أخبار إيرانمقالات
هل تنتصر إيران فعلاً؟

نقلا عن “الحياة”
7/9/2017
بقلم:فهد الدغيثر
ما المشکلة لو أن إيران وهي دولة تمتلک الکثير من مقومات الدولة الحديثة قد انتصرت فعلاً علی ذاتها وتحولت إلی دولة رائدة في منطقتنا، لو حاولت ولو مرة واحدة قراءة التاريخ بدلاً من الکتب الصفراء والأطماع الوهمية واستوعبت ظروف الزمان والمکان؟ لا مشکلة علی الإطلاق لو أنها تحالفت مع دول المنطقة الغنية اقتصادياً علی الأقل، ومضت في طريق النمو والتقدم وتجنبت العمل وراء کل هذه المصائب التي تعصف بمنطقتنا. لنتخيل مشکلات الدول العربية في السنوات الأخيرة لو لم توجد لإيران يد تتدخل هنا وهناک.
انتفاضة الشعب السوري تطيح نظام بشار ومن المؤکد بعد ست سنوات علی انطلاقها أن سورية کانت ستصل إلی نوع من الاستقرار. بلا إيران ودعمها الأعمی للنظام وسماحها للميليشيات المتنوعة لم نکن لنری مئات الآلاف من القتلی وملايين المشردين من الشعب السوري الشقيق. لبنان القطعة الأوروبية في عالمنا العربي التي أنجبت الرحباني وفيلمون وهبي و «ميس الريم» ومسرح بيت الدين وشاطئ الروشة ومصايف برمّانا وفقرا وجبل صنين ونبع الصفا وکل ما يميزها عن غيرها، کانت ستصل إلی مصاف دول العالم في الوجهة الاستثمارية والسياحية. کنا سنری المجمعات المتطورة في المتن وإقبال العالم علی امتلاک الشقق والتمتع ربما بأکبر منظومة أمنية في بلد متعدد الأعراق والطوائف والألوان والديانات، لولا ذراع إيران في لبنان لکان لبنان نموذجاً يحتذی به في التنمية وجذب رؤوس الأموال.
العراق کان حتماً سيعود إلی مقوماته وما يميزه تنافسياً ويستقر. أليس مذهلاً أن نری دول ما يسمی الربيع العربي قد انقسمت إلی قسمين، دول لم تتدخل فيها إيران وهذه عادت نسبياً الی الاستقرار وأمامها الکثير من إعادة البناء، ودول تدخلت فيها إيران وتحولت إلی حمامات من الدم تسيل إلی يومنا هذا.
لو کانت إيران قد انتصرت حقاً لتحولت نفسها إلی قبلة استثمار لتجار السعودية ودول الخليج بل والعالم، لما يتمتع به شعبها من قوة استهلاکية وإرث حضاري هائل، ولما يمکّنها الموقع والتضاريس من تفعيل کل فصول السنة وانفتاح البلاد علی العالم. ماذا عن الصناعات والتبادل التجاري ونقل المعرفة بينها وبين العالم العربي والعالم بعيداً عن التشکيک والأطماع؟ لو لم يحمل الخميني ذلک الملف الأسود لما اضطرت ملايين العقول الإيرانية للهجرة إلی الغرب. أکتب هذه المقالة من منطقة تقع شمال لوس أنجليس وتغص بهؤلاء الإيرانيين ممن أسسوا أعمالهم هنا وبادروا في العمل والنجاح. لا توجد خدمة في هذه المنطقة (سان فرناندو فالي) إلا وتشاهد إيرانياً يشترک في تقديمها، بدءاً من الخدمات المصرفية والتطوير العقاري، وانتهاء بالمتاجر الصغيرة ومغاسل السيارات.
مذهل حقيقةً عندما تشاهد مجموعة من کبار السن الغارقة عقولهم الماضوية في التخلف العلمي والتنموي، يسيطرون علی شعب خلّاق متعدد المواهب والإنتاج ولمدة تقترب اليوم من أربعة عقود من دون وجود أي مؤشرات إلی زوال هؤلاء وابتعادهم عن الحکم.
