العالم العربيمقالات
ايران ووقاحة البقاء في سوريا

لن تکون إيران قادرة علی تحقيق اختراق في العمق في ايّ بلد عربي ما دامت تتصرّف کقوّة استعمارية من منطلق انّها مرجعية للميليشيات المذهبية.
ميدل ايست أونلاين
بقلم: خيرالله خيرالله
عندما يتحدّث وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في مؤتمر انعقد أخيرا في روما، يتبيّن ان ايران تعتبر نفسها القوّة العظمی الاخری في العالم وانّها حلّت مکان الاتحاد السوفياتي، السعيد الذکر. ما يتبيّن أيضا بالملموس هو ان لا وجود لجناح معتدل وآخر متطرّف في النظام الايراني. هناک بکل بساطة نمط واحد لتعاطي المسؤولين الايرانيين مع بقية دول المنطقة. هذا النمط هو نمط الاستعلاء واعتبار کلّ دولة من دول المنطقة، خصوصا الدول العربية، مجالا حيويا لإيران. من حقّ ايران، من وجهة المسؤولين فيها، ان تمارس نفوذها حيثما تشاء وبالطريقة التي تشاء من دون حسيب او رقيب.
يوجد داخل النظام الايراني جناح واحد فقط يعمل بإمرة “المرشد” علي خامنئي الذي يؤمن بانّ ايران دولة عظمی يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها. لو لم يکن الامر کذلک لما کان وزير الخارجية الايراني يستطيع ان يسمح لنفسه في المؤتمر المتوسطي الذي استضافته روما بتجاهل العملية السياسية المتعلقة بسوريا والتي کان مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة فصلا من فصولها. بالنسبة الی ظريف، الذي اتی علی ذکر مؤتمر استانا ثلاث مرات في کلمته، لا وجود لجنيف الذي يستند البحث فيه الی القرار 2254 الصادر عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة. هناک مؤتمر استانا فقط، وهو مؤتمر يحصر الموضوع السوري بين روسيا وايران وترکيا.
من الواضح، انّ هناک تصميما إيرانيا يتّسم بالوقاحة علی البقاء في سوريا. عندما سئل ظريف متی ستخرجون من المنطقة العربية، خصوصا من الجنوب السوري أجاب “لن نخرج ابدا” مستخدما کلمة never الانکليزية. اکّد أيضا ان ايران “لا تأخذ أوامر من روسيا” وانّها لن تخرج من العراق او غيره. قال بالحرف الواحد: “لن نغادر المنطقة. نحن من المنطقة”.
هل صحيح ان ايران من المنطقة وانّها قادرة علی التعايش مع اهل المنطقة… ام انّها قوّة استعمارية لا اکثر؟
الجواب بکل بساطة ان ايران تتصرّف کقوّة استعمارية. ما تغيّر منذ “ثورة” الخميني في العام 1979 ان التصرّف الايراني تطوّر نحو الأسوأ، وذلک مقارنة مع ما کان عليه ايّام الشاه. کان هناک حدّ ادنی من العقلانية في عهد الشاه الذي کان يعتبر نفسه “شرطي الخليج”. احتلّ الجزر الاماراتية الثلاث (ابو موسی وطنب الصغری وطنب الکبری) في العام 1971 بعدما اکّد الشعب البحريني في الاستفتاء الذي جری بإشراف الامم المتحدة تمسّکه بالاستقلال. بالنسبة الی الشاه، کانت الجزر الثلاث تعويضا عن رفض البحرين ان تکون محافظة إيرانية. المؤسف ان شيئا لم يتغيّر منذ 1971. تتمسّک “الجمهورية الإسلامية” بسياسة الشاه وما زالت تحتلّ الجزر الاماراتية الثلاث رافضة ايّ تفاوض في شأنها.
في مرحلة ما بعد “الثورة”، لم تعد هناک حدود للطموحات الايرانية. قد يکون ذلک ناجما الی حاجة النظام الی متابعة عملية هروبه الی امام في غياب القدرة علی حلّ أي مشکلة داخلية يواجهها. کان الشعار الذي رفعته “الثورة الإسلامية” هو الاستغناء عن مداخيل النفط. مع مرور الايّام، صارت ايران تعتمد علی النفط اکثر فاکثر، وذلک بدل توظيف إمکاناتها من اجل رفاه شعبها وتحسين مستوی المعيشة والعمل علی تطوير قطاعات اقتصادية اخری.
