مشکلة إيران ليست في ملفها النووي

العرب
2/3/2015
بقلم: خيرالله خيرالله
لم يعد مهما التوصل إلی اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني. المهم مقاربة شاملة لمشاکل المنطقة التي في أساسها السياسة الإيرانية التي تصب في خدمة تغذية التطرف والعنصرية
:وماذا إذا توصّلت إيران إلی اتفاق مع مجموعة الخمسة زائد واحد في شأن ملفّها النووي؟ هل مشکلة العرب والمجتمع الدولي مع إيران مرتبطة بالملفّ النووي، أم بأمور أخری تذهب إلی أبعد بکثير من الملف، وحتّی من امتلاک “الجمهورية الإسلامية” القنبلة الذرّية؟
لم يعد احتمال توصّل إيران إلی اتفاق مع المجتمع الدولي ممثلا بالدول الست (الولايات المتحدة والصين وروسيا وفرنسا وبريطانيا وألمانيا) مستبعدا، خصوصا أن طهران علی عجل للتخلّص من العقوبات الدولية التي أرهقت اقتصادها. تبدو طهران مستعدّة لمثل هذا الاتفاق، حتّی لو بدت في وضع من قبل الشروط الأميرکية.
زاد تأثير هذه العقوبات مع هبوط أسعار النفط الذي کشف هشاشة الاقتصاد الإيراني. تبيّن أنّ هذا الاقتصاد يعتمد علی عائدات النفط أوّلا وأخيرا، وأنّ کل ما قيل عن طموح الثورة الإيرانية التي قامت عام 1979، أي قبل ستة وثلاثين عاما، إلی تنويع مصادر الدخل الوطني کان کلاما للاستهلاک الداخلي ليس إلّا. کان الکلام عن الاستعاضة عن النفط ورفض البقاء تحت رحمة مداخيله مجرّد شعارات برّاقة، علی غرار الکلام عن إزالة إسرائيل من الوجود.
في السنة 2015، تعتمد إيران علی دخلها من النفط والغاز أکثر من أي وقت. أکثر من ذلک، ما يزيد علی نصف شعبها يعيش، بکلّ أسف، تحت خط الفقر.
ما تعاني منه المنطقة کلّها، بما في ذلک الشعب الإيراني نفسه والدول العربية بشکل عام، هو سياسة إيرانية التي تقوم علی فکرة الهيمنة ونشر البؤس، بدل التعاون المجدي بين الدول والشعوب.
أمّا الهمّ الذي اسمه الملفّ النووي، فهو همّ إسرائيلي أولا، کما أنه همّ أميرکي وأوروبي مرتبط بانتشار أسلحة الدمار الشامل في الشرقين الأوسط والأدنی وفي منطقة الخليج. فأميرکا والدول الأوروبية تعرف أن حصول إيران علی السلاح النووي هو بمثابة إشارة الانطلاق لبدء سباق التسلّح في المنطقة کلّها. هناک ثلاث دول علی الأقل، هي المملکة العربية السعودية ومصر وترکيا، ستسعی عندئذ، بکلّ الوسائل إلی امتلاک هذا السلاح بأيّ ثمن کان.
بالنسبة إلی إسرائيل، يوفّر الملف النووي الإيراني فرصة کي تبتزّ العالم والظهور في مظهر الضحيّة. أکثر من ذلک، فإن تشديدها علی الملفّ النووي يعفيها من البحث في الموضوع الأساسي المتعلّق بها، أي موضوع احتلال الأرض الفلسطينية. من المفيد لإسرائيل خلق مشاکل في المنطقة تغطي علی إرهاب الدولة الذي تمارسه، والمتمثّل في العمل علی تکريس احتلالها لجزء من الضفّة الغربية، بما في ذلک القدس الشرقية، ومنع الفلسطينيين من إقامة دولة مستقلّة علی أرضهم.
لتتوصّل مجموعة البلدان الخمسة زائد واحد إلی اتفاق مع إيران في شأن ملفّها النووي. هذا لن يؤخر ولن يقدّم، خصوصا إذا اعتمدت الولايات المتحدة سياسة ترفض الممارسات الإيرانية في المنطقة، وتسعی بالفعل إلی وضع حدّ لها بدل تشجيعها.
لتقمْ أميرکا علاقات أکثر من طبيعية مع إيران. أين المشکلة في ذلک؟ المشکلة في ما تطمح إليه إيران عن طريق إثارة الغرائز المذهبية في منطقة تعاني کلّ أنواع التطرّف. المشکلة الحقيقية ليست في الملفّ النووي الإيراني الذي تستغلّه إسرائيل إلی أبعد حدود. المشکلة في إدارة أميرکية تختزل کلّ مشاکل الشرق الأوسط بالملفّ النووي الإيراني.
