودها والدفاع عن مصالح اللبنانيين.
ما لم تتخذ إيران قراراً سريعاً بوقف هجومها الشامل في الإقليم، فإن بند «التدخلات الإيرانية» سيکون عنوان المواجهة المقبلة وعنوان الاصطفافات. وسيکون البند نفسه عنوان التحرک في اتجاه مجلس الأمن، وسيترک بصماته علی أوضاع الساحات المشتعلة وتلک المرشحة للاشتعال.
«التدخلات الإيرانية» ليست حدثاً جديداً. سياسة «تصدير الثورة» هي بالدرجة الأولی إشهار لحق التدخل في شؤون الدول الأخری. جديد التدخلات هو اتساع حجمها وتزايد خطورتها وعلانيتها، وما تحاول إحداثه من تغييرات عميقة في المسارح التي تستهدفها. تغييرات سياسية. وانقلابات في موازين القوی بين المکونات. وتغييرات ديموغرافية لضمان تکريس الملامح الجديدة.
«التدخلات الإيرانية» ليست جديدة. لکنها اتخذت بعد الدور الإيراني الصريح في اليمن منحی أکثر خطورة. الجديد في المقابل هو شعور الدول المستهدفة بأنها لم تعد قادرة علی إرجاء تسمية الأشياء بأسمائها وتحويل هذه التدخلات بنداً ثابتاً في اللقاءات العربية والمحادثات مع القوی الدولية. الجديد أيضاً هو وجود إدارة أميرکية لا تنام علی حرير الاتفاق النووي الذي کان إنجازه هاجساً لازم باراک أوباما. فالإدارة الحالية أدرجت بند «التدخلات الإيرانية» في صلب علاقتها مع المنطقة ودولها وأزماتها.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن طهران لم تتعامل مع الاتفاق النووي کفرصة للعودة إلی احترام القوانين والمواثيق الدولية. يمکن القول إن ما حصل هو العکس تماماً. فبعد توقيع الاتفاق رفعت طهران وتيرة تدخلاتها في المنطقة وکأنها اعتبرت الاتفاق فرصة لا بدّ من اغتنامها وتوظيفها في خدمة مشروع «الانقلاب الکبير». وهکذا بدا المشهد غير مسبوق. إسقاط لحصانة الخرائط. وانتهاک للقوانين الدولية. وتحويل ميليشيات حليفة إلی جيوش صغيرة جوّالة تسقط أنظمة، وتمنع إسقاط أخری بغض النظر عن مشاعر أهل تلک الخرائط المخترقة أو معظمهم. وزاد الأمر خطورة تشکيل ميليشيات صاروخية تستکمل الانتهاکات التي تمارسها الميليشيات باندفاعاتها البرية.
وجديد «التدخلات الإيرانية» هو أن مناقشتها جاءت بعد انحسار خطر تنظيم داعش الإرهابي. فقد أعاد انحسار هذا الخطر تسليط الضوء علی حقيقة مفادها أن زعزعة الاستقرار لم تبدأ مع إطلالة «داعش» ولن تنتهي بانحسارها. وثمة من يعتقد أن سياسة زعزعة الاستقرار الإيرانية ذات العمق المذهبي کانت السبب في تصدع الوحدة الوطنية في أکثر من قطر عربي وأن «داعش» أطل من خلال هذه التصدعات.
ولأن المنطقة هي أيضاً منطقة ثروات وممرات حيوية للاقتصاد العالمي، تصاعد القلق الدولي من البصمات الإيرانية علی الصواريخ والميليشيات معاً. فعشية اجتماع القاهرة تحادث دونالد ترمب وإيمانويل ماکرون حول وضع الشرق الأوسط. وقال البيت الأبيض إن الرئيسين «اتفقا علی ضرورة العمل مع الحلفاء لمواجهة أنشطة حزب الله وإيران المزعزعة للاستقرار في المنطقة».
بلغت التدخلات الإيرانية حداً غير مسبوق. هذا الواقع أحرج حتی الدول التي تستعذب الإقامة في المناطق الرمادية، وتفضل علاج الجروح العربية بالعبارات العامة المکررة. صار من الصعب علی أي وزير عربي العثور علی تبرير للسلوک الإيراني أو علی ذرائع لمنحه أسباباً تخفيفية. الصاروخ الإيراني علی الرياض ومضمون استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري قدما أدلة جديدة لمن لا يزال يبحث عن أدلة.
يفسر تصاعد التدخلات اللهجة التي استخدمها الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في افتتاح الاجتماع. ويفسر أيضاً اللهجة الحازمة التي استخدمها وزير الخارجية السعودي عادل الجبير. لقد اتُهمت إيران في الاجتماع بانتهاج سياسات طائفية وتأسيس ميليشيات تابعة لها علی الأرض العربية والتدخل في الشؤون الداخلية. وهذه الاتهامات کلها ترشح بند التدخلات لانتزاع الموقع الأول في جدول أعمال اللقاءات الإقليمية والدولية. ولا مبالغة في القول إن الموقف من هذه التدخلات سيکون عاملاً مؤثراً في العلاقات العربية – العربية وکذلک في العلاقات العربية – الدولية.
ثلاثة أطراف يجب أن تتوقف عند نتائج الاجتماع الطارئ لوزراء الخارجية العرب. الأول هو إيران التي أدان المجتمعون سلوکها. والسؤال هو هل تريد أن تتعايش مع جيرانها العرب في الإقليم أم أنها تصر علی محاولة إخضاعهم؟ إذا تمسکت بالخيار الثاني فهذا يعني أن رياح المواجهة ستشتد، وأن إيران ستواجه حالة من العزلة. الطرف الثاني هو «حزب الله» الذي يتحتم عليه أن يتبصر فيما طرأ علی صورته لدی معظم العرب. لم تعد لهذه الصورة علاقة بالمقاومة ضد إسرائيل، بل صار ينظر إليه باعتباره منظمة إرهابية انطلاقاً من دوره في الانقلاب الإيراني. الطرف الثالث الرئيس ميشال عون الذي سيکون الخاسر الأکبر من استقالة سعد الحريري. لا معنی لوجود عون في قصر الرئاسة، وهو قائد سابق للجيش، إن لم يوظف موقعه ورصيده في الدفاع عن الحد الضروري من فکرة الدولة ومقومات وجودها والدفاع عن مصالح اللبنانيين.
ما لم تتخذ إيران قراراً سريعاً بوقف هجومها الشامل في الإقليم، فإن بند «التدخلات الإيرانية» سيکون عنوان المواجهة المقبلة وعنوان الاصطفافات. وسيکون البند نفسه عنوان التحرک في اتجاه مجلس الأمن، وسيترک بصماته علی أوضاع الساحات المشتعلة وتلک المرشحة للاشتعال.







