مقالات

بعد صنعاء… مفتاح باب المندب والسويس بيد إيران؟

 


 


الحياة اللندنية
29/9/2014



بقلم: جورج سمعان



 طوی الحوثيون صفحة «المبادرة الخليجية». وطووا معها صفحة «ثورة 26 سبتمبر 1962» و «ثورة فبراير 2011». دخلوا العاصمة فاتحين کما دخلها الجمهوريون قبل 52 عاماً علی أنقاض دولة الإمامة. والأصح أنهم کانوا في صنعاء قبل ذلک. وما فعلوه قبل أيام أنهم وضعوا يدهم علی الدولة في انقلاب ناعم وهادئ ومتدرج بلا مقاومة تذکر.
وهو ما سهّل عليهم أن «يصادروا» أسلحة الجيش وعتاده، وأن يقتحموا بيوت خصومهم السياسيين والعسکريين. ما حدث شکّل صدمة لکثيرين. لکنه لم يکن مفاجأة. جاء نتيجة مقدمات، من دماج إلی عمران فالعاصمة. لم يشعر أهل صعدة طوال هذه المسيرة بأن الدولة اتخذت قراراً حاسماً بمواجهتهم. الرئيس عبد ربه منصور هادي تمسک بشعار «الصبر» بلا حدود حيال تحرکهم سياسياً وعسکرياً. وظلت قيادة وزارة الدفاع والجيش تعلن تمسکها بالحياد! وظل المبعوث الأممي جمال بن عمر مواظباً علی التوسط. وقبع أياما ينتظر أن يمنّ عليه عبد الملک الحوثي بشروطه في اتفاق «السلم والشراکة الوطنية». کان ثمة فراغ سياسي وعسکري، وغياب أو انشغال إقليمي ودولي بالحدث «الداعشي». کانت فرصة سانحة ليملأ الحوثي هذا الفراغ ولم يتردد.
ظن کثيرون أن الحوثيين لن يجرؤوا علی اجتياح صنعاء مخافة اندلاع حرب أهلية مدمرة لن يخرج منها طرف منتصراً. لم يتوقعوا أن تکون العاصمة لقمة سهلة أمام قوة عبد الملک الحوثي وحده. لذلک وافق أهل المدينة علی حديث الرئيس هادي عن مؤامرة کبيرة، وعن خيانة وطعن. کان ثمة تفاهم مهّد لسقوط العاصمة. فالجميع يعلم أن أکثرية عديد المؤسسة العسکرية من قبائل الشمال، وأن قياداتها بمعظمها أيضاً من أهل الشمال، وحاشد خصوصاً. ولا تزال غالبية فيها علی ولائها للرئيس السابق علي عبدالله صالح ونجله العميد أحمد وأقربائه. وکان لافتاً أن الفرق العسکرية التي کان يقودها الأخير لم يتعرض لها الحوثيون، بخلاف ما حصل لبقية الفرق خصوصاً تلک التي کانت قريبة من اللواء علي محسن الأحمر. أما «اللجان الشعبية» التي عوّل عليها رئيس الجمهورية في المواجهة فتبخرّت. کأنما «تجمع الإصلاح» الذي أوکل إليه تولي تنشئة هذه اللجان، آثر السلامة وعدم المواجهة. أراد التجمع أن يثأر مما وصفه بتخلي الرئاسة عنه وعن عسکرييه في عمران. الطرفان إذاً، الرئيس السابق و «الإصلاح»، ثأرا من الرئيس کل علی طريقته.
صبر الرئيس هادي کان محيراً بلا حدود. لم يحرک الجيش، کما کان يفعل سلفه في الحروب الست التي خاضها مع الحوثيين من 2004 إلی 2010. کان يتوقع ربما أن يُضعف القتال طرفي النزاع: الحوثيين من جهة والإصلاح ومن معه من سلفيين وقوی قبلية من جهة ثانية. لکن سياسة ضرب القوی بعضها ببعض لم يتقنها کما کان يفعل سلفه، لأنه لم يحسن الحساب والتحرک في اللحظة المناسبة. وقد يکون عدم تحرکه مرده أيضاً إلی معرفته بالترکيبة العسکرية القائمة ومدی تبعيتها السياسية لهذا الطرف أو ذاک. وهذا ما أثبتته أحداث صنعاء. لذلک حاول استجداء السلام من عبد الملک الحوثي، علی رغم أنه لم يکف عن التحذير من تدخل إيران في الشمال والجنوب! وهذا اعتراف بان اللعبة اکبر منه ومن الاطراف الداخلية.
