هل بإمکان طهران أن تمتلک هکذا خطاب ديني معتدل؟

کتابات
30/12/2014
بقلم: منی سالم الجبوري
ليس هناک من شک في أن الجماعات و الميليشيات الشيعية في العراق و سوريا و لبنان و اليمن، صاحبة نهج متطرف يعتمد علی ممارسة العنف و القسوة من أجل بلوغ الاهداف المرسومة لها، والذي ليس فيه أي شک هو ان هذا النهج المتطرف محدد لها من جانب نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية، والتي طالما تفاخر و تنافح مسؤولين فيه بنجاحهم في ماسموه ب”تصدير الثورة الاسلامية”للبلدان الاربعة المشارة إليها آنفا.
إعتماد النهج المتطرف العدواني و التوسل بالقسوة و العنف من أجل تحقيق الاهداف و الغايات، يمکن إعتباره آلية العمل المحددة للجماعات و الميليشيات الشيعية المؤتمرة بأمر طهران، ويمکن القول بل و حتی التأکيد علی عدم وجود هکذا نهج متطرف عدواني دموي قبل تأسيس نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية و الشروع بتطبيق المبدأ المشبوه المسمی”تصدير الثورة”، والذي لم يکن سوی تصديرا للتطرف الديني و الارهاب بأسوأ أنواعه، ولئن کان النظام الديني في إيران يزعم بأنه يعمل من أجل التقريب بين المذاهب و إستتباب الامن و الاستقرار و إشاعة المحبة و الالفة بين الشعوب، لکن الحصاد الدموي لما يقوم بزرعه من أسباب الشر و العدوان و التفرقة و البغضاء يعکس خلاف ذلک تماما.
شعرت بالراحة و الثقة و الامل بالمستقبل عندما طالعت الرسالة البليغة التي وجهها فضيلة الشيخ جلال کنجهاي، رئيس لجنة المذاهب و حرية الديانات في المجلس الوطني للمقاومة الايرانية لفضيلة شيخ الازهر الدکتور أحمد الطيب تعقيبا علی”بيان الازهر العالمي”، خصوصا عندما يؤکد في رسالته قائلا:” نحن في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الائتلاف الديمقراطي المعارض للديکتاتورية الدينية الحاکمة في إيران سواء بصفته مؤسسة وطنية أو بصفة غالبية الأعضاء المسلمين المتدينين في هذا المجلس والشيعة الواعين السالکين علی درب الإمام علي (ع) نتفق معکم علی ما صرحتم بجدارة في «بيان الأزهر العالمي» بأن : «مفهوم الخلافة الراشدة في عصر صحابة رسول الله صلی الله عليه وسلم. فقد کانت تنظيما لمصلحة الناس غايته حراسة الدين وسياسة الدنيا، وتحقيق العدل والمساواة بين الناس، فالحکم في الإسلام يتأسس علی قيم العدل والمساواة وحماية حقوق المواطنة لکل أبناء الوطن بلا تمييز بسبب اللون أو الجنس أو المعتقد، وکل نظام يحقق هذه القيم الإنسانية الرئيسة هو نظام يکتسب الشرعية من مصادر الإسلام». ان هذا المجلس قد تبنی نفس المضمون السامي قبل ثلاثة عقود أي في عام 1985 في وثيقة «علاقة الدين والدولة» کما انه يؤکد علی المضمون والمحتوی نفسه بعقده
العزم علی ضرورة قيام حکومة ديمقراطية في ايران الغد بدلا من الفاشية الحالية المغطاة بالدين.”، والحقيقة التي لامناص من الاقرار بها ان النظام الايراني لم يصدر أي تصريح او موقف بهذا الشکل الصريح المتسم بروح الحرص و المسؤولية.