لتفسير بقائهم في السلطة، هناک أسباب تعتمد علی الطرق القمعية والوحشية، يکفي أن تعلم أن مؤسسة «الحرس الثوري» هناک، وهي تختلف عن الجيش النظامي وعن الشرطة، تعتبر المؤسسة الحکومية الأضخم في إيران. مساهمة هذا الفصيل الحکومي القامع لأي حراک شعبي تساهم في ما يزيد علی ٣٠ في المئة من الناتج القومي الإيراني، ومکوّناتها عبارة عن محافظ استثمارية ومؤسسات خيرية ومؤسسة تقاعد خاصة بمنسوبيها وتأمين اجتماعي خاص، إضافة بالطبع إلی النشاط العسکري والکرم الحاتمي في توزيع السلاح علی کل أنواع العصابات في الخارج. خلل هائل في توزيع الثروة وفي تنويع مصادر الدخل في دولة تعتمد علی الغاز والنفط بنسبة غالبة وإسراف لا تستفيد منه غير الأقليات الحاکمة بقبضتها الحديدية. ربما أن الأجدر هو تسمية الدولة «جمهورية الحرس الثوري» واستبعاد إيران من الاسم. لا شيء يقدمه هذا «الحرس» ويعود بالنفع علی إيران وشعبها.
لم تنتصر إيران علی الإطلاق خلافاً لما قد يظنه البعض، ربما نجاحها الوحيد حتی الآن بعد محاصرة عدد من الأماکن الأخری، هو تودّد دولة قطر، لکن ذلک ليس قياساً مستقيماً. حکومة قطر نفسها أصبحت في مهب الرياح، والسياسة التي کانت قائمة في الدوحة انکشفت والوضع هناک مقبل علی ما يشبه العزلة التامة وفرض العقوبات الدولية عليها کما هي حال حکومة طهران بالضبط. الذي جمع بين «القلبين» موقتاً هو الخروج علی القانون ودعم الإرهاب تحت عشرات المسميات والطرق الملتوية، لذلک فالتحالف مع قطر ليس علامة للنصر ولا للتفوّق. کيف نقول إن طهران تنجح في سياساتها وهي تحتفل بانفراج بسيط لرفع العقوبات الدولية، ونعلم اليوم أن الولايات المتحدة والدول الست عموماً تعيد النظر في تلک الاتفاقية الأوبامية الغامضة.
إطلاق مفردة الانتصار في هذا الزمن يخضع لمعايير عدة لا تتوافر لدی إيران. الهند مثلاً والصين تنتصران وتنهضان وتنافسان دول العالم في کل شيء علی رغم التعداد الهائل للسکان وارتفاع نسب البطالة. السبب في حال الهند ببساطة أن غاندي ونهرو يختلفان تماماً عن الخميني وخامنئي في الفکر وسلامة العقل. بعض دول أوروبا الشرقية نهضت وارتفعت مؤشراتها. المملکة العربية السعودية ستتجاوز مرحلة الاعتماد علی النفط وستنتصر مع تطبيق خططها المستقبلية. دولة الإمارات تنتصر وتتقدم في مبادرات عدة تنافس أعرق دول العالم في تقديمها. هناک العديد من الأمثلة علی النجاح، أما القول إن إيران تتقدم فهو کمن يقول إن کوريا الشمالية تتقدم لمجرد وجود حکومة متهوّرة صنعت صواريخ عدة يمکن تدميرها في ليلة ظلماء.
انتصار إيران سيعتمد فقط علی تحوّلها من دولة مارقة خارجة عن القانون يعيش عدد کبير من شعبها دون خط الفقر إلی واحة للصناعة والعلم وتصدير العقول والمنتجات. ما لم ترتفع مؤشرات النمو سنة بعد أخری وترتفع مستويات الأجور وينتقل نصف من هم تحت خط الفقر إلی الغنی ويعود نصف عدد المهاجرين وهم بالملايين إلی بلادهم فلا نجاح يذکر. لذلک علينا التنبه من إطلاق بعض المقولات أو التصريحات. مواقف حکوماتنا من بعض القضايا والجماعات والأحزاب هنا أو هناک في بلداننا العربية لا يجب أن تدفعنا إلی تشجيع سياسة إيران من دون قصد بالطبع، وإيهام العامة أن طهران تتقدم وغيرها متورّط في سياساته وخططه ولا يدرک مصالحه.