ينمّ کلام وزير الخارجية الايراني عن وقاحة ليس بعدها وقاحة واستخفاف بالعرب عموما والشعبين السوري والعراقي علی وجه التحديد. استند ظريف لتبرير الوجود العسکري الايراني في سوريا الی “دعوة” من “حکومة شرعية”. منذ متی هناک حکومة شرعية في سوريا. هل يمتلک النظام السوري القائم علی أجهزة امنية مهمّتها قمع الشعب، شرعية من ايّ نوع؟
في سياق القاء ظريف لکلمته في روما، اعترض عدد من الحضور علی استخدامه عبارة “الخليج الفارسي”. ردّ علی المعترضين بان طلب منهم “قراءة التاريخ”. لعل افضل ردّ علی تمسّک ظريف بالوجود العسکري الايراني في سوريا دعوته الی قراءة التاريخ أيضا. يقول التاريخ ان لا مکان لإيران في سوريا ولا في ايّ دولة عربية، بما في ذلک العراق ولبنان. استطاعت ايران تغيير طبيعة قسم لا بأس به من المجتمع الشيعي في لبنان. لکنهّا لن تستطيع تغيير طبيعة المجتمع اللبناني، حتّی لو بدر عن بعض المسيحيين ما يشير الی جهلهم في ايران ومشروعها التوسّعي.
ليس هذا الکلام نابعا من شعور ذي طابع شوفيني بمقدار ما انه يستند الی واقع يتمثّل في ان الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية لا يمکن ان يبني علاقة بين ايران وايّ شعب عربي. کلّ ما هناک انّ ايران لن تکون قادرة علی تحقيق اختراق في العمق في ايّ بلد عربي ما دامت تتصرّف کقوّة استعمارية من منطلق انّها مرجعية للميليشيات المذهبية التي اسستها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتّی في البحرين.
اذا کانت ايران تريد ان يکون لها بالفعل وجود في هذه الدولة العربية او تلک، يفترض بها التخلي عن الذهنية التي تحکّمت بالنظام منذ العام 1979. هناک للمرّة الاولی إرادة عربية واضحة في التصدي للاطماع الايرانية، خصوصا بين دول الخليج، علی رأسها المملکة العربية السعودية. صحيح انّه لا يمکن تجاهل الحرب العراقية – الايرانية بين 1980 و1988 واضطرار الخميني الی “تجرّع کأس السمّ في نهايتها”، لکن الصحيح أيضا ان صدّام حسين أضاع کلّ ما کان يمکن تحقيقه من مکاسب في تلک المرحلة بعدما ارتکب جريمة احتلال الکويت من جهة وبسبب عجزه عن فهم المعادلات العربية والإقليمية من جهة أخری.
هناک حاليا وعي عربي شامل لخطورة المشروع التوسّعي الايراني. هناک استيعاب لدی الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي لمعنی ان يتصرّف خامنئي مثل هتلر. من يسعی الی ان يکون في سوريا والعراق بحجة “اننا من داخل المنطقة وليس من خارجها”، انّما يتصرّف کما تصرّف هتلر في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ان تجاه النمسا او تجاه بولندا.
من المفيد ملاحظة انّ المجتمع الدولي بدأ يعي ابعاد اطلاق ايران صواريخ باليستية من اليمن في اتجاه الأراضي السعودية. لم يعد الاوروبيون والأميرکيون اسری عقدة الملفّ النووي الايراني. صاروا يميّزون بين أهمية المحافظة علی الاتفاق في شأن الملفّ النووي الموقع صيف العام 2015 وملف الصواريخ الايرانية ونشاطاتها التخريبية في المنطقة من جهة أخری.
يمکن ان يکون هذا التمييز الاوروبي والأميرکي بين الملف النووي والصواريخ الايرانية ما دفع وزير الخارجية الايرانية الی کشف حقيقة السياسة الايرانية ومدی خطورتها. حقيقة هذه السياسة انّ الايرانيين موجودون عسکريا في العراق وسوريا ولبنان ويعتقدون انّ لاشيء يمکن ان يخرجهم من البلدان الثلاثة.
هل هذا رهان إيراني في محلّه؟ من يقرأ التاريخ ومن يتمعّن بإمکانات ايران، لا بدّ ان يکتشف انّ ليس في استطاعة ايّ دولة لعب دور اکبر من حجمها. روسيا نفسها التي استعانت بها ايران کي يبقی بشّار الأسد في دمشق، بدأت تستوعب انّ ليس في استطاعتها فرض حلّ في هذا البلد من دون تفاهم ما مع الإدارة الاميرکية… هذه الإدارة التي يبدو انّها تتّجه الی سياسة اکثر تصلّبا تجاه ايران وما تمثّله وما تطمح اليه في المنطقة.
يوجد داخل النظام الايراني جناح واحد فقط يعمل بإمرة “المرشد” علي خامنئي الذي يؤمن بانّ ايران دولة عظمی يحقّ لها ما لا يحقّ لغيرها. لو لم يکن الامر کذلک لما کان وزير الخارجية الايراني يستطيع ان يسمح لنفسه في المؤتمر المتوسطي الذي استضافته روما بتجاهل العملية السياسية المتعلقة بسوريا والتي کان مؤتمر جنيف بنسخته الثامنة فصلا من فصولها. بالنسبة الی ظريف، الذي اتی علی ذکر مؤتمر استانا ثلاث مرات في کلمته، لا وجود لجنيف الذي يستند البحث فيه الی القرار 2254 الصادر عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة. هناک مؤتمر استانا فقط، وهو مؤتمر يحصر الموضوع السوري بين روسيا وايران وترکيا.
من الواضح، انّ هناک تصميما إيرانيا يتّسم بالوقاحة علی البقاء في سوريا. عندما سئل ظريف متی ستخرجون من المنطقة العربية، خصوصا من الجنوب السوري أجاب “لن نخرج ابدا” مستخدما کلمة never الانکليزية. اکّد أيضا ان ايران “لا تأخذ أوامر من روسيا” وانّها لن تخرج من العراق او غيره. قال بالحرف الواحد: “لن نغادر المنطقة. نحن من المنطقة”.
هل صحيح ان ايران من المنطقة وانّها قادرة علی التعايش مع اهل المنطقة… ام انّها قوّة استعمارية لا اکثر؟
الجواب بکل بساطة ان ايران تتصرّف کقوّة استعمارية. ما تغيّر منذ “ثورة” الخميني في العام 1979 ان التصرّف الايراني تطوّر نحو الأسوأ، وذلک مقارنة مع ما کان عليه ايّام الشاه. کان هناک حدّ ادنی من العقلانية في عهد الشاه الذي کان يعتبر نفسه “شرطي الخليج”. احتلّ الجزر الاماراتية الثلاث (ابو موسی وطنب الصغری وطنب الکبری) في العام 1971 بعدما اکّد الشعب البحريني في الاستفتاء الذي جری بإشراف الامم المتحدة تمسّکه بالاستقلال. بالنسبة الی الشاه، کانت الجزر الثلاث تعويضا عن رفض البحرين ان تکون محافظة إيرانية. المؤسف ان شيئا لم يتغيّر منذ 1971. تتمسّک “الجمهورية الإسلامية” بسياسة الشاه وما زالت تحتلّ الجزر الاماراتية الثلاث رافضة ايّ تفاوض في شأنها.
في مرحلة ما بعد “الثورة”، لم تعد هناک حدود للطموحات الايرانية. قد يکون ذلک ناجما الی حاجة النظام الی متابعة عملية هروبه الی امام في غياب القدرة علی حلّ أي مشکلة داخلية يواجهها. کان الشعار الذي رفعته “الثورة الإسلامية” هو الاستغناء عن مداخيل النفط. مع مرور الايّام، صارت ايران تعتمد علی النفط اکثر فاکثر، وذلک بدل توظيف إمکاناتها من اجل رفاه شعبها وتحسين مستوی المعيشة والعمل علی تطوير قطاعات اقتصادية اخری.
