حلب تحاصر إيران

الحياة اللندنيه
9/1/2017
بقلم: راشد صالح العريمي
يبدو جلياً أن إيران لا تنظر بارتياح إلی التطورات الأخيرة في سورية، وأن وقف إطلاق النار قبل عشرة أيام لم يرق لملالي إيران وقادة الحرس الثوري الذين يشعرون بأن نفوذهم في سورية يتضاءل لمصلحة تحالف بين روسيا وترکيا،
وتقاربٍ في وجهات النظر الروسية – الترکية حول المسارات المستقبلية للأزمة السورية بعد أن غيرت ترکيا سلوکها، وهو ما يتعارض مع ما خطط له الإيرانيون منذ تدخلهم العسکري المبکر في الصراع، وهو تحويل سورية إلی منطقة نفوذ إيراني صرف علی النحو الذي طُبِّق في العراق، وإعطاء الصراع السوري بعداً طائفياً خالصاً علی رغم أنه لم يکن کذلک في بداياته، وکان تدخل «حزب الله» اللبناني عسکرياً جزءاً من هذا المخطط.
وعبّرت إيران عن غضبها من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2328 الذي قدمته روسيا، الذي ضمن حماية للمدنيين من العنف، إدراکاً من طهران لحقيقة أن الأمور تسير لغير مصلحتها. ويعد وصف علي شمخاني، الأمين العام للمجلس الأعلی للأمن القومي الإيراني، القرار بأنه يمهّد لمزيد من التوتر في سورية و»يُنقذ الإرهابيين»، أول إخراج للخلافات الروسية- الإيرانية إلی العلن، بعد أن تمت تنحيتها جانباً لفترة طويلة. وتوالت مواقف روسية بعد انتهاء معرکة حلب، لتؤکد أن المدينة لن تُترک للنظام السوري أو لميليشيات إيران و «حزب الله» اللبناني لتفعل بها ما تشاء، فيما کانت طهران تأمل أن يُلقی من حلب خطاب دعائي لـ «النصر الإلهي» يؤکد هيمنة إيران علی مستقبل سورية، وينسب الانتصار الذي تحقق في حلب إلی الميليشيات الإيرانية حصراً. وبدلاً من أن تحاصر إيران حلب، کما کان الوضع من قبل، أصبحت حلب الآن هي من يحاصر إيران ويدفعها إلی الزاوية.
إيران تری مصلحتها في استمرار التصعيد العسکري ومواصلة المعارک إلی حين إتمام خطة تغيير الترکيبة الديموغرافية، عبر مواصلة إبرام الاتفاقات حول خروج المسلحين وعائلاتهم من مدن ومناطق معينة، بفعل الضغط العسکري والحصار الخانق، إلی إدلب أو غيرها ليحل محلهم سکان من الشيعة، وصولاً إلی تفريغ المنطقة الواقعة بين دمشق والحدود اللبنانية من السنة علی نحو تام.
من أجل ذلک، فإن اختلاق الأسباب والذرائع من أجل مواصلة العمليات العسکرية هدف لإيران و «حزب الله» اللبناني، وکذلک للنظام السوري الذي يشعر بضعف موقفه أيضاً، وهذا ما يفسر محاولات إشعال الموقف وخرق اتفاق وقف إطلاق النار. وبدا التقارب الروسي – الترکي علی حساب إيران في تصريحات وزير الخارجية الترکي مولود جاويش أوغلو الذي طالب إيران بالضغط علی «الميليشيات الشيعية والنظام السوري» لوقف إطلاق النار، موضحاً أن جهوداً تجری لعقوبات روسية- ترکية ستُفرض علی منتهکي الاتفاق. وکما هو مُتوقع، جاء الرد علی لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية عصبياً ومتشنِّجاً وکاشفاً عن الغضب المکبوت، ولم يزد عن اتهام الأتراک بـ «تعقيد الظروف وزيادة المشکلات في طريق الحل السياسي للأزمة».
علی رغم أن إيران وروسيا کانتا تخوضان الحرب في سورية في خندق واحد، فإن اختلاف الأهداف کان يجعل لحظة افتراق المصالح حتمية، وحانت هذه اللحظة الآن. وما يُدرکه الإيرانيون تماماً، أن روسيا هي صاحبة الدور الأهم في تغيير موازين القوة لمصلحة النظام، إذ حشدت جهودها العسکرية والسياسية والديبلوماسية خلال العامين الأخيرين من أجل تحويل مسار الحرب التي شهدتها سورية، ونجحت في ذلک. ولم تُنقذ روسيا النظام السوري فحسب، بل إنها أنقذت إيران وذراعها «حزب الله» وجنبتهما هزيمة کانت تبدو وشيکة، إذ کانت المعارضة السورية قريبة جداً من إسقاط النظام لولا أن جاء التدخل الروسي القوي ليغير المعادلة تغييراً کلياً.
تسعی روسيا من تدخلها في سورية إلی تعظيم نفوذها واستعادة جزء من صورة القوة العظمی القادرة علی فرض مصالحها بالقوة، وبناء أسس لنفوذها في المنطقة بعد أن کادت تغادرها تماماً. واقتربت روسيا من تحقيق هذه الأهداف، فهي ذات کلمة مسموعة لدی النظام السوري، ويمکنها التفاهم مع ترکيا صاحبة النفوذ علی قطاعات مهمة من الميليشيات التي تقاتل النظام، کما أن کثيراً من فصائل المعارضة السورية ليس لديها مانع من التعامل مع روسيا وإبرام الاتفاقات معها، فيما ترفض تماماً أي تعامل مع إيران. ولذا فإن روسيا ستُنجز مهمة وترحل، بعد أن تحصل علی ما تشاء من قواعد وتسهيلات عسکرية واتفاقات تضمن لها النفوذ الذي تسعی إليه.
وليس الأمر کذلک بالنسبة إلی إيران التي لم تدخل سورية لتخرج منها، بل دخلت لتبقی. ومشروع إيران في سورية هو إقامة نظام طائفي تابع لطهران يتلقی منها الأوامر ويعمل لمصلحة تحقيق أهدافها الإقليمية والدولية. وسورية في التصور الإيراني جزء من الهلال الشيعي الذي يضمن لها أن تکمل اختراقها للدول العربية وتمد سطوتها ونفوذها بشکل متصل ليبلغ البحر الأبيض المتوسط.
إيران فهي تغذي حال العداء مع محيطها العربي بمزيد من التدخلات والتحرشات والإساءات، وتفتعل المشکلات التي تقف بالمنطقة دائماً علی حافة التوتر والمواجهة. ومن المعروف أن جزءاً من أوراق حل الأزمة السورية تمتلکه دول خليجية، ودور هذه الدول ضروري للوصول إلی تفاهمات واتفاقات بين النظام وفصائل کبری ومؤثرة في المعارضة السورية، وتستطيع روسيا أن تکون وسيطاً يحظی بدرجة من القبول، في حين أن وجود إيران يمکن أن يعقد أي جهود علی هذا الطريق.
من جهة ثانية، فإن ترتيب الساحة لمقدم الرئيس الأميرکي دونالد ترامب، الذي يتحدث کثيرون عن علاقة جيدة تربطه بالروس، يقتضي تحجيم الدور الإيراني في سورية، فالرئيس الأميرکي الجديد ينوي وقف سياسة سلفه باراک أوباما التي سمحت لإيران بالتمدُّد وتحقيق أهدافها من دون أن تجني الولايات المتحدة الأميرکية شيئاً، وسيتبع سياسة أکثر تشدداً تجاه إيران علی مستويات عدة. ولن يکون من السهل ضمان تعاون الولايات المتحدة الأميرکية في الوصول إلی حلول للأزمة السورية إذا کان لإيران حضور مؤثر فيها، علی العکس من ترکيا التي يمکن أن تکون عاملاً مساعداً في هذا الشأن.
الدور الإيراني في سورية، وهو دور تراه طهران محورياً، يوشک أن يدخل مرحلة أفول، علی رغم العدد الهائل للقتلی من الحرس الثوري و «حزب الله» والميليشيات التي اجتلبتها إيران من مناطق عدة. والمخطط الإيراني للهيمنة علی سورية علی وشک التهاوي، وزمن التغاضي الأميرکي عن التمدد الإيراني أو تأييده ضمنياً انتهی مع رحيل أوباما، وکل ذلک سيعود بإيران إلی موقع المحاصر. ومثل هذا الموقع سيضعف إيران.