تمتلک الإدارة کمّية من السذاجة تجعلها تعتقد أنّ إيران جمعية خيرية، وأنّ بالإمکان الدخول معها في شراکة في الحرب علی “داعش”. کيف يمکن لإيران محاربة “داعش” وما علی شاکلة “داعش”، فيما تفعل کلّ شيء من أجل إيجاد حاضنة للإرهاب لهذا التنظيم الإرهابي في کلّ من سوريا والعراق وبعض لبنان، وفي مواقع أخری وصولا إلی سيناء وليبيا…
من يمارس السياسات التي تمارسها إيران في العراق، إنّما يوفّر أکبر خدمة لـ”داعش”. من يشارک النظام السوري، بشکل مباشر أو عن طريق ميليشيات مذهبيّة لبنانية وعراقية وعناصر أفغانية، في ذبح الشعب السوري، إنّما هو حليف ضمني وموضوعي لـ”داعش”.
لم يعد مهمّا التوصل إلی اتفاق بشأن الملف النووي الإيراني. المهمّ المقاربة الشاملة لمشاکل المنطقة التي في أساسها السياسة الإيرانية التي تصبّ في خدمة کلّ من يسعی إلی تغذية التطرف والعنصرية، بمن في ذلک إسرائيل التي باتت تراهن علی أنّ القضية الفلسطينية لم تعد سوی قميص عثمان تستخدمه إيران للتغطية علی ما تقوم به في المنطقة.
باختصار شديد، الملفّ النووي الإيراني قضية ثانوية مقارنة مع ما تقوم به إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن والبحرين، علی سبيل المثال وليس الحصر.
هل همّ اللبناني الملفّ النووي الإيراني، أم سلاح “حزب الله” غير الشرعي الذي يُستخدم في تخريب البلد ومؤسساته والمتاجرة به… ومنع مجلس النوّاب من انتخاب رئيس جديد للجمهورية؟
هل همّ اليمني الملفّ النووي الإيراني والوصول إلی اتفاق بين واشنطن وطهران، أم همّه الحقيقي استعادة بقايا مؤسسات الدولة وتوقّف الحوثيين، أي “أنصار الله”، بدعم إيراني عن العمل علی إقامة دولة خاصة بهم في شمال اليمن علی حساب ما بقي من وحدة البلد؟
فجأة اکتشف وزير الخارجية الأميرکي جون کيري أن إيران لعبت دورا في إسقاط الحکومة اليمنية. أتبع کلامه بأنّ في الإمکان حصول تعاون بين إيران والولايات المتحدة لمحاربة “داعش”. کلّ ما يصدر عن کيري کلام بکلام. هذا ليس عائدا فقط إلی طبيعة ترکيبة الإدارة الأميرکية الحالية التي همّشت وزير الخارجية والوزارة. هذا عائد أيضا إلی أن “القاعدة” ستنتعش أکثر في اليمن بسبب “أنصار الله”، المدعومين من إيران،
وممارساتهم. عندما ستعي الولايات المتحدة هذا الواقع، سيکون البلد، الذي يعاني حاليا من أزمة عميقة، في حال تجاذب بين تطرّفي الحوثيين والقاعدة.
يمکن لاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني أن يغيّر الکثير. يمکن للتغيير أن يکون إيجابيا، کما يمکنه أن يکون سلبيا إلی حدّ کبير. سيکون إيجابيا في حال تغيّرت إيران وبدأت تتصرّف کدولة طبيعية في المنطقة، وليس کقوة احتلال في العراق وسوريا ولبنان وجزء من اليمن وصاحبة مطالب وحقوق وشروط في البحرين.
الخطير أن يؤدي الاتفاق إلی نتائج سلبية، في حال اعتبرت إيران أن الاتفاق سيطلق يدها في المنطقة. عندئذ ستری في الاتفاق اعترافا بها کقوّة إقليمية نجحت في إلهاء الولايات المتحدة بالملفّ النووي، في وقت کانت تعمل علی ترکيز وجودها وتثبيته في کلّ مکان تستطيع الوصول إليه.
قد يغيّر الاتفاق المحتمل الکثير نحو الأفضل أو نحو الأسوأ، کما قد لا يغيّر شيئا. يظلّ السؤال هل يمکن لإيران أن تتغيّر؟ الجواب أنّه لا يمکن لإيران سوی أن تتغيّر في عالم لا تزال الکلمة الأولی والأخيرة فيه للاقتصاد. ولکن في انتظار أن تتغيّر إيران کم الثمن الذي ستدفعه المنطقة وشعوبها نتيجة ممارسات نظام تقوم کلّ فلسفته علی بيع الأوهام عن طريق نشر التطرّف؟
إعلامي لبناني