قبل فترة، إعترف هاشمي رفسنجاني، الذي يعتبر من الشخصيات الاساسية في نظام الجمهورية الاسلامية و من بناتها الاساسيين، بأن الخطاب المتطرف الصادر من جانب طهران بشأن سب الصحابة و الاحتفال بمقتل عمر وغيرها من الامور، کانت سببا وراء زيادة حدة التطرف في المنطقة و ظهور داعش و طالبان و الاعمال الارهابية، ومن هذا المنطلق و لإعتبارات أخری غير خافية علی أحد بالنسبة لما بدر و يبدر عن طهران، فإن التحفظ الذي أبداه الشيخ کنجهاي بشأن الفقرة التي جاءت في بيان الازهر العالمي و التي أکدت بأن”کل الفرق و الجماعات المسلحة و الميليشيات الطائفية التي إستعملت العنف و الارهاب في وجه أبناء الامة ـ رافعة زورا و بهتاناـ رايات دينية، هي جماعات آثمة فکرا و عاصية سلوکا، وليست من الاسلام الصحيح في شئ…الخ”، حيث أوضح الشيخ کنجهاي بأنه کان من المستحسن في هذه الفقرة لو کانت الحکومات و الدول المرتکبة لهذه الجرائم المذکورة، واردة قبل الجماعات و الميليشيات، لأن ذلک کان کفيلا برأي الشيخ إرتقاء البيان الی مستوی أعلی من تعريف جامع ولکان له أثر أکبر في غرس بذور الامل لدی المضطهدين.
الشيخ کنجاي، عندما يؤکد بأنهم في المجلس الوطني للمقاومة الايرانية يرحبون بالفقرة التي تؤکد:” إن تعدد الأديان والمذاهب ليس ظاهرة طارئة في تاريخنا المشترک؛ فقد کان هذا التعدد وسيبقی مصدر غنی لهم وللعالم، يشهد علی ذلک التاريخ… فإن التعرض للمسيحيين ولأهل الأديان والعقائد الأخری باصطناع أساب دينية هو خروج علی صحيح الدين وتوجيهات النبي صلی الله عليه وسلم، وتنکر لحقوق الوطن والمواطن..”، بل وان الشيخ کنجهاي يستطرد في کلامه مؤکد بأن” فرض أي صنف من الحکومة الطائفية مهما کانت تسميته دينيا أو مذهبيا أو قوميا أو عرقيا في عالمنا المعاصر وفي المکونات القومية والدينية المنتشرة في دول العالم من شأنه أن يشيع الاضطهاد وهتک الأعراض والاعتداء علی أرواح وأعراض الأبرياء مما يستدعي اعلان البراءة قولا وفعلاعن هکذا ادعاءات ولاسيما من المنطلق الدين الإسلامي الحنيف والشريعة المحمدية السمحاء.”، وان نظرة واحدة الی الممارسات و النهج المشبوه السائد من جانب النظام القائم في طهران تجاه الاقليات الدينية و الطائفة السنية بشکل خاص، ونفس الامر بالنسبة للجماعات و الميليشيات المتطرفة التي تتبعها، تؤکد حقيقة مايطرح الشيخ کنجهاي و يؤکد عليه.
اننا نتساءل؛ هل کان بإمکان قادة و مسؤولي نظام الجمهورية الاسلامية الايرانية الذين صدعوا رؤوس العالم الاسلامي بمزاعمهم بشأن العمل من أجل الحفاظ علی الوحدة الاسلامية، أن يمتلکوا خطابا کخطاب الشيخ جلال کنجهاي الذي أوضحنا جوانب منه وليس کل ماجاء فيه؟ انهم يقولون شيئا و يفعلون شيئا آخرا، لکنهم رغم ذلک لم يجرؤوا يوما علی إعلان موقف عملي يکون فيه صالح الشعوب الاسلامية بمختلف طوائفها لأنهم و کما نعلم جميعا، يوظفون الخلافات و الاختلافات و يعمقونها من أجل تحقيق أهدافهم و غاياتهم المرفوضة.