سجل کثير من اليمنيين مآخذ علی سياسة الرئيس هادي في إدارة المرحلة الانتقالية: شکل الهيئة الوطنية التي تتولی تنفيذ مقررات مؤتمر الحوار الوطني من دون التشاور مع القوی الفاعلة والمعنية بالقرارات. وتأخر في تشکيل حکومة جديدة بعد انتهاء أعمال المؤتمر. مثلما تأخر في توسيع مجلس الشوری بحيث يتقاسم الشماليون والجنوبيون أعضاءه مناصفة. وذهب بعضهم إلی حد تشبيهه بسلفه في الاستئثار بعيداً عن إشراک الآخرين. وهو ما اتهمه به رئيس الحکومة المستقيل محمد سالم باسندوة. صحيح أنه عمل علی تفکيک مراکز القوی في المؤسسات العسکرية والأمنية، واستعان بالأميرکيين والأردنيين لإعادة هيکلة الجيش، لکن هذه العملية توقفت. اکتشف هؤلاء أن التغيير والتبديل في القيادات لا يکفي لقيام جيش وطني محترف بعيداً من السياسة. لا بد من إعادة هيکلة شاملة لا تستثني حتی العسکريين العاديين الموزعي الولاءات السياسية والقبلية والجهوية.
لم يکن أحد يتوقع أن يجتاح الحوثيون صنعاء، لأن مناصريهم کانوا أصلاً فيها بأعداد کبيرة منذ اندلاع الحراک الشبابي قبل ثلاث سنوات ونيف وقبله. ظن الجميع أنهم سيتوقفون في عمران بعد هزيمتهم السلفيين و»الإخوان» وحلفاءهم. وهذا ربما ما جعل بعض القوی الخليجية تغض الطرف عما کان يحققه عبد الملک الحوثي في تقدمه علی خصومه، خصومهم من «إخوان التجمع اليمني للإصلاح». ولم يقلقهم تحرک الرئيس السابق علي عبدالله صالح ودعمه الحوثيين. هو خرج من السلطة علی أساس مرحلة انتقالية لم تستثنه من السلطة، بل منحته نصف أعضاء الحکومة فيما بقي حزبه «المؤتمر» يسيطر علی الغالبية في مجلس النواب. لکن أحلام العودة إلی الحکم التي أُخرج منها عنوة لا تزال تراوده، فإن لم تکن له فلأبنائه. کما أنه أراد الانتقام من جميع شرکائه في الحکم الذين تخلّوا عنه في اليوم الأول للحراک مطلع العام 2011. انحاز التجمع وآل عبدالله بن حسين الأحمر واللواء علي محسن الأحمر إلی الساحات والميادين، کأنهم لم يکونوا جزءاً من النظام الذي نادت الأصوات برحيله. کأنهم لم يکونوا في منظومة الحکم ومنافعه ومفاسده وشرکاء في کل شيء! ولا يُخفی أن الرئيس السابق حاول عبثاً معاندة متطلبات المبادرة الخليجية وماطل وناور قبل أن يستسلم. ولم يترک فرصة للتفاهم مع الحوثيين لإحباط مؤتمر الحوار، وضرب المبادرة. ويتهمه خصومه بالتواصل مع إيران من أجل إقناع حليفها عبد الملک بالتنسيق معاً لإسقاط المرحلة الانتقالية والإمساک مجدداً بمفاصل السلطة.
لم يتوقع أصحاب المبادرة الخليجية أن يذهب الحوثيون إلی حد السيطرة علی صنعاء بهذه البساطة. أخذتهم الصدمة. فليس قليلاً أن ما تری إليه المملکة العربية السعودية خطراً علی الأمن الإقليمي والدولي، تعده إيران «نصراً مؤزّراً» للجمهورية الإسلامية. وليس قليلاً أن يفرض عبد الملک الحوثي يده علی العاصمة غداة مشارکة أربع دول خليجية قوی التحالف الدولي في قصف مواقع «داعش» في سورية والعراق، وهي تنادي بوجوب إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، وتبدي استعداداً لدعم المعارضة وتدريب عناصرها المعتدلة. کان الرئيس هادي حذّر منذ بداية التحرک الحوثي نحو عمران ثم العاصمة من أن طهران تريد المقايضة: صنعاء مقابل دمشق. والواقع أن طهران لم ترضخ بسهولة للتغيرات التي خلّفها قيام «داعش» في بلاد الشام. وسعت ولا تزال إلی تحقيق مکاسب في جنوب شبه الجزيرة العربية تعويضاً عما خسرته وقد تخسره في شمالها. وهي تستعد للإقامة علی باب المندب بعد مضيق هرمز.
المفارقة کبيرة أن يسيطر الحوثي وريث «الإمامة» علی عاصمة اليمن في الذکری الـ 52 لسقوطها في أيدي الجمهوريين (1962). لکن الظروف المحلية مختلفة تماماً اليوم. ومثلها الظروف الإقليمية والدولية. قد يکون انتصار الحوثيين شبيهاً بانتصار «حماس» في غزة أثناء الانتخابات العام 2006 وما تلاها من استقلالهم بالقطاع. أي أن السؤال اليوم هو کيف سيوظف أهل صعدة هذا الانتصار؟ هل يمکنهم هضمه وعناصرهم عاثت فساداً ونهباً وتعديات في العاصمة حتی شبّه بعضهم ما حدث بأنه «أيلول أسود»؟ يستحيل علی الحوثيين أن يبسطوا يدهم علی کامل اليمن. حتی في أيام الإمامة التي استمرت نحو ألف سنة لم تتجاوز سلطة الأئمة ذمار جنوب صنعاء. فيما کانوا يکتفون بالجباية من أهل الوسط. حالت الجغرافيا دون استقلال «حماس» کلياً بالقطاع. کانت مصر ولا تزال حاضرة في المشهد اليومي، فهل تسمح الجغرافيا نفسها للحوثي بالاستقلال باليمن بعيداً من أهل الخليج والسعودية خصوصاً؟ هل تکتفي دول الخليج بدعوة مجلس الأمن الی فرض عقوبات علی الحوثيين والرئيس صالح؟ وهل تسکت مصر التي تعمل علی توسيع القناة أن تمسک إيران بمفتاح الملاحة في البحر الأحمر والقناة؟ المنظومة الامنية لشبه الجزيرة تبدلت جذريا. ويشکل هذا التطور تهديدا مباشرا للامن القومي السعودي والمصري.
خاضت المملکة العربية السعودية حرباً مع مصر عبدالناصر في اليمن بدعمها الکبير لدولة الامامةوآل حميد الدين في مواجهة الجمهوريين الذين ساندتهم القاهرة بالعتاد والرجال. ولا يمکنها اليوم أن تلتزم موقف المتفرج بعدما باتت بين فکّي کماشة: العراق شمالاً واليمن جنوباً. ومثلها مصر التي لم يرق لها وصول النفوذ الإيراني إلی شواطئ غزة، لا يمکنها السکوت علی تربع الحوثيين في صنعاء وتمددهم نحو البحر الأحمر. وهل يسمح المجتمع الدولي بأن تقيم طهران وحرسها «الثوري» علی باب المندب بعد مضيق هرمز؟ وقبل هؤلاء وأولئک، هل يمکن أهل الوسط والجنوب أن يسکتوا علی هذا التمدد لأهل الشمال لتعود الأمور إلی سيرتها الأولی، إلی ما قبل الثورتين؟ وماذا عن «القاعدة» التي تسرح وتمرح جنوباً ووسطاً، وقد توعدت الحوثيين بالويل والثبور؟ الظروف التي ولّدت «داعش» في العراق وسورية هي نفسها قد تولّد لليمن «داعشييه».
المهم اليوم أن تاريخاً جديداً قد بدأ في اليمن. تلاشت الدولة. بات الرئيس ومن معه تحت رحمة «أنصار الله». وقد لا يطول الأمر بعبد الملک الحوثي ليطيح هادي وفريقه بعد إطاحة الحکومة. قد ينتظر الانتخابات البرلمانية التي قد تعطيه غالبية في مجلس النواب، ما دام أنها ستُجری تحت أسنة حرابه وخناجره ودبابته ومدافعه. عندها سيتسلح بالشرعية الشعبية لإدارة البلاد. ولکن ثمة من يری أنه لن يکون قادراً علی تحقيق هذا الحلم. فبناء سلطة بالقوة في مجتمع لم يتوقف حراکه الذي أسقط سلطة حکمته طوال ثلاثة عقود بالقوة قد يکون وهماً… إلا إذا تمکن الرئيس علي صالح الذي قالت الصحف اليمنية إن الحوثيين منحوه «الأمان» فيما هم يعيثون فساداً بممتلکات خصومهم وخصومه، من العودة عبر «أهله» إلی أروقة الحکم بتقاسم السلطة مع الحوثيين بدعم من القيادات والفرق العسکرية التي تدين له بالولاء. ومعروف أنه خرج من القصر وکان قادراً علی مواجهة خصومه في الشوارع والميادين بحشود لا تقل عن حشودهم قوة وعدداً.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
منظمة مجاهدي خلق الإيرانية - أرشیف
Privacy Overview

This website uses cookies so that we can provide you with the best user experience possible. Cookie information is stored in your browser and performs functions such as recognising you when you return to our website and helping our team to understand which sections of the website you find most interesting and useful.