ينمّ کلام وزير الخارجية الايراني عن وقاحة ليس بعدها وقاحة واستخفاف بالعرب عموما والشعبين السوري والعراقي علی وجه التحديد. استند ظريف لتبرير الوجود العسکري الايراني في سوريا الی “دعوة” من “حکومة شرعية”. منذ متی هناک حکومة شرعية في سوريا. هل يمتلک النظام السوري القائم علی أجهزة امنية مهمّتها قمع الشعب، شرعية من ايّ نوع؟
في سياق القاء ظريف لکلمته في روما، اعترض عدد من الحضور علی استخدامه عبارة “الخليج الفارسي”. ردّ علی المعترضين بان طلب منهم “قراءة التاريخ”. لعل افضل ردّ علی تمسّک ظريف بالوجود العسکري الايراني في سوريا دعوته الی قراءة التاريخ أيضا. يقول التاريخ ان لا مکان لإيران في سوريا ولا في ايّ دولة عربية، بما في ذلک العراق ولبنان. استطاعت ايران تغيير طبيعة قسم لا بأس به من المجتمع الشيعي في لبنان. لکنهّا لن تستطيع تغيير طبيعة المجتمع اللبناني، حتّی لو بدر عن بعض المسيحيين ما يشير الی جهلهم في ايران ومشروعها التوسّعي.
ليس هذا الکلام نابعا من شعور ذي طابع شوفيني بمقدار ما انه يستند الی واقع يتمثّل في ان الاستثمار في اثارة الغرائز المذهبية لا يمکن ان يبني علاقة بين ايران وايّ شعب عربي. کلّ ما هناک انّ ايران لن تکون قادرة علی تحقيق اختراق في العمق في ايّ بلد عربي ما دامت تتصرّف کقوّة استعمارية من منطلق انّها مرجعية للميليشيات المذهبية التي اسستها في العراق وسوريا ولبنان واليمن وحتّی في البحرين.
اذا کانت ايران تريد ان يکون لها بالفعل وجود في هذه الدولة العربية او تلک، يفترض بها التخلي عن الذهنية التي تحکّمت بالنظام منذ العام 1979. هناک للمرّة الاولی إرادة عربية واضحة في التصدي للاطماع الايرانية، خصوصا بين دول الخليج، علی رأسها المملکة العربية السعودية. صحيح انّه لا يمکن تجاهل الحرب العراقية – الايرانية بين 1980 و1988 واضطرار الخميني الی “تجرّع کأس السمّ في نهايتها”، لکن الصحيح أيضا ان صدّام حسين أضاع کلّ ما کان يمکن تحقيقه من مکاسب في تلک المرحلة بعدما ارتکب جريمة احتلال الکويت من جهة وبسبب عجزه عن فهم المعادلات العربية والإقليمية من جهة أخری.
هناک حاليا وعي عربي شامل لخطورة المشروع التوسّعي الايراني. هناک استيعاب لدی الأمير محمد بن سلمان وليّ العهد السعودي لمعنی ان يتصرّف خامنئي مثل هتلر. من يسعی الی ان يکون في سوريا والعراق بحجة “اننا من داخل المنطقة وليس من خارجها”، انّما يتصرّف کما تصرّف هتلر في مرحلة ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية ان تجاه النمسا او تجاه بولندا.
من المفيد ملاحظة انّ المجتمع الدولي بدأ يعي ابعاد اطلاق ايران صواريخ باليستية من اليمن في اتجاه الأراضي السعودية. لم يعد الاوروبيون والأميرکيون اسری عقدة الملفّ النووي الايراني. صاروا يميّزون بين أهمية المحافظة علی الاتفاق في شأن الملفّ النووي الموقع صيف العام 2015 وملف الصواريخ الايرانية ونشاطاتها التخريبية في المنطقة من جهة أخری.
يمکن ان يکون هذا التمييز الاوروبي والأميرکي بين الملف النووي والصواريخ الايرانية ما دفع وزير الخارجية الايرانية الی کشف حقيقة السياسة الايرانية ومدی خطورتها. حقيقة هذه السياسة انّ الايرانيين موجودون عسکريا في العراق وسوريا ولبنان ويعتقدون انّ لاشيء يمکن ان يخرجهم من البلدان الثلاثة.
هل هذا رهان إيراني في محلّه؟ من يقرأ التاريخ ومن يتمعّن بإمکانات ايران، لا بدّ ان يکتشف انّ ليس في استطاعة ايّ دولة لعب دور اکبر من حجمها. روسيا نفسها التي استعانت بها ايران کي يبقی بشّار الأسد في دمشق، بدأت تستوعب انّ ليس في استطاعتها فرض حلّ في هذا البلد من دون تفاهم ما مع الإدارة الاميرکية… هذه الإدارة التي يبدو انّها تتّجه الی سياسة اکثر تصلّبا تجاه ايران وما تمثّله وما تطمح اليه في المنطقة.







