مقالات

الروس» والمنطق المعکوس

 


 


 الشرق الاوسط
30/3/2015



سلمان الدوسري
رئيس تحرير «الشرق الأوسط» 
 


شاء القدر أن يکون منطق السيد فلاديمير بوتين رئيس روسيا، وما أدراک ما روسيا، نفس منطق السيد حسن نصر الله رئيس ميليشيا حزب الله؛ کلاهما يحارب ويقتل شعباً أعزل في سوريا، کلاهما يتدخل ضد إرادة ملايين السوريين منذ نحو أربع سنوات، ثم يأتي ليحاضر عن الحلول السلمية والممکن والصواب والخطأ، لکن وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل اختصر الرد علی الاستفزاز الروسي، في رسالته للقمة العربية أمس، بالقول: «عندما تکون أنت المشکلة لا يمکن أن تکون جزءاً من الحل».
فات السياسة الروسية أنها تبتعد شيئاً فشيئاً عن القوانين الدولية وتستفرد بتأسيس قوانين خاصة بها، ووفقاً عليها تقرر سياستها المتخاصمة مع العالم بأسره، موسکو تحتل جزءاً من أوکرانيا بقوة السلاح، وتناصر نظاماً فقد شرعيته في سوريا، وفي الوقت نفسه، وتحت ذريعة الحلول السلمية، تريد أن تعطي الفرصة لميليشيا الحوثي لأن تعيث في أرض اليمن فساداً، کما تفعل ميليشيا حزب الله في سوريا، إنه المنطق المعکوس لدی بوتين وإدارته.
موسکو تريد أن يصل الحال في اليمن کما بلغه في سوريا؛ نظام غير شرعي (الحوثي) مدعوم من قوی أجنبية (روسيا وإيران) يحتل البلاد، ويُسيَّر من عاصمة أجنبية.
کيف يفسر فخامة السيد بوتين احتلال ميليشيا لدولة بأسرها وأسر الرئيس ورئيس الحکومة وإلغاء کافة مؤسسات الدولة والاستيلاء علی جيش البلاد، ناهيک عن الإمداد الإيراني بالأسلحة والمعدات العسکرية التي کانت تمر عبر 14 رحلة يومية مباشرة من طهران إلی صنعاء، کما تفعل تماماً طهران وموسکو مع نظام بشار الأسد، فهل توقف السيد بوتين وبلاده عن إمداد النظام السوري بالأسلحة التي تفتک بالشعب السوري قبل أن يطالب بالحلول السلمية؟!
ولنعرف حجم التناقض الروسي الذي بلغ مستوی غير مسبوق في تاريخ هذه الدولة التي کانت يوماً ما دولة عظمی، اقرأوا ما قاله المبعوث الخاص للرئيس الروسي إلی الشرق الأوسط نائب وزير الخارجية ميخائيل بوغدانوف، لوکالة «نوفوستي»: «روسيا تعارض التدخل في الشؤون الداخلية للدول ذات السيادة، وتؤکد علی ضرورة وقف استخدام القوة من قبل جميع الأطراف ووقف إطلاق النار والقصف والهجمات المتبادلة والجلوس إلی طاولة المحادثات». لنقارن هذا التصريح العظيم في معناه، مع الموقف الروسي في أوکرانيا وسوريا، لنعرف أن شعوب العالم ملت من الازدواجية بين النظرية والتطبيق التي تبْرع بها موسکو.
لا يمکن لأي مراقب عدم ربط التنسيق الروسي الإيراني، الذي ابتدأ في سوريا ولن يتوقف علی الأزمة اليمنية، وانعکاسه علی المصالح الإيرانية في المنطقة، کما في موقف موسکو من «عاصفة الحزم» أو القلق الروسي من انعکاس ما يجري في اليمن من هزيمة للهيمنة الإيرانية علی المفاوضات النووية، ويمکن القول إن هدف الطرفين، موسکو وطهران، مساومة دول الخليج العربية في ملفات متعددة، ناهيک أن روسيا وجدت نفسها في موقف الحليف مع القوی الشيعية المحسوبة علی إيران ضد القوی السنية الأخری.
إذا کانت روسيا دولة کبری ومهمة لدول المنطقة ولا يمکن استبعادها أو الاستغناء عنها، فإن تضارب مصالحها مع هذه الدول، وارتباطها الوثيق بالمصالح الإيرانية، لن يمکنها من لعب دور الدولة الموثوق بها مستقبلاً، علی الأقل بالنسبة للدول الخليجية.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى